هل قصة أيوب مقتبسة من قصص اسطورية؟

Patricia Michael

الشبهة

يذهب بعض النقّاد إلى القول بأن سفر أيوب ليس نصًا أصيلاً في حد ذاته، بل إنه مقتبس من نصوص وأساطير أقدم ظهرت في حضارات الشرق القديم. ويستند هؤلاء إلى عدد من الأمثلة، من أبرزها:

أسطورة الملك الهندي "هارس كندرا" الذي مرّ بتجربة فقدان ممتلكاته وأسرته، وتعرض لمعاناة شديدة، ثم انتهت قصته بتدخل الآلهة وإعادة ما فُقد له.نص مصري يُعرف باسم "حوار الإنسان مع روحه" أو "حوار حول الانتحار"، ويتناول تجربة إنسان يائس من الحياة ومعاناته النفسية.قصة "الفلاح الفصيح" في الأدب المصري القديم، التي تعرض شكوى إنسان مظلوم وسعيه للحصول على العدالة.

وبناءً على هذه المقارنات، يستنتج أصحاب هذه الشبهة أن وجود تشابه في موضوع الألم والمعاناة يدل على أن كاتب سفر أيوب قد استقى مادته من هذه النصوص الأقدم.

الردإن هذا الادعاء يقوم أساسًا على مجرد ملاحظة عناصر عامة مشتركة، مثل الألم أو الظلم أو البحث عن العدالة، لكنه يغفل الفروق الجوهرية والعميقة بين هذه النصوص وبين سفر أيوب من حيث البناء والمضمون والهدف اللاهوتي.

أولًا: قصة هارس كندرا لا تشبه سفر أيوب

كان "هارس كندرا" ملكًا مثاليًا، وقد ساد في عصره العدل والرخاء في جميع أنحاء مملكته. وفي أحد المواقف، وأثناء توجهه لإنقاذ امرأة في محنة التزامًا بعهد أخذه على نفسه بحماية الضعفاء ومساعدة المحتاجين ومحاربة الأعداء وإعطاء الصدقات، خاصة للبراهمة، أراد هؤلاء البراهمة اختبار صدقه في الالتزام بتعهده.

فطلبوا منه أن يتخلى عن جميع ممتلكاته، فاستجاب لهم طوعًا وتنازل عن كل شيء ما عدا زوجته وابنه وجسده. ثم عاش الملك في حالة من الفقر الشديد كمتسول لا يملك شيئًا.

وفي سياق آخر، كان الملك مطالبًا بدفع أجر شخص يُدعى "راجاسيا Rajasuya" كان قد توقف دفع أجره سابقًا، مما اضطره إلى بيع زوجته وابنه لتسديد ذلك الدين. وعاش بعد ذلك وحيدًا في ذل شديد، ثم مات ابنه لاحقًا، فقرر هو وزوجته أن يحرقا أنفسهما مع الجثمان.

لكن الإله "أندرا" تدخل في اللحظة الأخيرة، فأعاد الحياة لابنه، وجمع شمل الأسرة، ثم رفعهم إلى السماء (راجع: فرانسيس أندرسون – التفسير الحديث للكتاب المقدس – أيوب ص 22–23).

ومن خلال هذا العرض المختصر يتبين مدى الاختلاف الكبير بين هذه القصة وسفر أيوب. فأيوب لم يتخلَّ عن ممتلكاته بإرادته، ولم يتحول إلى متسول، ولم يبع زوجته أو ابنه، ولم يحاول الانتحار أو حرق نفسه، ولم يحدث أن أُعيد إحياء ابنه، ولم يصعد هو أو أسرته إلى السماء.

حتى إن بعض الباحثين مثل "هولشر Holscher" أشار إلى احتمال عكسي، وهو أن هذه الأسطورة قد تكون هي التي تأثرت بسفر أيوب.

ففي حين أن الملك هارس كندرا فقد ممتلكاته بإرادته كجزء من اختبار ديني، نجد أن أيوب فقدها قسرًا دون اختيار منه. كما أن القصة الهندية تنتهي بعناصر أسطورية لا وجود لها في سفر أيوب، مثل بيع الزوجة والابن، ومحاولة الحرق، ثم تدخل الآلهة وإعادة الحياة والصعود إلى السماء.

أما سفر أيوب، فيدور حول اختبار إيمان الإنسان وصلاحه في مواجهة الألم، ويختلف اختلافًا جذريًا في الأحداث والبنية والرسالة اللاهوتية عن تلك الأسطورة.

ثانيًا: وثيقة "حوار الإنسان مع روحه" تختلف عن سفر أيوب

ترجع هذه الوثيقة، المعروفة أيضًا باسم "حوار حول الانتحار"، إلى الفترة الممتدة بين الدولة القديمة والدولة الوسطى في مصر القديمة. وهي تبدأ بمقدمة نثرية وتنتهي بخاتمة نثرية، وبينهما نص شعري، وهو ما يشبه الشكل الأدبي لسفر أيوب من حيث البناء فقط، دون أي تشابه في المضمون.

تتناول هذه الوثيقة حوارًا داخليًا لرجل مصري بائس يائس من الحياة، بسبب ما يعانيه من شقاء وغياب العدالة. ويصل به الأمر إلى التفكير في الانتحار، فيتجه إلى حافة القبر مستعدًا لإنهاء حياته.

لكن روحه ترتعب من فكرة الظلام والموت وترفض الانتحار، وتقترح عليه في إحدى اللحظات أن يكون الانتحار بالحرق، لكنها سرعان ما تتراجع أيضًا خوفًا من هذه النهاية القاسية.

ثم تصف الروح مظاهر القبر والموت بعبارات شديدة القتامة، مثل:"إذا تذكرت المدفن فهو حزن، وذكراه تثير الدمع وتملأ القلب ألماً، فهو ينتزع الإنسان من بيته ويلقى به في الجبانة، ولن تعود روحه لتشاهد الشمس..." ثم تدعوه إلى التمتع بالحياة ونسيان الهموم.

وقد وصف "جيمس هنري برستيد" هذه الوثيقة بأنها من أهم الوثائق التي وصلت من تلك الحقبة، واعتبرها من أقدم النصوص التي تعكس تجربة نفسية داخلية عميقة لإنسان يعاني من الظلم واليأس، مشيرًا إلى أنها تمثل أقدم تعبير أدبي عن الخبرة الروحية والمعاناة الإنسانية، واعتبرها سابقة زمنية للنصوص العبرانية بنحو 1500 سنة.

ومع ذلك، فإن هناك اختلافًا جوهريًا بين هذه الوثيقة وسفر أيوب. فالوثيقة المصرية تدور أساسًا حول فكرة الانتحار كمهرب من الحياة، بينما أيوب لم يفكر مطلقًا في الانتحار، بل رفضه بشدة حتى عندما اقترحته عليه زوجته، قائلاً إن الخير نقبله من الله كما نقبل الشر، ولم يخطئ بشفتيه.

كما أن الرجل المصري في النص يعرض الموت كخلاص جميل، ويصور الحياة بعد الموت بصورة رومانسية في بعض المواضع، بينما يظل التفكير الأساسي لديه هو الهروب من الحياة.

وفي نهاية الوثيقة، يُطرح حل يقوم على فكرة العدالة في العالم الآخر، حيث يُعاقب الظالم ويكافأ العاقل.

أما سفر أيوب، فيختلف جذريًا، إذ يركز على سؤال: لماذا يعاني البار؟ وعلاقة الألم بالعدالة الإلهية، دون أن يتضمن فكرة الانتحار أو الهروب من الحياة.

وبالتالي فإن التشابه بين النصين يقتصر فقط على وجود إنسان متألم، وهو عنصر عام في التجربة الإنسانية لا يثبت أي اقتباس.

ثالثًا: قصة الفلاح الفصيح لا تمثل مصدرًا لسفر أيوب

تدور قصة "الفلاح الفصيح" حول فلاح مصري تعرض لظلم شديد من بعض المسؤولين، فقام بتقديم شكاواه إلى الملك طالبًا الإنصاف. وقد أعجب الملك ببلاغته، فسمح له بالاستمرار في عرض قضيته مرات متعددة.

وتتكون القصة من مقدمة نثرية وخاتمة نثرية، وبينهما نصوص شعرية، وهو ما يشبه الشكل الأدبي لسفر أيوب من حيث البناء العام فقط.

ويشير "فرانسيس أندرسون" إلى أن أوجه الشبه بين العملين تبدأ وتنتهي عند الشكل الخارجي فقط، وهو أسلوب شائع في الأدب القديم الذي يجمع بين النثر والشعر.

لكن مضمون العملين مختلف تمامًا؛ فالفلاح يشكو من ظلم بشري صادر عن موظفين ومسؤولين، بينما أيوب يوجه تساؤله إلى الله مباشرة حول معنى الألم والعدالة الإلهية.

وبالتالي، فإن طبيعة القضية في كل منهما مختلفة جذريًا، وكذلك الإطار الفكري واللاهوتي.

حتى التشابه الشكلي مثل وجود مقدمة وخاتمة بينهما نص شعري، لا يعد دليلًا على الاقتباس، لأن هذا الأسلوب كان شائعًا في أدب الشرق الأدنى القديم.

الخلاصة

إن مجرد وجود موضوعات مشتركة مثل الألم أو الظلم أو المعاناة لا يكفي إطلاقًا لإثبات الاقتباس، لأن هذه الخبرات مشتركة بين جميع البشر في كل العصور والثقافات.

وعند مقارنة هذه النصوص بسفر أيوب نجد أن أوجه الاختلاف أعمق بكثير من أوجه التشابه، سواء من حيث الأحداث أو الشخصيات أو البناء الفكري أو الرسالة اللاهوتية.

لذلك يرى عدد من الباحثين أن سفر أيوب لا يمكن اعتباره نسخة أو اقتباسًا من هذه النصوص، ولا يوجد في أدب الشرق الأدنى القديم أي نص يمكن اعتباره مصدرًا مباشرًا له.

كما لا يصح الربط بين أي قصة تعالج موضوع المعاناة وبين قصة أيوب، لأن المعاناة ملازمة للحياة الإنسانية في كل زمان ومكان، حيثما وُجد الإنسان وُجد الألم.

ويقول "فرانسيس أندرسون" في هذا السياق: إن أدب الشرق الأدنى القديم لم يقدم نصًا يماثل سفر أيوب ككل متكامل، فهناك نصوص متعددة تحمل بعض أوجه التشابه الجزئية، لكن لا يوجد أي نص يمكن اعتباره نموذجًا أو مصدرًا مباشرًا له.

ويؤكد أن أيوب، رغم معاناته الشديدة، لم يكن بحاجة إلى الاطلاع على نصوص مصرية أو بلاد ما بين النهرين لكي يطرح سؤاله الوجودي: لماذا يُبتلى الإنسان البار؟

كما يضيف أن أقرب النصوص إلى سفر أيوب يمكن اعتبارها مجرد خلفيات عامة ضمن تقاليد الحكمة القديمة، دون وجود علاقة اقتباس مباشر بين النصوص.

ويخلص إلى أن سفر أيوب يقف فريدًا بين هذه النصوص، فلا يوجد ما سبقه يطابقه، ولا ما لحقه يضاهيه في العمق، وأن المقارنات معه لا تزيد إلا تقديرًا لفرادته وقيمته الأدبية واللاهوتية.

ليكون للبركة

Patricia Michael