هل يحتوى المزمور الخامس والثلاثون عشرة أدلة تؤكد أن السيد المسيح لم يُصلب؟
يزعم بعض المعترضين أن المزمور الخامس والثلاثين يتضمن مجموعة من القرائن التي تدل على أن المسيح لم يُصلب، وأن الله نجّاه من مؤامرة أعدائه. ويستند هذا الادعاء إلى عدد من المقاطع الواردة في المزمور.
يقول المشكك في شبهته:
1- ابتدأ المُرنّم في هذا المزمور بالدعاء إلى الله لحمايته من أعدائه (مز 35: 1 - 3).
2ــ يطلب المُرنّم بعد ذلك من الله أن يُوقِع عدوه في الشبكة التي نصبها له، ويطلب من الله أن يؤيده بالملائكة (مز 35: 4 - 8 ).. فهل استجاب الله لوليُّه أم خيَّبه؟
3ــ يجيب السفر بوضوح أن الله استجاب له، والمُرنّم يبتهج بخلاصه ونجاته (مز 35: 9-10). نعم، لقد استمع الله واستجاب لدعاء المسيح، فأخزى وأخجل الذين يطلبون نفسه، المتفكرون بالإساءة إليه، كيف لا وملاك الرب داحرهم؟.
4ـ يصف بعد ذلك المُرنّم أعداؤه الأشرار بأنهم يشهدون عليه ظلمًا باتهامات خيالية وأمور يجهلها (مز 35: 11 - 12).
5- يواصل المُرنّم حديثه عن أعدائه (مز 35: 13-14) فعندما كان أعداء المُرنّم يمرضون كان يتذلل أمام الله سبحانه بالصوم والصلاة لأجلهم وهو يلبس المسوح (وهيَ ثياب الحزن) ليشفي الرب مرضهم. بكى معهم وعليهم وكأنه ينوح على أمه، ولكن صلاته رجعت إلى حضنه بالبركة عليه. دون أن تحمل لهم أي بركة، لأنهم كانوا يرفضون نعم الله.
6- في صورة تعبر عن التعب والضيق والشدة التي يمر بها المُرنّم مع أعدائه نجده يقول (مز 35: 15-16) وعبارة " فرحوا واجتمعوا " تذكّرنا بما حدث عندما ذهب يهوذا الإسخريوطي إلى رؤساء الكهنة وقادة حرس الهيكل، وتكلم معهم كيف يُسلّم إليهم المسيح، حيث يقول لوقا أنهم فرحوا كما حكى في إنجيله... ففرحوا واتفقوا أن يعطوه شيئًا من المال (لو 2: 5).
7- يعود المزمور للحديث عن صلاة المُرنّم والتي يقول فيها (مز 35: 17).. في وسط الضيق والشدة يُصلِّي المُرنّم لله طالبًا منه أن يسترد له نفسه التي كادت تضيع منه وذلك بأن يعيد له الطمأنينة وأن يحفظ له حياته وحيدته من فم الأشبال المتوحشة المفترسة.
8 - يدعو المُرنّم بعد ذلك ويطلب من الله بحرارة أن ينجيه وأن يقضي بعدله وأن يخزي أعداؤه (مز 35: 19 - 24).
9- يعود المُرنّم ليحكي عن حال أعدائه الذين أرادوا الإيقاع به فيقول (مز 35: 26)..
10ـ يعود المُرنّم بعد ذلك ليحكي عن حال أتباعه الذين لم يريدوا له أن يقع في تلك الضائقة فيقول (مز 35: 27).. ولاشك فهذا فرح بنجاة المسيح لا بصلبه، فالأتباع كانوا سيحزنون لو صُلب المسيح، وإنما نجد المُرنّم يصف حـال الأتباع الذين شكروا الله على سلامة عبده.
الرد على الشبهة ( ج1 )
يعتمد صاحب الشبهة على قراءة انتقائية للمزمور الخامس والثلاثين، فيتعامل مع بعض عبارات الدعاء والنجاة الواردة فيه باعتبارها نبوات حرفية عن المسيح، ثم يستنتج منها أن المسيح لم يُصلب. غير أن هذا الاستدلال يفتقر إلى الأساس التفسيري السليم، ويقوم على عدد من الافتراضات غير المبرهنة.
أولًا، المزمور في سياقه الأصلي هو صلاة يرفعها داود النبي إلى الله وسط اضطهاد أعدائه ومؤامراتهم ضده. فهو يطلب الحماية والإنقاذ والعدل الإلهي، وهو أمر شائع في المزامير ولا يقتضي بالضرورة أن كل تفاصيل المزمور يجب أن تُنقل حرفيًا إلى حياة المسيح.
ثانيًا، الدعوات الواردة في المزمور ضد الأعداء، وطلبات الحماية والخلاص، هي صلوات وابتهالات تعبّر عن ثقة المرتل بالله وعدله. ومن الخطأ المنهجي افتراض أن كل طلب يرد في المزمور قد تحقق بالطريقة الحرفية التي يتخيلها صاحب الشبهة.
ثالثًا، استنتاج أن استجابة الله لصلوات المرتل تعني بالضرورة نجاته من الموت هو استنتاج غير لازم. ففي الفكر الكتابي قد تتم الاستجابة من خلال النصرة النهائية وإتمام المقصد الإلهي، لا بمجرد تجنب الألم أو الموت. والكتاب المقدس نفسه يقدّم صلب المسيح باعتباره جزءًا من خطة الله الخلاصية، لا هزيمة للمسيح أو فشلًا في إنقاذه.
رابعًا، الإشارات إلى الشهود الكذبة والافتراءات التي تعرّض لها المرتل تتوافق بالفعل مع ما تعرّض له المسيح أثناء محاكمته، لكنها لا تنفي الصلب، بل تؤكد جانبًا من الآلام التي سبق أن تنبأت بها الأسفار المقدسة.
خامسًا، الحديث عن إحسان المرتل إلى أعدائه وصلاته من أجلهم يتوافق بصورة لافتة مع تعليم المسيح وسلوكه، لكنه لا يحمل أي دلالة على نجاته من الصلب، بل يبرز سمو أخلاقه ومحبته حتى تجاه مضطهديه.
سادسًا، الربط بين عبارة «فرحوا واجتمعوا» وبين فرح رؤساء الكهنة بخيانة يهوذا لا يقدّم دليلًا على نفي الصلب، بل يصف موقف الأعداء الذين تآمروا على البار، وهو ما يتوافق مع روايات الآلام.
سابعًا، طلب المرتل من الله أن ينقذه ويحفظ نفسه من أعدائه لا يمكن عزله عن مجمل الإعلان الكتابي. فالكتاب يعلن أن المسيح سلّم نفسه بإرادته وأن موته كان تحقيقًا للنبوات وإتمامًا للفداء، وليس نتيجة عجز إلهي عن إنقاذه.
ثامنًا، تكرار طلبات النجاة والقضاء بالعدل على الأعداء لا يثبت وقوع شخص آخر بدلًا من المسيح، لأن المزمور لا يذكر أي شبيه، ولا يتضمن أي نص يفيد استبدال شخص بآخر.
تاسعًا، خزي الأعداء وفشل مؤامراتهم لا يعني عدم وقوع الصلب، بل إن الإيمان المسيحي يرى أن الأعداء ظنوا أنهم انتصروا بقتل المسيح، بينما تحوّل الصليب نفسه إلى وسيلة الخلاص وإعلان الغلبة النهائية على الشر والموت.
عاشرًا، فرح الأتباع في نهاية المزمور لا يُعد دليلًا على نجاة المسيح من الصلب، لأن الإيمان المسيحي يربط فرح التلاميذ بقيامة المسيح وانتصاره على الموت، لا بمجرد تفاديه للصلب.
وعليه، فإن الادعاء بوجود «عشرة أدلة» في المزمور الخامس والثلاثين تنفي صلب المسيح هو ادعاء قائم على تحميل النص ما لا يقوله. فالمزمور لا يذكر الصلب أصلًا، ولا يتحدث عن شبيه، ولا يصرح بنجاة المسيح من الموت. وكل ما يقدمه هو وصف لمعاناة البار واضطهاد الأشرار له وثقته في عدالة الله ونصرته، وهي معانٍ لا تتعارض مع عقيدة الصلب، بل يمكن أن تنسجم معها في كثير من جوانبها.
تفنيد أقوال الناقد باختصار شديد:
ج2: للرجوع الى النصوص لتفنيد الشبهة من كتاب النقد الكتابي:
مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد القديم من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب
1ــ حقيقة: أن هذه الآيات الثلاث: "خَاصِمْ يا رب مُخَاصِمِيَّ. قَاتِلْ مُقَاتِلِيَّ. أَمْسِكْ مِجَنًّا وَتُرْسًا وَانْهَضْ إِلَى مَعُونَتِي. وَأَشْرِعْ رُمْحًا وَصُدَّ تِلْقَاءَ مُطَارِدِيَّ. قُلْ لِنَفْسِي خَلاَصُكِ أَنَا" (مز 35: 1 - 3) تحكي عما تعرَّض له داود النبي من اضطهادات ودسائس ومؤامرات، فيلتمس من الله أن يعجل بإقرار العدالة الإلهيَّة وأن ينصفه سريعًا، ولا تحمل هذه الآيات أي نبوءة عن صلب المسيح أو نجاتـه من الصلب، ولك أن تراجع شواهد هذه الآيات لتدرك أنه لا يوجد عبارة واحدة ولا كلمة واحدة تشير للصلب من قريب ولا من بعيد بالإيجاب أو بالسلب.
2ــ يقول الناقد أن المُرنّم طلب من الله أن يُوقِع عدوه في الشبكة التي نصبها له، وطلب من الله أن يؤيده بالملائكة (مز 35: 4 - 8 ) فهل استجاب الله لوليُّه أم خيَّبه؟..
والحقيقة: أن هذه الآيات الخمسة طلب فيها داود النجاة من أعدائه، وأن الله يخزيهم وملاكه يدحرهم، وليكن طريقهم ظلامًا، والتمس من الرب أن ينجيه من الشبكة التي أخفوها له، وحتى لو أُخذ المعنى على أن اليهود مع قادتهم مع يهوذا الإسخريوطي قد نصبوا الشبكة لاصطياد السيد المسيح وأن محاولتهم قد باءت بالفشل فهذا حقيقة ليس لأن السيد المسيح أفلت من الصليب، فهو الذي قال: "إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ. وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ" (مت 26: 24) فالسيد المسيح لم يفلت من الصليب لكنه بعد أن قبَل الموت بالصليب قام من بين الأموات، منتصرًا على الموت والشيطان والخطيَّة.
3ــ قال داود النبي: "أَمَّا نَفْسِي فَتَفْرَحُ بِالرَّبِّ وَتَبْتَهِجُ بِخَلاَصِهِ. جَمِيعُ عِظَامِي تَقُولُ يا رب مَنْ مِثْلُكَ الْمُنْقِذُ الْمِسْكِينَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَالْفَقِيرَ وَالْبَائِسَ مِنْ سَالِبِهِ" (مز 35: 9-10)، وهذه العبارات صادرة من داود إلى ربه، ولا تنطبق على السيد المسيح... لماذا..؟ لأن المسيح هو الرب الإله، هو مصدر الفرح، وهو صانع الخلاص، فلم يكن المسيح له المجد ينقصه الفرح والابتهاج والخلاص، ولا يحتاج لمن ينقذه، بل هو المنقذ عبيده الأتقياء.
4- قال داود النبي: "شُهُودُ زُورٍ يَقُومُونَ، وَعَمَّا لَمْ أَعْلَمْ يَسْأَلُونَنِي. يُجَازُونَنِي عَنِ الْخَيْرِ شَرًّا، ثَكَلًا لِنَفْسِي" (مز 35: 11-12) وهذه العبارات حملت بُعدًا نبويًا عن السيد المسيح الذي شهد عليه شهود زور " وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ. فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ لَمْ يَجِدُوا" (مت 26: 59-60)، فهو لم يصنع شرًا قط وجازوه عوض الخير شرًا: "أَجَابَهُمْ يَسُوعُ أَعْمَالًا كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي. بِسَبَبِ أَيِّ عَمَل مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟" (يو 10: 32). لقد كان يجول يصنع خيرًا، أما هم فجازوه عن الخير شرًا عندما رفعوه على عود الصليب، فهذه العبارة تؤكد وتثبت الصلب ولا تنفه، أما الناقد الذي يقلب الحقائق فقد رأى في هذه العبارة وغيرها ما يُنفي الصلب مع أن القـول واضـح وصريح " تجازوني... شرًا" فلو السيد المسيح أفلت من الصليب فكيف حدثت المجازاة؟!
5- قال داود النبي: "أَمَّا أَنَا فَفِي مَرَضِهِمْ كَانَ لِبَاسِي مِسْحًا. أَذْلَلْتُ بِالصَّوْمِ نَفْسِي. وَصَلاَتِي إِلَى حِضْنِي تَرْجعُ. كَأَنَّهُ قَرِيبٌ كَأَنَّهُ أَخِي كُنْتُ أَتَمَشَّى. كَمَنْ يَنُوحُ عَلَى أُمِّهِ انْحَنَيْتُ حَزِينًا" (مز 35: 13-14) فكل ما استطاع أن يفعله داود أن يحزن ويصوم ويلبس المسوح ملتمسًا من الله شفاء هؤلاء المرضى، أما بالنسبة للسيد المسيح الإله المتأنس فهو الذي شفى المرضى والعُرج وفتح أعين العُمي وأقام الموتى دون حاجة إلى حزن وصوم ولبس المسوح " وَالْمُحْتَاجُونَ إِلَى الشِّفَاءِ شَفَاهُمْ" (لو 9: 11).. " الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ" (أع 10: 38). ثم أن هذين العددين يتحدثان عن مشاعر داود تجاه أعدائه، فما علاقتهما بالصلب إيجابًا أو سلبًا، تأكيدًا أو نفيًا؟!! أما الناقد فيرى ما لم يره أحد قط، وهو أن هذين العددين يؤكدان أن المسيح لم يُصلَب، وهو لا يدرك أنه إن كان المسيح لم يُصلَب فما زالت البشرية تحت سلطان إبليس ومكانها سجن الجحيم ومنه ينتقلون إلى جهنم النار... فمن يشتهي هذا المصير التعس؟!!!
أما قول داود: "وَصَلاَتِي إِلَى حِضْنِي تَرْجعُ" فأنها تذكّرنا بقول السيد المسيح لتلاميذه حين أرسلهم للكرازة باسمه: "وَحِينَ تَدْخُلُونَ الْبَيْتَ سَلِّمُوا عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ مُسْتَحِقًّا فَلْيَأْتِ سَلاَمُكُمْ عَلَيْهِ. وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا فَلْيَرْجعْ سَلاَمُكُمْ إِلَيْكُمْ" (مت 10: 12-13)، وهذا أيضًا لا علاقة له على الإطلاق بنفي أو إثبات صلب المسيح.
6- قال الناقد أن ما جاء في (مز 35: 15-16) ولاسيما عبارة " فَرِحُوا وَاجْتَمَعُوا" تذكّرنا بما حدث مع يهوذا عندما ذهب ليسلّم المسيح (لو 22: 5).
والحقيقة: أن داود قال: "وَلكِنَّهُمْ فِي ظَلْعِي فَرِحُوا وَاجْتَمَعُوا. اجْتَمَعُوا عَلَيَّ شَاتِمِينَ. مَزَّقُوا وَلَمْ يَكُفُّوا. بَيْنَ الْفُجَّارِ الْمُجَّانِ لأَجْلِ كَعْكَةٍ حَرَّقُـوا عَلَيَّ أَسْنَانَهُمْ" (مز 35: 15-16) ففي تعثر داود وعرجه شمتوا فيه، فهل السيد المسيح ظلع أي عرج وتعثر؟! رأينا شرح هاتين الآيتين في إجابة س 1695 إذ في وقت ظلع داود أي عرجه أي وقت محنته شمتوا به، فهاتين الآيتين لا تحملان أية إشارة لنجاة السيد المسيح من الصلب، حتى لو طبق الناقد شماتة الشامتين وفرحهم على محنة الصليب، فإن شماتتهم تثبت وقوع الصلب وليس نفيه، فلو أفلت السيد المسيح من الصليب لحزن هؤلاء الشامتون وتحسَّروا، أما كونهم فرحوا فهذا يؤكد نجاح خطتهم في صلبه... تأمل كيف يقلب الناقد أدلة الإثبات إلى أدلة نفي.
7- قال داود: "يا رب إِلَى مَتَى تَنْظُرُ. اسْتَرِدَّ نَفْسِي مِنْ تَهْلُكَاتِهِمْ وَحِيدَتِي مِنَ الأَشْبَالِ" (مز 35: 17)، فإذ صار داود قاب قوسين أو أدنى من الموت أخذ يلتمس من الله النجاة وإنقاذ نفسه، وهذا ما ذكره في موضع آخر: "أَنْقِذْ مِنَ السَّيْفِ نَفْسِي. مِنْ يَدِ الْكَلْبِ وَحِيدَتِي" (مز 22: 20)، ولو أخذنا هذه الآية كنبؤة عن السيد المسيح، فهيَ في الحقيقة تثبت موته على الصليب... لماذا..؟ لأنه واضح من النص أنهم اقتنصوا نفسه ولذلك فهو يطلب استرداد نفسه: "اسْتَرِدَّ نَفْسِي مِنْ تَهْلُكَاتِهِمْ". مع ملاحظة أن السيد المسيح هو الذي وضع نفسه للموت: "لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا... لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا" (يو 10: 17-18).
8 - ما جاء في (مز 35: 19 - 24) يطلب داود من الله أن يخلصه من أعدائه الشامتين به، الذين يتغامزون بالعين، ويبغضونه بلا سبب، كما أن هؤلاء الأعداء لا يضطهدونه بمفرده، بل يضطهدون كل " الْهَادِئِينَ فِي الأَرْضِ" (مز 35: 20)، ويناشد داود إلهه حتى لا يسكت ولا يبتعد عنه، وأن يقضي له بحسب عدله، والعبارة التي حملت بُعدًا نبويًا هيَ: "الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلاَ سَبَبٍ" (مز 35: 19) وقد أشار إليها السيد المسيح في (يو 15: 25). وإن أخذنا بعض العبارات الأخرى مثل " يَتَغَامَزْ بِالْعَيْنِ" و"فَغَرُوا عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ. قَالُوا هَه! هَهْ قَدْ رَأَتْ أَعْيُنُنَا" على أنها تشير إلى شماتة اليهود بالسيد المسيح عندما عُلِق على الصليـب (مت 27: 29؛ لو 23: 35) فهذه تثبت وقـوع حادثة الصلب، لأنه لو أفلت السيد المسيح من الصليب ما كان تغامز المتغامزون، ولا فغر الحاسدون أفواههم ولا شمتوا ولا تفاخروا.
9ـ قال داود: "لِيَخْزَ وَلْيَخْجَلْ مَعًا الْفَرِحُونَ بِمُصِيبَتِي. لِيَلْبِسِ الْخِزْيَ وَالْخَجَلَ الْمُتَعَظِّمُونَ عَلَيَّ" (مز 35: 26)، فواضح أن المصيبـة قد حلت بداود، ولذلك فرح به الشامتون، وطلب داود من الله أن يخزيهم ويخجلهم، وحتى لو أخذنا هذه الآية كنبؤة عن السيد المسيح، فالنص واضح ويثبت وقوع المصيبة " الْفَرِحُونَ بِمُصِيبَتِي"، وهذه المصيبة، فرَّحت الشامتون، ولكن عندما قام السيد المسيح منتصرًا على الموت وعلى ظلم اليهود والرومان وصلبهم إياه، فأنهم خزوا وخجلوا.
10- قال داود: "لِيَهْتِفْ وَيَفْرَحِ الْمُبْتَغُونَ حَقِّي وَلْيَقُولُوا دَائِمًا لِيَتَعَظَّمِ الرَّبُّ الْمَسْرُورُ بِسَلاَمَةِ عَبْدِهِ" (مز 35: 27)، وفعلًا كان الرب يهتم بسلامة عبده داود، فكم من مرة أنقذه من خطر الموت، من الأسد والدُب وجليات الجبار وشاول وأبشالوم، وفرح أتباع داود بنجاته، وليس معنى إفلات داود من مخاطر الموت أن السيد المسيح أفلت من الصليب، لأن النص واضح تمامًا، فهو لم يتعرض لا من قريب ولا من بعيد للصلب أو النجاة منه. أما الناقد فقد أسقط من حساباته داود كاتب المزمور وراح يطبق كل ما جاء في المزمور على السيد المسيح، حتى وإن قلنا أن أصحاب داود الأمناء الذين فرحوا بنجاة داود هم رمز لتلاميذ المسيح الذين فرحوا بنجاته، فإننا يجب أن لا نغفل الأحداث كما سجلها الإنجيل، فالتلاميذ عندما علموا أن معلمهم سيتركهم حزنوا، فقال لهم السيد المسيح: "لكِنْ لأَنِّي قُلْتُ لَكُمْ هذَا قَدْ مَلأَ الْحُزْنُ قُلُوبَكُـمْ... فَأَنْتُمْ كَذلِكَ عِنْدَكُمُ الآنَ حُزْنٌ. وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ" (يو 16: 6، 22) وفعلًا بقيامة المسيح من بين الأموات فرح التلاميذ وتهللوا: "فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ" (يو 20: 20).. وهكذا راح الناقد يتوهم أنه حصل على عشرة أدلة دامغة من مزمور واحد تثبت عدم صلب المسيح... فهـل هنـاك وهم أكثر من هذا؟!!
الخاتمة :
موضوع الصليب والقيامة هو العمود الفقري للمسيحية، وبدونهما لا يكون للمسيحية وجود ولا قيمة، والأدلة العديدة التي تشهد بصلب السيد المسيح سواء نبوات ورموز وردت في العهد القديم قبل الصلب بمئات السنين، أو نبوات السيد المسيح عن آلامه وصلبه عدة مرات، أو كتابات العهد الجديد، أو شهادات المؤرخين والآثار، وأن الذي صُلب هو هو السيد المسيح، وشهادة القرآن والتراث الإسلامي بكل وضوح عن صلب المسيح وقيامته وصعوده، وتغيَّر مفهوم الصليب بعد صلب المسيح عليه فبدلًا من أنه كان رمزًا للذل والعار صار رمزًا للمجد والفخار، ومثل هذه الأمور، لا يتسع المجال للحديث عنها الآن، ولذلك يُرجى الرجوع إلى كتابنا: "أسئلة حول الصليب" حيث تم مناقشة كل هذه الأمور وأمثالها باستفاضة كبيرة