الأوريم والتميم: من وسائط القرار الإلهي في إسرائيل القديمة فهل تلك الادوات التي كان تستخدم بفترة من الفترات تعبِّر عن ممارسة سحرية أو خرافية كما يرى بعض المشككين؟ولماذا توقف استعمالهما لاحقا.

Patricia Michael

يُعدّ موضوع الأوريم والتميم من أكثر القضايا إثارة للبحث في دراسات العهد القديم، نظرًا لغموض هذه الأدوات من جهة، وارتباطها المباشر بالكهنوت اللاوي وتحديد مشيئة الله لشعبه من جهة أخرى. فالأسفار المقدسة تقدّم شواهد صريحة على وجود الأوريم والتميم كوسيلة إلهية لاتخاذ القرارات في القضايا المصيرية التي تخصّ الأمة الإسرائيلية، لاسيّما في فترة ما قبل اكتمال الأسفار المكتوبة.

لم يكن الأمر إذن تعبيرًا عن ممارسة سحرية أو خرافية كما يرى بعض النقاد، بل نظامًا إلهيًا مقصودًا ضمن عهد موسى، يُظهر أن الله هو المرجع الأعلى في قيادة شعبه. فالأوريم والتميم كانا موضوعين في صدرة القضاء لرئيس الكهنة، ليكونا علامة منظورة على حضور الله وإرشاده، وأداة عملية لحسم القضايا الكبرى في إطار العهد، فكان كل من يريد ان يسأل الله على شيء كان يذهب الى رئيس الكهنة وكان الله يعلن ارادته من خلال هذه الحجارة. ولكن نحن في عهد النعمة لا نحتاج الى هذا الظل.

من هنا، فإن دراسة هذه الظاهرة لا تُسهم فقط في فهم البنية الطقسية والدينية لإسرائيل القديمة، بل تكشف أيضًا عن كيفية انتقال الشعب من الاعتماد على الوسائط الرمزية إلى الوحي المكتوب، ثم إلى الاكتمال في شخص المسيح يسوع، رئيس الكهنة الأعظم الذي استعلن مشيئة الآب بملء الوضوح.

 

المقدمة

يُعتبر الأوريم والتميم أدوات غامضة ولكنها موثَّقة كتابيًا ، استُخدمت من قِبل رئيس الكهنة في إسرائيل لمعرفة مشيئة الله في العهد القديم ، خصوصًا في القضايا ذات الأهمية المصيرية. ورغم أن شكلها الدقيق ووظيفتها لم يُوضَّحا بالكامل في الأسفار المقدسة، إلا أن السِّجل الموحى به يقدّم دلائل واضحة على غايتها المقدسة، ومكانها ضمن ثياب رئيس الكهنة، وايضاً الفترة التاريخية لاستخدامها.

فالأوريم والتميم لم يكونا بقايا ممارسات خرافية أو أدوات سحرية كما ألمح النقاد الليبراليون أحيانًا وغيرهم من المشككين، بل يجب فهمهما ضمن نظام الله المختار للوساطة الكهنوتية في عهد موسى. لقد كانت هذه أدوات مقدسة منحها الله في العهد القديم لقيادة شعبه في فترة لم يكن فيها الوحي المكتوب مكتملًا بعد، وكانت القرارات الإلهية ضرورية لتوجيه الأمّة بوضوح وبسلطان.

 

المصطلح الكتابي ومعناه

المصطلحان العبريان אוּרִים (أوريم) و תֻּמִּים (تميم) بصيغة الجمع. يرتبط "أوريم" غالبًا بالجذر ’or الذي يعني "نور"، بينما يرتبط "تميم" بالجذر tamim الذي يعني "الكمال" أو "التمام". وعليه تُترجم العبارة عادة إلى "الأنوار والكمالات"، رغم أن الأسفار المقدسة لا تقدّم شرحًا اشتقاقيًا مباشرًا. لكن الغرض اللاهوتي واضح: ادوات الهية لإصدار قرارات صحيحة وكاملة، متسقة مع معيار الله البار.

موضعهما في ثياب رئيس الكهنة

بحسب خروج 28: 30 أمر الله في العهد القديم موسى قائلاً: "وَتَجْعَلُ فِي صُدْرَةِ الْقَضَاءِ الأُورِيمَ وَالتُّمِّيمَ لِتَكُونَ عَلَى قَلْبِ هَارُونَ عِنْدَ دُخُولِهِ أَمَامَ الرَّبِّ. فَيَحْمِلُ هَارُونُ قَضَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى قَلْبِهِ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا." (خر 28: 30).

ويذكر سفر اللاويين 8: 8 أن موسى "جعل الصدرة عليه، ووضع في الصدرة الأوريم والتميم". "وَوَضَعَ عَلَيْهِ الصُّدْرَةَ وَجَعَلَ فِي الصُّدْرَةِ الأُورِيمَ وَالتُّمِّيمَ." (لا 8: 8 ).

الصدرة، أو ما يُسمى بـ"صدرة القضاء"، كانت قطعة مربعة مطوية على شكل كيس أو جيب تُخاط في الرداء الكهنوتي (الأفود). والكلمة العبرية المترجمة "في" (bĕtōk) قد تعني "داخل" أو "إلى داخل"، وبالمقارنة مع خروج 25: 16 حيث يوضع لوحي الحجر في التابوت، يتضح أن الأوريم والتميم كانا موضوعين داخل طيّة الصدرة، لا مثبتين عليها خارجيًا.

أما الأحجار الاثنا عشر المثبتة في الصدرة فكانت تمثّل أسباط إسرائيل الاثني عشر (خروج 28: 17-21)، في حين كان الأوريم والتميم عنصرين مستقلين، أُضيفا بعد إتمام الصدرة وارتدائها، ما ينفي القول إنهما نفس الأحجار.

استخدامهما في اتخاذ القرارات المصيرية

كان استعمال الأوريم والتميم خاصًا بالقرارات ذات البعد المصيري او المتعلقة بالعهد . لم يكن وسيلة لتوجيه الأفراد في حياتهم الخاصة، بل وسيلة لرئيس الكهنة، بصفته ممثل الأمة، لتلقي التعليمات الإلهية من الله في العهد القديم حين تكون المخاطر عظيمة.

تعبير "قضاء لبني إسرائيل" (خروج 28: 30) يؤكد الوظيفة القضائية للأوريم والتميم.

"وَتَجْعَلُ فِي صُدْرَةِ الْقَضَاءِ الأُورِيمَ وَالتُّمِّيمَ لِتَكُونَ عَلَى قَلْبِ هَارُونَ عِنْدَ دُخُولِهِ أَمَامَ الرَّبِّ. فَيَحْمِلُ هَارُونُ قَضَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى قَلْبِهِ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا." (خر 28: 30)

ولم يكن استخدامها إلا من قِبل رئيس الكهنة حين يقف "أمام الرب"، أي غالبًا في القدس أمام الحجاب الفاصل عن قدس الأقداس.

في سفر العدد 27: 21، حين يعدّ موسى يشوع لقيادته، يقول الرب: «يقف أمام ألعازار الكاهن فيسأل له بقضاء الأوريم أمام الرب»."فَيَقِفَ أَمَامَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ فَيَسْأَلُ لَهُ بِقَضَاءِ الأُورِيمِ أَمَامَ الرَّبِّ. حَسَبَ قَوْلِهِ يَخْرُجُونَ، وَحَسَبَ قَوْلِهِ يَدْخُلُونَ، هُوَ وَكُلُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَهُ، كُلُّ الْجَمَاعَةِ»." (عد 27: 21).

هذا يوضح أن الأوريم والتميم كانا المعيار الإلهي لتأكيد القيادة القومية المصيرية والقرارات العسكرية.

أمثلة كتابية على الاستخدام

في (1 صموئيل 23: 9-12)، حين كان داود هاربًا من شاول ويسأل إن كان أهل قعيلة سيسلمونه، دعا أبياثار الكاهن ليحضر الأفود، وأجابه الرب عبر الأوريم والتميم.

في (1 صموئيل 28: 6)، لم يتلقّ شاول جوابًا من الرب : "لا بالأحلام ولا بالأوريم ولا بالأنبياء". يظهر هنا مثلث وسائل الإعلان الإلهي في تلك الحقبة: الأحلام، الأنبياء، والأوريم عبر رئيس الكهنة.

في 1 صموئيل 14: 36-42، حين استفسر شاول عن ملاحقة الفلسطينيين ولم يأتِ جواب، افترض وجود خطية في المحلّة، وقال: "اللهم إله إسرائيل أعطِ تميمًا". ما يبيّن الصلة بين الأوريم والتميم وبين إلقاء القرعة كوسيلة لقرار ثنائي.

هل كانتا "قرعة"؟

يبدو أن الأوريم والتميم أدّيا وظيفة شبيهة بالقرعة، لكن ليست مطابقة لممارستها المذكورة في مواضع أخرى (مثل يشوع 7 و يونان 1). فدائمًا ارتبطا بإجابات ثنائية (نعم/لا)، أي آلية للاختيار الإلهي.

رغم غياب وصف شكلي محدّد، اقترح بعضهم أنهما كانا حجرين، ربما أحدهما فاتح والآخر غامق، أو ثلاثة عناصر: "نعم"، "لا"، و"لا جواب". غير أن هذه مجرد فرضيات لا حاجة إليها لفهم النص الكتابي. المهم أنهما كانتا أدوات مقدسة في ذلك الوقت يُعلن الله بواسطتها مشيئته بوضوح.

دورهما في نظام العهد القديم

كان للأوريم والتميم دور في تعزيز النظام الإلهي داخل جماعة اسرائيل. فقد ضمنا خضوع الملوك، حتى داود، لسلطة الكهنوت في القرارات المصيرية (عدد 27: 21). وبهذا حالا دون تركيز السلطة في يد الملك وحده، وأبرزا مركزية شريعة الله والوساطة الكهنوتية."فَيَقِفَ أَمَامَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ فَيَسْأَلُ لَهُ بِقَضَاءِ الأُورِيمِ أَمَامَ الرَّبِّ. حَسَبَ قَوْلِهِ يَخْرُجُونَ، وَحَسَبَ قَوْلِهِ يَدْخُلُونَ، هُوَ وَكُلُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَهُ، كُلُّ الْجَمَاعَةِ»." (عد 27: 21).

ويؤكد سفر تثنية 33: 8-10: «تُمِّيمُكَ وَأُورِيمُكَ لِرَجُلِكَ الصِّدِّيقِ، في إشارة إلى إخلاص سبط لاوي في حادثة العجل الذهبي (خروج 32: 25-29). هذا يوضح أن امتياز استعمال الأوريم والتميم ارتبط برضا الله وأمانة الكاهن، لا بالوراثة القبلية فقط.

توقف استعمالهما

لفهم توقّف استعمال الأوريم والتميم، لا يكفي النظر إليهما كأداتين طقسيّتين اختفتا بمرور الزمن، بل ينبغي وضعهما في سياق تطوّر الإعلان الإلهي داخل تاريخ إسرائيل. فقد كانتا جزءًا من نظام كهنوتي متكامل، يُعبَّر من خلاله عن إرادة الله في مرحلة معيّنة، حيث ارتبطت الإجابة الإلهية بوسائط ملموسة ومحدّدة. لكن مع التحوّلات الكبرى التي مرّ بها الشعب، وعلى رأسها السبي البابلي وسقوط الهيكل، بدأ هذا النظام يفقد بعض عناصره تدريجيًا. ومن هنا، فإن اختفاء الأوريم والتميم لا يُفهم كحادث عرضي، بل كعلامة على انتقال أعمق في طريقة تواصل الله مع شعبه، وانتقال مركز الثقل من الوسائط الكهنوتية إلى الكلمة الإلهية المعلنة والتقليد النبوي، تمهيدًا لمرحلة جديدة في تاريخ الخلاص.

بعد دمار أورشليم والهيكل على يد البابليين سنة 587 ق.م، توقّف عمل الأوريم والتميم كوسيلة لاتخاذ القرار الإلهي. ويذكر سفر عزرا (عزرا 2: 63) وسفر نحميا (نحميا 7: 65) أن بعض الرجال الذين لم يتمكّنوا من إثبات نسبهم الكهنوتي مُنعوا من أكل التقدمة «حتى يقوم كاهن بالأوريم والتميم». غير أن هذه العبارة لا تُثبت استمرار وجود هذه الوسيلة، بل تكشف عن غيابها؛ إذ تضع حلًّا نظريًا معلّقًا على شرط لم يتحقّق. فلو كانت الأوريم والتميم متاحة فعليًا آنذاك، لتمّ اللجوء إليها مباشرةً لحسم النزاع، لا تأجيله. غير أن ذلك لم يحدث قط، إذ لا يرد في أي موضع لاحق من الأسفار المقدسة ما يدلّ على عودة استعمالهما بعد السبي.

ومن ثمّ ، فإن نصّ عزرا 2: 63 ونحميا 7: 65 يعكس فجوة واضحة بين ما تفترضه الشريعة من وسائل للإرشاد الإلهي، وبين الواقع التاريخي بعد السبي، حيث لم تعد هذه الوسيلة حاضرة أو فعّالة. ويؤكّد ذلك الصمت الكامل للأسفار اللاحقة، إذ لا يرد أي ذكر لإعادة استخدامها، رغم اهتمام تلك الأسفار بتنظيم الكهنوت والعبادة.

ويتّسق هذا الغياب مع التحوّل التدريجي في وسيلة الإعلان الإلهي؛ إذ أخذ الوحي يتجلّى بصورة متزايدة عبر الكلمة المكتوبة والرؤى النبوية، بدلًا من الاعتماد على الوسائط الكهنوتية كالأوريم والتميم. وبحلول زمن السيد المسيح، كما يعكسه العهد الجديد، لم تعد هذه الوسيلة مستخدمة، وهو ما يؤكّد أنها كانت مرتبطة بمرحلة تاريخية محدّدة، وانتهى دورها ضمن تطوّر خطة الإعلان الإلهي.

المسيح، رئيس الكهنة الأعظم

لقد كانت وظيفة الأوريم والتميم تمهيدًا وإشارة إلى الدور الأكمل الذي تحقق في شخص يسوع المسيح، رئيس الكهنة الحقيقي على رتبة ملكي صادق (عبرانيين 7: 1-3). فبينما كان رئيس كهنة إسرائيل يحتاج إلى وسائط مادية لمعرفة مشيئة الله، فإن المسيح بكونه الكلمة المتجسد والحكمة الإلهية عينها، يعلن مشيئة الله في ذاته، إذ أن كل الدينونة قد أُعطيت له (يوحنا 5: 22).

وفي مجده عن يمين الآب، لا يعتمد المسيح على وسائط خارجية ليكشف مشيئته، لأنه هو بنفسه الاله الحق، الذي يعلن ويُتمّم مشيئة الآب بوصفها مشيئته الخاصة، في وحدة كاملة غير منفصلة مع الآب (1 كورنثوس 15: 27-28).

الخاتمة

لم يكن الأوريم والتميم بقايا ممارسة دينية بدائية، بل وسائط إلهية أقامها الله لقيادة شعبه في مرحلة معينة لم يكن قد اكتمل فيها قانون الكتاب المقدس. وحِمْلهما في صدرة رئيس الكهنة كان علامة مستمرة على عناية الله وحضوره وسط إسرائيل، كما أن استخدامهما أكد أن القرارات المصيرية للأمة يجب أن تُبنى على إرشاد إلهي مباشر. فهما لم يكونا مجرد أدوات طقسية، بل كانا يشيران إلى مبدأ جوهري في علاقة الإنسان بالله.

لقد مثّل الأوريم والتميم علامة على حضور الله وإرشاده لشعبه في القرارات المصيرية، بحيث لا يُبنى المستقبل المصيري على رأي البشر وحده، بل على مشيئة الله المعلَنة.

ومع أن العمل بهما توقّف بعد السبي البابلي، إلا أن حضورهما التاريخي والروحي يبرز الحاجة الدائمة إلى معرفة مشيئة الله من خلال الوسائط التي يعيّنها بنفسه. وفي ملء الزمان، اكتمل مقصدهما في يسوع المسيح، الوسيط الأوحد بين الله والإنسان، الذي فيه استُعلن كمال الحكمة الإلهية.

غير أن وجودهما كان أيضًا ذا طابع مؤقت ورمزي، إذ أُعطيا لإسرائيل كظلّ يمهّد لواقع أعظم. ففي ملء الزمان، اكتمل القصد الإلهي في شخص يسوع المسيح، الذي لم يأتِ ليكون مجرد وسيط عابر لمشيئة الله، بل هو نفسه "الله الظاهر في الجسد" (1 تيموثاوس 3:16)، الذي فيه استُعلن كمال الحكمة الإلهية بصورة نهائية. في المسيح لا نحتاج بعد إلى رموز أو وسائط مادية، لأنه بكونه الكلمة الأزلي المتجسد صار هو الاعلان الكامل لمشيئة الآب، ليس كمن يتلقى تعليمًا خارجًا عنه، بل بصفته واحدًا في الجوهر مع الآب. وهكذا تحققت غاية الأوريم والتميم في المسيح، الوسيط الأوحد بين الله والإنسان (1 تيموثاوس 2:5)، الذي يهب الكنيسة الروح القدس ليقودها في كل حق،"مظهرًا أن الإعلان الإلهي الكامل يجد كماله في شخصه الحي القائم عن يمين الآب" .

 

Cornelius Van Dam, The Urim and Thummim: A Means of Revelation in Ancient Israel, Winona Lake, IN: Eisenbrauns, 1997.

Cyrus H. Gordon, “The Urim and Thummim: A New Suggestion,” Journal of Biblical Literature 73 (1954): 185–188.

“Urim and Thummim,” in The Anchor Bible Dictionary, ed. David Noel Freedman, New York: Doubleday, 1992.

 

ليكون للبركة

Patricia Michael