التحليل اللاهوتي لوحدة الجوهر من خلال مصطلح "ملء الكل"في الرسالة الى أفسس
Patricia Michael
تُعد قضية وحدة الجوهر بين الآب والابن حجر الزاوية في اللاهوت المسيحي، وهي العقيدة التي كافح الآباء الرسوليون من أجل صياغتها وتثبيتها في مواجهة التيارات التي حاولت التقليل من شأن اقنوم الابن.
ويبرز في هذا السياق المنهج الإعلاني للقديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل أفسس كنقطة انطلاق كتابية محورية، حيث يقدم "وحدة العمل" دليلاً ساطعًا على وحدة الجوهر.
تستند هذه المقالة إلى الرؤية التحليلية للقديس أثناسيوس الرسولي والقديس كيرلس الكبير، اللذين استنبطا من منطق "ملء الكل" – المنسوب كتابيًا للآب والابن على حد سواء – دليلاً قاطعًا على اشتراكهما في ذات الطبيعة الإلهية الواحدة.
ففي فكر هؤلاء الآباء، لا يمكن للابن أن يمارس فعل "الملء الشامل" للكون ما لم يكن مساوياً للآب في الجوهر، ومحتوياً فيه احتواءً متبادلاً (Perichoresis).
إن الهدف من هذا التحليل هو تتبُّع كيفية تحوّل كلمات بولس الرسول إلى حجة لاهوتية دامغة، استخدمها الآباء لدحض دعاوى الانفصال، مؤكدين أن الابن المتجسّد هو "كلمة الله" الذاتي وقوته، الذي يملأ المسكونة بلاهوته كما يملأها الآب تمامًا، دون اختلاط في الأقانيم أو انقسام في الجوهر الإلهي الواحد.
أولاً: المنطلق الكتابي (رؤية القديس بولس الرسول)
يربط بولس الرسول في رسالته إلى أهل أفسس بين الآب والابن في فعل الملء الكامل:
عن الله الآب: "إِلَهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ." (أفسس 4: 6).
عن الابن (المسيح): "الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" (أفسس 1: 23).
تشير عبارة الملء الكامل هنا إلى أن الابن يملأ كل شيء تمامًا كما يملؤه الآب، مؤكداً بذلك وحدة الجوهر الإلهي وعدم وجود أي انقسام أو اختلاط في الأقانيم.
ثانيا: الحجة اللاهوتية:
1- وحدة العمل برهان على وحدة الجوهر
نظرًا لأن الكتاب المقدس ينسب فعل "الملء الكامل" لكل من الآب والابن بالقدر ذاته، فإن هذا العمل الواحد غير المنقسم يشير بالضرورة إلى وحدة الجوهر الإلهي. فالفعل (القدرة على الملء) ليس صفة مضافة، بل هو تعبير عن الجوهر الإلهي ذاته؛ وإذا اشترك الأقنومان في ذات الفعل، فإنهما بذلك يشتركان في ذات الجوهر.
2- التلازم الجوهري (رؤية القديس كيرلس)
يؤكد القديس كيرلس أنَّه لو لم يكن الآب والابن واحد في الجوهر، لما كان هناك مسوغ لاهوتي لنسب "الملء الكامل" لكليهما بشكل متوازٍ. فلو افترضنا جدلًا أن أحدهما أدنى من الآخر في الطبيعة أو الجوهر، لكان الكمال الإلهي المطلق المتمثل في الآب كافيًا وحده لملء الخليقة، ولَم تكن هناك ضرورة لاهوتية لنسب ذات الفعل للابن.
لقد اعتمد القديس كيرلس في برهانه على مبدأ "وحدة العمل الإلهي وعدم تجزئته"؛ فإذا كان الآب والابن جوهرين مختلفين:لماذا ينسب الوحي فعل الملء لكليهما بالصيغة ذاتها؟لو كان الابن أقل طبيعة من الآب، لكان حضور الآب السيادي كافيًا ومستغنياً عن فعل الابن.
إلا أن الحقيقة اللاهوتية تؤكد أن الآب يملأ الكل "بالابن"، ليس بوصف الابن أداة خارجية أو وسيطًا ثانويًا أو إلهاً ثانويًا – حاشا – بل لكونه "حكمة الآب وقوته الذاتية"؛ ومن ثمَّ فإن حضورهما في الخليقة هو حضور واحد، بسيط، وتام، صادر عن جوهر واحد غير منقسم.
3- مفهوم الاحتواء المتبادل (Perichoresis)
يشدد النص على أن وحدة الجوهر تعني وجود الأقانيم "أحدهما في الآخر": فالآب في الابن، والابن في الآب. هذا الاحتواء يضمن عدم انفصال عملهما؛ فكل ما يفعله الآب يفعله الابن أيضًا، إذ يشتركان في الذات الإلهية الواحدة، دون اختلاط في الأقانيم أو انقسام في الجوهر.
4- ترسيخ مصطلح "المساواة في الجوهر" (Homoousios)
يربط النص هذا التحليل بمصطلح "هوموأووسيوس" (ὁμοούσιος) الذي دافع عنه القديس أثناسيوس. فهذا المصطلح يمثل الضمانة العقيدية التي تؤكد أن الابن المتجسّد ليس "كيانًا غريبًا" أو "إلهاً ثانويًا"، بل هو مساوٍ للآب في الجوهر، وأن ما يُسمّى "الملء الكامل" ليس إلا نتيجة لازمة وتعبير طبيعي لهذه المساواة الجوهرية
الخلاصة:
يؤكد النص أن التساوي في الجوهر والقدرة والفعل هو البرهان القاطع على وحدانية الطبيعة الإلهية. فالآب والابن ليسا قوتين مختلفتين أو إلهين، بل إله واحد، واحد في الجوهر والقدرة والمجد، ، مؤكدًا بذلك وحدة الجوهر ووحدة المشيئة والفعل الإلهي،مع بقاء تمايزهما الأقنومي كآب وابن.
تفسيرات الكتاب المقدس
كتاب حوار حول الثالوث - القديس كيرلس عمود الدين
ليكون للبركةPatristic Writings