الأسماء المقدسة (Nomina Sacra) ودورها في تحديد تأريخ البرديات المسيحية المبكرة: دراسة في برديتي P75 وP4
ترجمة ودراسة : Patricia Michael
مقدمة
يُعدّ تأريخ المخطوطات المسيحية المبكرة من القضايا الأساسية في النقد النصي للعهد الجديد (New Testament Textual Criticism)، نظرًا لما يترتب عليه من نتائج تتعلق بتاريخ النص وانتشاره المبكر. وقد اعتمد الباحثون تقليديًا على علم الخطوط (Palaeography) بوصفه الأداة الرئيسة لتأريخ البرديات، رغم أن هذا المنهج يظلّ تقديريًا ويحتمل نطاقًا زمنيًا واسعًا.
في هذا السياق، نُشر مؤخرًا مقال للباحث بيتر روجرز (Peter Rogers)، المتخصص في دراسة المخطوطات اليونانية والرموز المسيحية المبكرة، يقترح فيه معيارًا إضافيًا لتأريخ المخطوطات يعتمد على تطوّر الأسماء المقدسة المختصرة (Nomina Sacra).
نُشر هذا المقال بعنوان:
Peter Rogers, “Papyrus 75 and Papyrus 4 Reconsidered,”Filología neotestamentaria 38, no. 58 (2025): 77–88.
ويأتي هذا البحث ردًا مباشرًا على دراسة مؤثرة سابقة للباحث برنت نونغبري (Brent Nongbri)، المعروف بأعماله النقدية في مجال البرديات وتاريخ المخطوطات المسيحية المبكرة، بعنوان:
Brent Nongbri, “Reconsidering the Place of Papyrus Bodmer XIV–XV (𝔓75) in the Textual Criticism of the New Testament,”
Journal of Biblical Literature 135, no. 2 (2016): 405–437.
خلفية الجدل حول تأريخ بردية P75
في دراسته المنشورة عام 2016، أعاد برنت نونغبري النظر في التأريخ التقليدي لبردية بودمر XIV–XV (𝔓75)، التي كانت تُؤرَّخ عادةً إلى أوائل القرن الثالث الميلادي. وجادل نونغبري بضرورة توسيع نطاق التأريخ ليشمل منتصف القرن الرابع (حوالي 350م). وقد استند في طرحه إلى عاملين رئيسيين:
أولًا، التشابه الباليوغرافي (Palaeographic similarity) بين خط بردية P75 وخطوط مخطوطات أخرى نُسخت في القرن الرابع الميلادي ويُعرف تاريخها بدقة، أي أن شكل الحروف وأسلوب الكتابة في P75 يشبه الخطوط المستخدمة في هذه المخطوطات المؤرخة مسبقًا.
ثانيًا، هناك تقارب نصي كبير بين محتوى P75 والمخطوطة الفاتيكانية (Codex Vaticanus)، وهي مخطوطة كبيرة تعود إلى القرن الرابع. وبناءً على هذين الدليلين، يرى برنت نونغبري أن القرن الرابع الميلادي هو الإطار الزمني الأكثر ترجيحًا لنسخ P75.
طرح بيتر روجرز: الأسماء المقدسة كمؤشر زمني
يردّ بيتر روجرز في مقاله المنشور عام 2025 على طرح نونغبري، معتبرًا أن الاعتماد على علم الخطوط وحده غير كافٍ لتحديد تاريخ المخطوطات بدقة. ويقترح بدلًا من ذلك استخدام تطوّر نظام الأسماء المقدسة المختصرة (Nomina Sacra) بوصفه مؤشرًا زمنيًا تكميليًا.
ويرى روجرز أن هذا النظام لم يظهر مكتملًا منذ البداية، بل تطوّر تدريجيًا عبر الزمن، بحيث تحتوي المخطوطات الأقدم على عدد محدود من الأسماء المقدسة، بينما تُظهر المخطوطات اللاحقة توسعًا أكبر يصل إلى نحو خمسة عشر اسمًا مختصرًا.
مقارنة P4 وP75 في ضوء الأسماء المقدسة
يطبّق روجرز هذا المنهج على برديتين محوريتين في الجدل، هما P4 وP75. ففي البردية P4 (Papyrus 4)، لا نجد سوى خمسة أسماء مقدسة مختصرة، وهي:God, Jesus, Lord, Christ, Spirit(الله، يسوع، الرب، المسيح، الروح)،وهو ما يشير إلى مرحلة مبكرة وبسيطة من تطوّر هذا التقليد.
أما البردية P75 (Papyrus 75)، فتُظهر نظامًا أكثر تطورًا، إذ تحتوي على أحد عشر اسمًا مقدسًا مختصرًا. وبناءً على هذا الفرق، يستنتج روجرز أن P4 أقدم زمنيًا، ويرجّح تأريخها إلى أواخر القرن الثاني، بينما تعود P75 على الأرجح إلى القرن الثالث، وربما أوائل القرن الرابع، لكن ليس إلى منتصف القرن الرابع كما اقترح نونغبري.
دلالة الستاوروجرام (Staurogram)
يعزّز روجرز طرحه بالإشارة إلى وجود الستاوروجرام (Tau–Rho ligature)، وهو رمز صليبي مبكر، في نص لوقا 14:27 ضمن P75. ويرى أن استخدام هذا الرمز داخل النص الإنجيلي نفسه يتوافق أكثر مع ممارسات القرن الثالث، بينما تميل المخطوطات اللاحقة إلى استخدام الرموز الصليبية بوصفها عناصر مستقلة أو زخرفية.
كما يلاحظ وجود الستاوروجرام في سفر الرؤيا Revelation 11:8 في المخطوطة السينائية (Codex Sinaiticus)، لكنه يرجّح أن هذا الاستخدام ناتج عن نقله من المخطوطة الأصلية (exemplar) التي نُسخت عنها السينائية، لا عن كونه ممارسة شائعة في زمن نسخها.
خاتمة
يُظهر هذا الجدل بين نونغبري وروجرز أن تأريخ البرديات المسيحية المبكرة لا يمكن أن يعتمد على معيار واحد مثل علم الخطوط فقط، بل يتطلّب منهجًا متعدد الأبعاد يجمع بين دراسة شكل الخط، والتحليل النصي، وتتبع تطوّر الأسماء المقدسة (Nomina Sacra) واستخدام الرموز المسيحية المبكرة مثل الستاوروجرام (Staurogram). ويقدّم بحث بيتر روجرز دعمًا منطقيًا للرأي القائل إن بردية P75 أقرب زمنيًا إلى القرن الثالث الميلادي منها إلى منتصف القرن الرابع، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا التأريخ مبني على مؤشرات نصية داخلية تعكس الممارسة الكتابية المبكرة. ومع أن هذا التحليل لا يحسم الجدل بشكل نهائي، إلا أنه يشكّل خطوة مهمة نحو فهم أكثر دقة لتطور المخطوطات المبكرة للعهد الجديد ودورها في دراسة النصوص المسيحية القديمة.
Nomina Sacra and Assigning dates to Early Christian Papyri
Bibliography
Nongbri, Brent. God’s Library: The Archaeology of the Earliest Christian Manuscripts. New Haven: Yale University Press, 2018.
Nongbri, Brent. “Reconsidering the Place of Papyrus Bodmer XIV–XV (𝔓75) in the Textual Criticism of the New Testament.” Journal of Biblical Literature 135, no. 2 (2016): 405–437.
Rogers, Peter. “Papyrus 75 and Papyrus 4 Reconsidered.” Filología neotestamentaria 38, no. 58 (2025): 77–88.
ليكون للبركة
Patricia Michael