رمزية خريطة بونتينج (Bünting Cloverleaf Map) ودورها في فهم الجغرافيا الكتابية
Patricia Michael
تُعد خريطة بونتينج لورقة البرسيم (Bünting Cloverleaf Map) نموذجًا فريدًا يجسد فلسفة الكارتوغرافيا الرمزية (Symbolic Cartography)، وهي أحد فروع علم رسم الخرائط الذي يستخدم الخريطة وسيلةً للتعبير عن الأفكار والمعتقدات والرموز، وليس لتمثيل الواقع الجغرافي وفق خصائصه المكانية الحقيقية. وقد ظهرت هذه الخريطة في عصر النهضة بهدف تجسيد رؤية لاهوتية عميقة من خلال توظيف العناصر الجغرافية في إطار رمزي.
ما هي الكارتوغرافيا الرمزية (Symbolic Cartography)؟
الكارتوغرافيا الرمزية هي أحد مناهج رسم الخرائط التي لا تهدف إلى تمثيل الواقع الجغرافي تمثيلًا دقيقًا من حيث المسافات أو المساحات أو المواقع، وإنما تسعى إلى التعبير عن أفكار أو معتقدات أو مفاهيم رمزية من خلال الخريطة.
وبعبارة أبسط، فإن هذا النوع من الخرائط لا يجيب عن سؤال: "كيف أصل من مدينة إلى أخرى؟"، بل يجيب عن سؤال: "ما الذي يمثل المركز أو الأهمية الكبرى في تصور العالم؟" سواء من منظور ديني أو فلسفي أو سياسي. وفي خريطة بونتينج استُخدمت عناصر الجغرافيا للتعبير عن رؤية لاهوتية تتمثل في رمزية الثالوث ومركزية أورشليم الروحية، وليس لإظهار الأبعاد الجغرافية الحقيقية للقارات.
وفي هذا السياق، نشر القس الألماني وعالم اللاهوت ورسام الخرائط هاينريش بونتينج (Heinrich Bünting) هذه الخريطة عام 1581 ضمن كتابه الشهير «السفر عبر الكتاب المقدس» (Itinerarium Sacrae Scripturae). وقد استلهم تصميمها من نمط خرائط العالم القروسطية المعروفة باسم (Mappa Mundi)، فصوَّر العالم القديم على هيئة ورقة برسيم ثلاثية الأوراق، في إشارة رمزية واضحة إلى عقيدة الثالوث (The Trinity)، رابطًا بين شكل العالم المادي والمعنى اللاهوتي الذي أراد إبرازه.
ومع أن رمز ورقة البرسيم يحمل دلالة لاهوتية مرتبطة بعقيدة الثالوث، فإن مركز الخريطة يكشف عن اهتمام بونتينج بإبراز موقع أورشليم بوصفها المحور الرمزي الذي تدور حوله صورة العالم. فالعنصر اللاهوتي في الخريطة لا ينفصل عن الرؤية الكتابية للتاريخ، حيث تظهر الأرض المقدسة بوصفها نقطة مركزية في قصة الخلاص والرسالة الإلهية.
وفي قلب هذا التصميم البديع، تتربع مدينة أورشليم/القدس (Jerusalem) في الدائرة المركزية، بوصفها نقطة الالتقاء الرمزية للقارات الثلاث المعروفة آنذاك: أوروبا، وآسيا، وأفريقيا.
ويعكس هذا التمركز الرؤية اللاهوتية المستندة إلى النصوص الكتابية التي تُبرز أورشليم بوصفها مركزًا رمزيًا للشعوب والأمم، استنادًا إلى قول الرب في حزقيال 5:5:
«هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هَذِهِ أُورُشَلِيمُ. فِي وَسَطِ الشُّعُوبِ قَدْ أَقَمْتُهَا وَحَوَالَيْهَا الأَرَاضِي.»
وقد تطور هذا الفهم في التقليدين اليهودي والمسيحي ليُعبَّر عنه أحيانًا برمز «سُرّة الأرض» (Omphalos)، باعتباره تعبيرًا عن مكانة أورشليم الروحية في تاريخ الخلاص، لا وصفًا جغرافيًا حرفيًا لموقعها.
وهذا يوضح الفرق بين الجغرافيا الرمزية والجغرافيا الوصفية؛ فمكانة أورشليم في هذه الخرائط لم تكن قائمة على حسابات المسافات أو المركز الهندسي للأرض، بل على موقعها داخل التصور اللاهوتي والتاريخي الذي رأى فيها نقطة محورية في تعامل الله مع البشرية.
ومن اللافت أن بونتينج حافظ على التقسيم التقليدي للقارات الثلاث المعروفة في الفكر الجغرافي الأوروبي المتأثر بالتقاليد المسيحية آنذاك، بينما وضع «العالم الجديد» (The New World) في زاوية منفصلة من الخريطة. ويعكس هذا التصميم أن الغاية الأساسية من الخريطة لم تكن تقديم تمثيل جغرافي للعالم وفق المقاييس الحديثة، بل استخدام العناصر الجغرافية للتعبير عن رؤية تعليمية ولاهوتية تُبرز مركزية الأرض المقدسة في التاريخ الكتابي.
ورغم أن خريطة بونتينج رُسمت في عصر النهضة، فإنها استلهمت تقاليد الخرائط القروسطية (Mappae Mundi)، ولذلك فإن فهم خصائص هذا النوع من الخرائط يساعد على تفسير الرمزية اللاهوتية التي تحملها.
الخرائط القروسطية
الخرائط القروسطية هي الخرائط التي أُنتجت خلال العصور الوسطى، تقريبًا بين القرن الخامس والقرن الخامس عشر الميلادي. ولم تكن هذه الخرائط تُرسم وفق المعايير العلمية الحديثة، بل كانت تعكس فهم الإنسان للعالم من منظور ديني وفلسفي أكثر من كونها تمثل الواقع الجغرافي تمثيلًا دقيقًا.
وقد اتسمت هذه الخرائط بطابع ديني واضح، إذ وضعت كثير من هذه الخرائط مدينة أورشليم في مركز العالم باعتبارها المركز الروحي لتاريخ الخلاص. كما اعتمدت على الرمزية وليس على الدقة الجغرافية، فلم يكن اهتمامها منصبًا على إظهار المسافات أو الأحجام الحقيقية، بقدر ما كان يتركز على إبراز المعاني اللاهوتية والرمزية. كذلك صُوِّر العالم فيها مقسمًا إلى ثلاث قارات رئيسية هي آسيا وأوروبا وأفريقيا، وهو ما يعكس حدود المعرفة الجغرافية في ذلك العصر، وارتباطها الوثيق بالفكر الديني السائد.
ولم يكن الهدف من هذه الخرائط توفير وسائل للملاحة أو تمثيل الواقع الجغرافي، وإنما كانت تُصمَّم بوصفها أدوات تعليمية ولاهوتية تُستخدم لشرح الروايات الكتابية وتقديم تصور مسيحي للعالم. فقد سعى صانعوها إلى التعبير عن المعاني الروحية والرمزية أكثر من اهتمامهم بإظهار المواقع والمسافات وفق المقاييس الجغرافية الحديثة. ولهذا جاءت هذه الخرائط انعكاسًا لطريقة فهم الإنسان في العصور الوسطى للعالم، حيث امتزجت المعرفة الجغرافية بالفكر الديني لتكوين رؤية متكاملة للتاريخ والخلاص كما كانا يُفهمان آنذاك.
ومن أشهر أنواع الخرائط القروسطية ما يُعرف بخرائط (T-O)، وهي خرائط بسيطة تُصوِّر العالم على هيئة دائرة (O) تقسمها هيئة حرف (T) إلى القارات الثلاث المعروفة. كما ظهرت خرائط (Mappa Mundi) التي كانت أكثر تفصيلًا وتعقيدًا، إذ جمعت بين الجغرافيا والتاريخ والعناصر الدينية لتقديم تصور شامل للعالم كما كان يُفهم في العصور الوسطى.
ومن هنا فإن قراءة خريطة بونتينج لا ينبغي أن تتم وفق معايير الخرائط الحديثة، بل ضمن الإطار الفكري الذي أنتجها؛ إذ كانت الخريطة في ذلك العصر وسيلة لتفسير العالم وإعطائه معنى دينيًا وتاريخيًا، وليس مجرد أداة لعرض المعلومات المكانية.
إن دراسة هذه الخرائط التاريخية تساعد الباحثين والمتخصصين في الدراسات الكتابية على فهم الكيفية التي أدرك بها علماء اللاهوت في العصور السابقة جغرافية الكتاب المقدس، مما يسهم في توضيح بعض المصطلحات المكانية الواردة في النصوص، مثل «أطراف الأرض» أو «وسط الشعوب». كما تعمق هذه الدراسات فهم عالمية الرسالة المسيحية، إذ تُظهر أورشليم ليس باعتبارها مجرد موقع جغرافي، بل بوصفها مركزًا رمزيًا في تاريخ الخلاص، ومنها انطلقت البشارة إلى العالم.
ومن ثم فإن دراسة هذه الخرائط تمثل إضافة مهمة للدراسات التاريخية والجغرافية والكتابية، إذ تساعد على تقديم قراءة أكثر دقة للسياق التاريخي واللاهوتي الذي كُتبت فيه أسفار الكتاب المقدس، وتربط القارئ المعاصر بجذور الإيمان في إطارها الزمني والجغرافي الصحيح.
Heinrich Bünting. Itinerarium Sacrae Scripturae. Magdeburg, 1581.
Harley, J. B., and David Woodward, eds. The History of Cartography, Volume One: Cartography in Prehistoric, Ancient, and Medieval Europe and the Mediterranean. Chicago: University of Chicago Press, 1987.
Edson, Evelyn. Mapping Time and Space: How Medieval Mapmakers Viewed Their World. London: British Library, 1997.
ليكن للبركة
Patricia Michael