هل يمكن أن توجد أخلاق مسيحية بدون المسيحية؟ مايكل كروجر يردّ على بارت إيرمان

Patricia Michael

 

شهد Bart Ehrman حضورًا لافتًا خلال موسم عيد القيامة الأخير، بالتزامن مع صدور كتابه الجديد :

Love Thy Stranger: How the Teachings of Jesus Transformed the Moral Conscience of the West، ولا سيما من خلال ظهوره في بودكاست الكاتب Ross Douthat في The New York Times.

 

وفي هذا السياق، يعيد إيرمان طرح أطروحة محورية مفادها أن التعاليم الأخلاقية ليسوع — وبخاصة ما يتعلّق بمحبة الغريب، والعناية بالمحتاج، وتوسيع دائرة التعاطف لتشمل كل إنسان — مثّلت تحوّلًا نوعيًا في بنية التفكير الأخلاقي في العالم اليوناني-الروماني القديم، حيث لم يكن الإيثار الشامل أو الاهتمام بالغرباء يحتلان موقعًا مركزيًا في النظم الدينية الوثنية أو الفلسفات السائدة آنذاك. ومن هذا المنطلق، يرى أن المسيحية لم تقدّم مجرد تعليم روحي، بل أسهمت في إعادة تشكيل الضمير الأخلاقي للحضارة الغربية، وهو ما تجلّى تاريخيًا في نشوء مؤسسات الرعاية، مثل المستشفيات ودور الأيتام، وفي ترسيخ فكرة الكرامة الإنسانية بوصفها قيمة عامة تتجاوز الانتماءات الاجتماعية والعرقية. ومع أن هذه القراءة ليست جديدة في الدراسات التاريخية — إذ سبق أن طرحها مفكرون مثل Rodney Stark وTom Holland — فإن إيرمان يعيد تقديمها في إطار معاصر، مع احتفاظه بموقف نقدي من الإيمان المسيحي ذاته، إذ يرى أن تبنّي هذه القيم لا يستلزم الإقرار بصحة العقيدة أو الإيمان بمرجعيتها اللاهوتية.

من هنا تنشأ الإشكالية التي يعالجها الفيديو المنشور عبر The Gospel Coalition، حيث تجري Sarah Eekhoff Zylstra حوارًا مع Michael J. Kruger، الذي يقدّم من خلاله قراءة تحليلية نقدية لأطروحات Bart Ehrman، لا بوصفها مجرد عرض تاريخي، بل باعتبارها موقفًا فلسفيًا يثير سؤالًا عميقًا حول طبيعة الأخلاق ذاتها. فالنقاش لا يقف عند حدود توصيف التأثير التاريخي للمسيحية، بل يتجاوزه إلى التساؤل: هل يمكن فصل الأخلاق المسيحية عن الأساس الإيماني الذي نشأت فيه؟ وهل يمكن الاكتفاء بنتائجها العملية دون الالتزام بالإطار العقدي الذي منحها معناها وقوتها؟

ويتناول هذا الفيديو مجموعة من المحاور المتدرجة التي تُسهم في بناء هذا النقاش؛ إذ يبدأ بعرض خلفية إيرمان ومسيرته الفكرية، ثم ينتقل إلى تجربة كروجر الشخصية معه وتأثيره عليه، قبل أن يناقش ما يُوصَف بنزعة إيرمان إلى الترويج للإلحاد. كما يتوقف عند إقرار إيرمان بالطابع الثوري لتعاليم يسوع، ونظرته الإيجابية إلى الأخلاق المسيحية، مقابل نقده لعدم اتساق بعض المسيحيين مع هذه التعاليم. ويتطرّق كذلك إلى مشكلة الشر بوصفها أحد أهم أسباب موقفه الرافض للإيمان، وإلى شكوكه في موثوقية الأناجيل، ثم يناقش ما يراه كروجر معايير مبالغًا فيها يعتمدها إيرمان في تقييم النصوص. ويُختتم العرض بالإشارة إلى الرحلة الإيمانية الشخصية لكروجر، بوصفها خلفية تفسّر موقفه الدفاعي عن الإيمان المسيحي.

في عرضه لأفكار إيرمان، يبيّن كروجر أن الأخير يقدّم اعترافًا صريحًا بتميّز الأخلاق المسيحية، خاصة في ما يتعلّق بتوسيع مفهوم المحبة ليشمل الغريب والضعيف والمهمّش، وهو ما لم يكن مألوفًا في العالم القديم الذي كان يميل إلى حصر الالتزام الأخلاقي داخل حدود الجماعة أو الطبقة. غير أن هذا الإقرار — كما يلاحظ كروجر — لا يقود إيرمان إلى الإيمان بالمسيحية، بل إلى محاولة فصل هذه القيم عن جذورها، وتبنّيها في إطار إنساني أو علماني مستقل. ويرتبط هذا الموقف، في فكر إيرمان، بجملة من الإشكالات الفلسفية واللاهوتية، في مقدمتها مشكلة الشر، التي يراها عقبة أساسية أمام الإيمان بإله كلي القدرة والخير، إلى جانب شكوكه في موثوقية الروايات الإنجيلية من الناحية التاريخية.

في المقابل، ينطلق كروجر من نقد هذا الفصل بين الأخلاق وأساسها، مؤكدًا أن الأخلاق المسيحية لا يمكن فهمها أو تبريرها بمعزل عن الإطار اللاهوتي الذي نشأت فيه. فهي، في نظره، ليست مجرد مجموعة من المبادئ القابلة للاقتباس، بل هي تعبير عن رؤية ميتافيزيقية متكاملة، تقوم على الإيمان بإله خالق، وعلى فكرة أن الإنسان مخلوق على صورة هذا الإله، الأمر الذي يمنحه قيمة جوهرية وكرامة غير قابلة للمساومة. ومن ثمّ، فإن محاولة الاحتفاظ بهذه القيم بعد نزع هذا الأساس تفضي — بحسب كروجر — إلى إضعاف بنيتها، حتى وإن استمرت بعض مظاهرها على المستوى الاجتماعي لفترة من الزمن. ويعبّر عن ذلك من خلال نقده لما يراه محاولة للاحتفاظ “بثمار” المسيحية دون الإقرار “بالشجرة” التي أنبتتها، معتبرًا أن هذا الموقف يعاني من خلل في الاتساق الفلسفي.

ويمتد هذا النقد إلى مستوى أعمق، حيث يطرح كروجر تساؤلات تتعلق بإمكان تأسيس الأخلاق في إطار غير ديني. فهو لا ينكر أن الإنسان يمكن أن يتصرّف أخلاقيًا دون إيمان، لكنه يشكّك في قدرة النظم العلمانية على تقديم تبرير موضوعي لمفاهيم مثل الكرامة الإنسانية الشاملة أو الإلزام الأخلاقي. فالسؤال، في نظره، ليس: هل يمكننا أن نكون أخلاقيين؟ بل: لماذا ينبغي علينا أن نكون كذلك؟ وما الذي يمنح القيم الأخلاقية طابعها الملزم؟ ويرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة تجد أساسًا أكثر تماسكًا داخل الرؤية المسيحية، حيث تُستمد القيمة الإنسانية من مرجعية متعالية، لا من توافقات اجتماعية متغيّرة.

وفي ما يتعلّق بمشكلة الشر، يعيد كروجر صياغة الاعتراض الذي يطرحه إيرمان، مشيرًا إلى أن الاحتجاج بوجود الشر يفترض ضمنًا وجود معيار موضوعي للخير والشر، وهو ما يتطلّب — في حد ذاته — مرجعية تتجاوز التصورات النسبية. ومن هنا، يرى أن هذه الحجة، بدلًا من أن تنقض الإيمان، قد تكشف عن الحاجة إلى أساس أخلاقي مطلق. أما بشأن الشكوك التاريخية المتعلقة بالأناجيل، فيؤكد أن دراسته المتخصصة في النقد النصي لم تقُده إلى التشكيك، بل إلى تعزيز الثقة بالنصوص، ويرى أن بعض المعايير النقدية المستخدمة قد تكون صارمة إلى حد يصعّب قبول أي نص تاريخي قديم، لا النصوص المسيحية وحدها.

وفي ضوء هذا التحليل، يتّضح أن نقطة الاتفاق بين إيرمان وكروجر تكمن في الإقرار بالتأثير العميق للمسيحية في تشكيل الضمير الأخلاقي، غير أن هذا الاتفاق يخفي وراءه اختلافًا جوهريًا في تفسير هذا التأثير وتداعياته. فبينما يرى إيرمان إمكانية استمرار القيم الأخلاقية بمعزل عن الإيمان، يؤكد كروجر أن هذه القيم، لكي تحتفظ بتماسكها ومعناها وقوتها الإلزامية، تظل مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأساس اللاهوتي الذي نشأت فيه. ومن ثمّ، فإن السؤال عن إمكانية وجود “أخلاق مسيحية دون مسيحية” لا يظل مجرد إشكال نظري، بل يتحوّل إلى مدخل لإعادة التفكير في طبيعة الأخلاق ذاتها، وحدود استقلالها عن الأطر الميتافيزيقية التي تؤسس لها.

لمشاهدة الفيديو الكامل اضغط على الرابط

https://www.youtube.com/watch?v=WOUM22OmKdA&t=3048s

 

ليكون للبركة

Patricia Michael