تفسير صرخة المسيح على الصليب: «إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟» في ضوء خضوع المسيح وتدبير الفداء
قراءة في العظة اللاهوتية الرابعة (الثانية بخصوص أقنوم الابن) للقديس غريغوريوس النزينزي
{إنه من أجلي قد دُعي لعنة ذاك الذي رفع خطية العالم؛ وأصبح آدم الجديد ليحلّ محل القديم، حتى يأخذ عصياني إليه كرأس للجسد الكامل. إذًا فعلى قدر ما أنا عاصي ومتمرد عن طريق إنكار الله وعن طريق شهواتي، على قدر ما دُعي المسيح عاصيًا من أجلي. ولكن حينما أُخضع الكل له، بواسطة تسليمهم له (إدراكهم له) من ناحيةٍ، وبواسطة تجديدهم من ناحية آخرى، فحيئذ سيتمم (المسيح) خضوعه، مُحضِرًا إياي -أنا الذي قد خلصني – إلى الله. لأن هذا، طبقًا لرؤيتي، هو خضوع المسيح؛ أعنى تتميم إرادة الآب. ولكن كما يُخضع الإبنُ الكل للآبِ، هكذا يصنع الآبُ للإبنِ؛ الواحد (أي الإبن) بصنيعه والآخر (أي الآب) بمسرته،. ومن ثَمَّ، فإن الذي يُخضِع، يُقدِم لله ما قد أَخضعه، جاعلًا من حالتنا حالته الخاصة. وفي نفس السياق، يظهر لي تعبير: "إلهي إلهي، لماذا تركتني؟" لأنه لم يكن هو الذي تُرك، لا من الآب ولا من ألوهيته، كما ظن البعض، وكأنه كان خائفًا من آلامه، وبالتالي انسحبت (الألوهية) منه في معاناته. لأنه مَن أجبره حتى يولد على الأرض من الأساس، أو أن يُرفع على الصليب؟ ولكن كما قلت، فإنه في شخصه الخاص كان يمثلنا. لأننا كنا قد تُركنا ورُفضنا قبلًا، ولكن الآن عن طريق آلامه ذاك الذي لم يمكن أن يتألم، رُفعنا وأُنقذنا. وبالمثل، جَعَلَ لنفسه حماقتنا وتعدياتنا؛ ويقول ما يلي (المكتوب) في المزمور، لأنه من الواضح جدًا أن المزمور يشير الى المسيح}.
+++++++++++
يمكن أن نلخص فكره كله في جملة ذهبية قالها القديس غريغوريوس النزينزي وهي: [جاعلًا من حالتنا حالته الخاصة]
في هذه المقطع من العظة اللاهوتية الرابعة، يُقدِّم القديس غريغوريوس النزينزي تفسيرًا عميقًا لأبعاد الفداء من خلال دور المسيح كنائب عن البشرية. فالمسيح، بحسب النص، هو "آدم الجديد" الذي اتخذ مكان القديم، حاملاً في جسده عصيان الإنسان وخطيئته، ليعيد تشكيل البشرية في طاعة الابن وخضوعه. ويُفسِّر غريغوريوس صرخة الصليب: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" ليس كدليل على انقسام بين الأقانيم أو انفصال الطبيعة الالهية عن الطبيعة البشرية كما ظنّ البعض، بل كنداء يصدر من شخص المسيح المتجسد الذي مثّل الإنسان المرفوض والمطرود بسبب الخطيئة، لكي يرفعه ويقدمه إلى الله مصالَحًا ومجددًا. هذه الصرخة، إذًا، ليست تعبيرًا عن ضعف أو تخلي، بل عن عمق التدبير الإلهي الذي فيه يجعل الابن من حال الإنسان حالته الخاصة، ويتمم خضوعه للآب بتقديم البشرية المفدية إليه، في وحدة مقاصد بين الآب والابن. هكذا يظهر الصليب لا كموضع ترك، بل كبوابة خضوع وتمجيد وفداء شامل.
في عرضه لصرخة المسيح على الصليب: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟"، يقدّم القديس غريغوريوس النزينزي تفسيراً لاهوتيًا عميقًا، يرى فيه أن الابن لم يُترك من الآب بحسب الجوهر، بل نطق بهذه الكلمات بصفته نائبًا عن البشرية الساقطة التي كانت مرفوضة ومطرودة بسبب الخطيئة؛ فالمسيح، بصفته آدم الجديد، حمل عصيان الإنسان وخطاياه، وجعل من حالته المرفوضة حالته الخاصة، لكي يرفع الإنسان ويعيده إلى الله بالخضوع الكامل لإرادة الآب.
فالابن لم يُترك من الآب، ولا من لاهوته، لأنه هو من شاء طوعًا أن يتجسد ويتألم، ولا يمكن أن يُجبر على هذا التدبير. لكن، في شخصه، حمل حالنا نحن الذين تُركنا ورُفضنا بسبب الخطيئة، فصرخ بهذه الكلمات نيابة عنا، لكي يرفعنا ،لكي يجدّد الطبيعة البشرية ويعيدها إلى موضع القبول الإلهي مقدِّمًا البشرية المفدية إلى الله في وحدة إرادة ومقصد بين الآب والابن. وهكذا، لم تتدخل الطبيعة الإلهية لرفع الألم عن الناسوت رغم عدم الانفصال، بل سُمح بأن يُكمَّل الطاعة في الجسد حتى الموت .
هذه الرؤية تجد صدى واضحًا في تفسير القديس أمبروسيوس ايضا ، الذي يؤكد أن صرخة المسيح ليست دليلًا على انقسام أو انفصال بين الأقانيم، بل تعبير عن شعور الإنسان الذي تألم المسيح من أجله، إذ تكلم الابن في لحظة الألم بصوت البشرية كلها، مُظهرًا أنه حمل حال الإنسان ليقوده نحو المصالحة. كلا اللاهوتيين يرفضان الفهم الحرفي للترك، ويؤكدان وحدة الأقانيم الإلهية، ويجمعان على أن هذا "الترك" هو تعبير عن التدبير الخلاصي، لا عن انقسام جوهري، بل عن مشاركة المحبة في الألم من أجل الفداء.وإليك اقتباسًا من أمبروسيوس يؤكد ذلك:
"Non est derelictus a Patre, qui dixit: Pater, in manus tuas commendo spiritum meum. Sed ut hominem loquentem intellegas, propter quem factus est peccatum, loquitur ex persona carnis."
"لم يُترك من الآب، ذاك الذي قال: 'يا أبتِ، في يديك أستودع روحي'. بل لتفهم أنه يتكلم بلسان الإنسان، ذاك الذي صار لأجله خطية، فهو يتكلم من شخص الجسد."والمقصود هنا من موقع الناسوت
— Ambrosius, Expositio Evangelii Secundum Lucam 10.112
____________________________
نستعرض ايضا ما قاله قداسة البابا شنودة في هذا السياق والذي يتماشى مع تفسير آباء الكنيسة .
هذه العبارة Eli, Eli Lama Sabachthani (إيلي إيلي لما شبقتني؟) لا تعني أن لاهوته قد ترك ناسوته، ولا أن الآب قد ترك الابن.. لا تعني الانفصال، وإنما تعني أن الآب تركه للعذاب.
إن لاهوته لم يترك ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين... بهذا نؤمن، ولو كان لاهوته قد انفصل عنه، ما اعتُبِرَت كفارته غير محدودة، تعطي فداءً غير محدود، يكفي لغفران جميع الخطايا لجميع البشر في جميع الأجيال.. إذن فلم يحدث ترك بين لاهوته وناسوته.
ومن جهة علاقته بالآب، فلم يتركه الآب "لأنه في الآب والآب فيه" (إنجيل يوحنا 11:14).
إذن، ما معنى عبارة :"لماذا تركتني"؟
ليس معناها الانفصال، وإنما معناها: تركتني للعذاب. تركتني أتحمل الغضب الإلهي على الخطية. هذا من جهة النفس. أما من جهة الجسد، فقد تركتني أحِس العذاب وأشعر به. كان ممكنًا ألا يشعر بألم، بقوة اللاهوت.. ولو حدث ذلك لكانت عملية الصلب صورية ولم تتم الآلام فعلًا، وبالتالي لم يدفع ثمن الخطية، ولم يتم علمية الفداء..
ولكن الآب ترك الابن يتألم، والابن قَبِلَ هذا التَّرْك وتعذب به. وهو من اجل هذا جاء.. كان تارِكًا باتفاق.. من أجل محبته للبشر، ومن أجل وفاء العدل.. تركه يتألم ويبذل، ويدفع، دون أن ينفصل عنه..
لم يكن تركًا أقنوميًا، بل تركًا تدبيريًا.. تركه بحب، "سُرَّ أن يسحقه بالحزن" (سفر أشعياء 10:53).
إن عبارة "تركتني" تعني أن آلام الصلب، كانت آلامًا حقيقية. وآلام الغضب الإلهي كانت مُبرِحة.. في هذا الترك تركَّزَت كل آلام الصليب. وكل آلام الفداء.. هنا يقف المسيح كذبيحة محرقة، وكذبيحة إثم تشتعل فيه النار الإلهية حتى تتحول الذبيحة إلى رماد، وتوفي عدل الله كاملًا..
كثير من المفسرين يرون أن الرب بقوله "الهي الهي لماذا تركتني" إنما كان يُذَكِّر اليهود بالمزمور الثاني والعشرون الذي يبدأ بهذه العبارة. كانوا "يضلون إذ لا يعرفون الكتب" (متى 29:22)، بينما كانت هذه الكتب "هي التي تشهد لي" (إنجيل يوحنا 39:5)، فأحالهم السيد المسيح إلى هذا المزمور بالذات. وكانوا لا يعرفون المزامير بأرقامها الحالية، وإنما كانوا يسمون المزمور بأول عبارة فيه، كما يفعل الرهبان في أيامنا..
ولكن لماذا قال المسيح: "إلهي، إلهي"؟لقد قالها بصفته نائبًا عن البشرية. قالها لأنه "أخلى ذاته، وأخذ شكل العبد، صائرًا شبه الناس، وقد وُجِدَ في الهيئة كإنسان" (فيلبي 2: 7- 8 ). قالها لأنه "وَضَعَ نفسه" و"أطاع حتى الموت؛ موت الصليب" (في 2: 8 ). إنه يتكلم الآن كابن للإنسان، أخذ طبيعة الإنسان، وأخذ موضعه، ووقف نائبًا عن الإنسان وبديلًا عنه أما الله، كابن بشر، وضعت عليه كل خطايا البشر، وهو الآن يدفع ديونهم جميعًا..
هنا نرى البشرية كلها تتكلم على فمه.. وإذ وضعت عليه كل خطايا البشر، والخطية انفصال عن الله، وموضع غضب الله، لذلك تصرخ البشرية على فمه: "إلهي.. إلهي، لماذا تركتني؟!"..
إن الابن شرب الكأس التي قدَّمها له الآب، وقال له "لتكن مشيئتك". وأطاع حتى الموت؛ موت الصليب، بكل خضوع.
أما عبارة: "لماذا تركتني"، فلم تكن نوعًا من الاحتجاج أو الشكوى -كما قلنا- إنما كانت مجرد تسجيل لآلامه، وإثبات حقيقتها، وإعلانًا بأن عمل الفداء سائر في طريق التمام...
ليكون للبركة