"«هُوَذَا مُنْتَفِخَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ نَفْسُهُ فِيهِ. وَالْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا." (حبقوق 2: 4

Patricia Michael

"«هُوَذَا مُنْتَفِخَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ نَفْسُهُ فِيهِ. وَالْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا." (حبقوق 2: 4).

النص في سفر حبقوق 2: 4 يضع أمامنا صورتين متقابلتين:-إنسانٌ "منتفخةٌ غير مستقيمةٍ نفسه فيه" — أي المتكبّر الذي يعتمد على ذاته

-وفي المقابل: "البارُّ بإيمانه يحيا" — أي الذي يتكل على الله بالايمان فينال الحياة.

يقول الكتاب: "وَالْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا" (حب2: 4)، هذه العبارة لم تكن مجرد جملة عابرة في النبوة، بل صارت حجر أساس في تعليم العهد الجديد. فقد اقتبسها بولس الرسول في رسائله، مؤكدًا أن الحياة والتبرير لا ينالان بأعمال الناموس بل بالإيمان .

وقد اقتبس معلمنا بولس الرسول هذه العبارة وكررها كثيرًا في رسائله

رسالة رومية 1: 17

رسالة غلاطية 3: 11

الرسالة إلى العبرانيين 10: 38

"لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ لإِيمَانٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا" (رو1: 17)

"وَلَكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لأَنَّ الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا" (غل3: 11)

"أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ارْتَدَّ لاَ تُسَرُّ بِهِ نَفْسِي" (عب10: 38).

هذا التكرار ليس مصادفة، بل إعلان الهي واضح أن الحياة الحقيقية والبر يعطى بالايمان .

خلفية النص في حبقوق :

يرى الدارسون أن هذه العبارة "البار بالإيمان يحيا" هي قلب نبوّة حبقوق وعصبها، جاءت كلمات حبقوق في وقت سمح فيه الله بتأديب شعبه على يد الكلدانيين. لكن هؤلاء امتلأوا كبرياءً، وظنّوا أن قوتهم هي سبب انتصاراتهم. وبعدما أتمّ الله غايته في التأديب، عاد ليؤدّبهم بسبب تعجرفهم. وكما أعلن إشعياء النبي أن أشور كان «قضيب غضب الله»، "«وَيْلٌ لأَشُّورَ قَضِيبِ غَضَبِي، وَالْعَصَا فِي يَدِهِمْ هِيَ سَخَطِي." (إش 10: 5).

لكنه عوقب عندما تكبّر ونسب المجد لنفسه (إش 10: 12-15)، هكذا كل أداة يستخدمها الله إن ارتفعت بالكبرياء تسقط تحت الدينونة.

الكبرياء والفراغ الداخلي

الكبرياء لا يشبع النفس، بل يخلق فيها جوعًا دائمًا. فالإنسان المتكبر يشبه من يشرب ماءً مالحًا؛ كلما شرب ازداد عطشًا. هكذا كان حال الكلدانيين: وسّعوا نفوسهم كالهاوية، وابتلعوا الأمم بلا شبع، لكن ما جمعوه صار ثقلًا عليهم. وما بُني على الظلم لا يدوم، بل يرتدّ على صاحبه.

يتناول النص فكرة الكبرياء وما يسببه من فراغ داخلي، مستندًا إلى كلمات نبوّة حبقوق: "هوذا منتفخة غير مستقيمة نفسه فيه، والبار بالإيمان يحيا... الرجل المتكبر لا يهدأ" (حب 2: 4-5).

هذا هو جوهر عمل إبليس في الإنسان: أن يزرع فيه روح الكبرياء، فيظن أنه ينجح بقدرته الخاصة، وينسى أن كل ما لديه هو عطية من الله. بالكبرياء سقط إبليس من رتبته، كما يوضح سفر إشعياء (14: 12)، وصار يسعى أن يُسقط الإنسان في ذات السقوط. فالإنسان المتعجرف يظن نفسه مرتفعًا، لكنه في الحقيقة ينحدر إلى ما هو دون مقامه.

الكبرياء لا يشبع النفس، بل يخلق فيها فراغًا متزايدًا. فالإنسان المتكبر يشبه من يشرب من ماء مالح، كلما شرب ازداد عطشًا. هكذا كان حال الكلدانيين: وسّعوا نفوسهم كالهاوية، وابتلعوا الأمم بلا شبع، لكن ما جمعوه لم يكن إلا حملاً ثقيلًا عليهم. ظنوا أنهم يملكون، لكنهم في الحقيقة كانوا يكدّسون ما ليس لهم.

ولذلك يُنطق عليهم بالويل: "ويل للمكثر ما ليس له... إلى متى؟" فما يُبنى على الظلم لا يدوم، وما يُجمع بغير حق يعود إلى أصحابه. وكما سلبوا الأمم، سُلبوا هم أيضًا. وكما سفكوا الدماء، سُفكت دماؤهم. فالعدالة الإلهية تقضي بأن ما يزرعه الإنسان يحصده.

الخلاصة أن الكبرياء يقود إلى الهلاك والفراغ، أما الإيمان فيقود إلى الحياة. من يعتمد على ذاته يضيع، ومن يتكل على الله يحيا حياة حقيقية مشبعة بالسلام والثبات.

الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا"

في المقابل يعلن النص الحقيقة الأساسية: "البار بالإيمان يحيا". هذه العبارة تُعدّ محور نبوّة حبقوق، وقد استشهد بها الرسول بولس الرسول ليؤكد أن التبرير لا يتحقق بأعمال الناموس، بل بالإيمان بالمسيح. فالحياة الحقيقية ليست في الاعتماد على الذات، بل في الاتكال على الله.

وعندما نقول "البار بالإيمان يحيا"، فالمقصود ليس مجرد حياة جسدية أو بقاء زمني، بل حياة مصالحة مع الله، وحياة برّ مقبول أمامه، وحياة شركة حقيقية تبدأ هنا على الأرض وتمتد إلى الأبد. إنها حياة داخلية متجددة، مصدرها علاقة حيّة مع الله وليست مجرد التزام خارجي بشريعة.

الإيمان أيضًا هو طريق التبرير، لأن الناموس يكشف الخطية لكنه لا يمنح الإنسان القدرة على الخلاص منها. أما الإيمان فهو قبول عمل الله والخضوع لبرّه، أي أن الإنسان يعترف بعجزه ويقبل عطية الله المجانية. وهكذا لا يعتمد على استحقاقه الشخصي، بل على نعمة الله.

ثم إن الإيمان ليس لحظة عابرة أو اختبارًا مؤقتًا، بل هو مسيرة مستمرة ينمو فيها الإنسان تدريجيًا. هذا ما نراه في حياة إبراهيم، الذي آمن بالدعوة فخرج، وآمن بالوعد رغم العقم، وانتظر بطول أناة، وثبت حتى في أصعب امتحان. الإيمان عنده لم يكن فكرة نظرية، بل رحلة ثقة عميقة تزداد رسوخًا مع الزمن.

وهكذا ينتقل الإنسان في حياته الروحية من الإيمان بوجود الله، إلى الثقة في وعوده، ثم إلى الاتكال عليه في كل الظروف، وأخيرًا إلى اختبار حضوره الفعلي في حياته اليومية. أما الفرق بين "المنتفخة نفسه" و"البار بالإيمان"، فهو أن الأول يعتمد على ذاته وينتهي إلى عدم الثبات، بينما الثاني يتواضع أمام الله فيحيا حياة راسخة وممتدة إلى الأبد.

ليكون للبركة

Patricia Michael