تابــــــــــع (الجزء الرابع) من سلسلة مايكل كروجر الجديدة
دراسة وترجمة : Patricia Michael
ماذا تخبرنا المخطوطات المصغّرة عن المسيحية المبكّرة؟
الجزء الرابع بعنوان
«نظرة المسيحيين الأوائل العالية لكتبهم المقدّسة وتقديرهم العميق لها»
مايكل ج. كروغر (Michael J. Kruger)
في هذا الجزء الرابع، نتابع ما قدّمه مايكل ج. كروغر في مقالاته البحثية حول المخطوطات المصغّرة (Miniature Codices)، ونستعرض ما يمكن أن تعلّمنا إيّاه هذه المخطوطات عن حركة المسيحية المبكّرة. تهدف هذه السلسلة إلى تقديم دلالات واضحة وعملية للقرّاء غير المتخصّصين حول ما تكشفه المخطوطات المصغّرة عن الممارسات المسيحية المبكّرة وطبيعة تعامل المسيحيين الأوائل مع النصوص المقدّسة، وذلك استنادًا إلى كتابه الأخير الصادر عن منشورات جامعة أكسفورد (Oxford University Press) بعنوان Miniature Codices in Early Christianity.
يتناول كروغر في هذا الجزء الرابع فكرةً محوريةً مفادها أنّ المسيحيين الأوائل كانوا يمنحون كتبهم المقدّسة مكانةً عاليةً وتقديرًا كبيرًا، بحيث لم تكن هذه الكتب مجرّد نصوص للقراءة، بل كانت رموزًا لهويّتهم المسيحية، وتمثّل حضور المسيح، وتوفّر لهم حمايةً روحيةً. ويظهر ذلك بوضوح من خلال كيفية استخدامهم للمخطوطات المصغّرة الشخصية في حياتهم اليومية.
يقول مايكل كروغر في مقاله:
قبل أن يبدأ موسم الأعياد، شرعتُ في سلسلة جديدة من خمسة أجزاء تستعرض ما الذي تعلّمنا إيّاه ظاهرة المخطوطات المصغّرة (Miniature Codices) عن الحركة المسيحية المبكّرة. وقد صُمِّمت هذه السلسلة لاستخلاص بعض الدلالات العملية ــ لجمهور من غير المتخصّصين ــ من كتابي الجديد الصادر عن منشورات جامعة أكسفورد بعنوان Miniature Codices in Early Christianity.
وبعد أن تناولنا بالفعل الجزء الأول والثاني والثالث، ننتقل الآن إلى الجزء الرابع، الذي يبيّن ما تكشفه لنا المخطوطات المصغّرة عن الحركة المسيحية المبكّرة. فهذه الكتب الصغيرة تُظهر أنّ المسيحيين الأوائل كانت لديهم نظرةٌ عاليةٌ جدًا لكتبهم المقدّسة.
ما هي عقيدة الكنيسة الاولى عن الكتاب المقدس؟
على مدى أجيال، دار جدل واسع بين العلماء حول ما يعتقده المسيحيون الأوائل تحديدًا بشأن كتبهم المقدّسة. فما هي «عقيدة الكتاب المقدس» في القرون الأولى للكنيسة؟ وماذا كان يقصد المسيحيون بقولهم انّ هذه الكتب «موحى بها»؟ وما هي التداعيات أو الآثار المترتبة على سلطة هذه الكتب؟
عادةً ما تتم الإجابة عن هذه الأسئلة بالرجوع إلى مواضع في كتابات آباء الكنيسة، حيث يُدلون بتصريحات مباشرة حول طبيعة الكتاب المقدس؛ بعبارة أخرى، استند العلماء غالباً إلى ما قاله آباء الكنيسة عن كتبهم المقدسة.
ومع أن تصريحات آباء الكنيسة تُعد نقطة انطلاق منطقية لمثل هذه النقاشات، إلاّ انها للأسف أصبحت أيضًا النقطة التي تنتهي عندها هذه النقاشات. فقد كانت هذه التصريحات ،في الغالب، الدليل الوحيد الذي يؤخذ بعين الاعتبار.
غير أن ظاهرة المخطوطات المصغّرة تفتح لنا نافذة جديدة لفهم نظرة المسيحيين الأوائل إلى كتبهم المقدسة. فبدلًا من النظر فقط إلى ما قاله آباء الكنيسة عن هذه الكتب، تحثُّنا هذه المخطوطات المصغّرة على النظر في كيفية استخدامهم لها . إذ يمكن لوظيفة هذه الكتب أن تخبرنا بالقدر نفسه ـ وأحيانًا أكثر ـ عن مكانتها، كما تفعل ايضاً أية تصريحات واضحة من آباء الكنيسة.
وكما ذُكر في الأجزاء السابقة من هذه السلسلة، كان للمخطوطات المصغّرة وظائف عملية عديدة في الحركة المسيحية المبكرة ؛فقد سهّلت القراءة الخاصة، وكانت مناسبة للحمل في الرحلات الطويلة، بل وساعدت أيضًا في العبادة الفردية.
لكن الكتب في العالم القديم لم تكن مجرد أدوات عملية. لم تكمن قيمتها في كونها تُقرأ فحسب، بل أيضًا في رؤيتها ولمسها. ومن نواحٍ عديدة، كان لهذا البعد البصري–الرمزي قوة لا تقل اهميةعن قوة الكلمات التي تحتويها، بل ربما كانت تفوقها.
وقد أتاح الحجم الصغير للمخطوطة المصغّرة أن تكون وسيلةً مناسبةً على نحوٍ خاص، ذاتَ قيمةٍ بصريةٍ ورمزيةٍ من هذا النوع. إذ كان يمكن حملها، أو تعليقها حول العنق، أو وضعها للعرض. بل إنّ بعض المسيحيين الأوائل كانوا ينامون وهذه المخطوطات معهم في أسرّتهم ليلًا.
لماذا كانوا يستخدمون الكتب المقدّسة بهذه الطريقة؟دعوني أذكر ثلاثة أسباب:
رموز الهوية المسيحية
أولًا، كان أقدم المسيحيين ينظرون إلى الكتب المقدّسة بوصفها رموزًا لهويتهم المسيحية. فأن تكون مسيحيًا يعني أن تُقدّر الكتب المقدّسة، وأن تُقدّر الكتب المقدّسة يعني أن تكون مسيحيًا، وكان الاثنان مرتبطين ارتباطًا لا ينفصم. فما أفضل طريقة لإعلان هويتك المسيحية من أن ترتدي كتابًا مقدّسًا حول عنقك ليراه الجميع؟
ومن الأمثلة الجيّدة على هذه الظاهرة أوبلوس (Euplus)، شَمّاس من الكنيسة المبكّرة. كان يُروى أنّه استُشهد في كاتانيا (Catania) سنة 304م في عهد الوالي كالفيسيانوس (Calvisianus)، وكان «كتاب الأناجيل» معلقًا حول عنقه، أي أنّه كان يرتدي مخطوطةً مصغّرة. ويمكن رؤية أنّ هذا الكتاب كان رمزًا لهويته المسيحية من اعتراف أوبلوس نفسه حين قال:
«أنا مسيحي وأقرأ الكتب الإلهية».
حضور المسيح
بينما كانت الكتب المسيحية وسيلةً مهمةً للتعبير عن الهوية المسيحية، فإنها بالنسبة لكثير من مستخدميها كانت أكثر من ذلك. فقد كانت هذه الكتب تمثّل أيضًا الحضور الروحي للمسيح نفسه. وبعبارة أخرى، كانت هذه الكتب وسيلةً للتواصل مع الله.
وبالطبع، لم يكن من الضروري أن يكون المخطوط صغيرًا جدًا ليعمل كرمز بصري يمثل حضور المسيح. فقد عُرض مخطوط الإنجيل على كرسي في وسط مجمع أفسس (نحو سنة 431م) كرمز بصري قوي يمثل حضور المسيح. بل إن هذا التمثيل كان قويًا إلى درجة أنه عندما قام نسطور — بحسب إحدى الروايات — بنقل المخطوط إلى الأرض ليجلس مكانه، وبّخه المصري شنودة قائلًا:
«أتريد أن يجلس ابن الله على الأرض، بينما تجلس أنت على الكرسي؟»
من الواضح إذن أنّ الكتاب كان يمثل حضور يسوع ذاته — فكل ما يُفعل بأحدهما يُفعل بالآخر.
ومع أنّ المخطوطات كاملة الحجم كانت ستظل تمثّل الحضور الروحي للمسيح؛ إذ يمكن لمن يحمل المخطوط المصغّر أن يحمل المسيح معه على جسده، ويأخذه في رحلاته، ويشعر بحضوره بينما يتدلّى المخطوط حول عنقه أو يلامس جلده.
قوة المسيح
تُبرز المخطوطات المصغّرة واقعًا كنا نعرفه إلى حدٍّ ما من مصادر أخرى، وهو أن المسيحيين كانوا يرون في كتبهم المقدّسة نوعًا من القوة الإلهية الكامنة فيها. وبوجه خاص، كان بعض المسيحيين يعتقدون أن هذه القوة كافية لدرء هجمات الشيطان وحماية مستخدمها من الأمراض.
ومع أنّ أي كتاب مقدّس، مهما كان حجمه، قد يُنظر إليه على أنّه يوفر مثل هذه الحماية، فإن المخطوطة المصغّرة اعتُبرت فعّالة على نحو خاص في هذا الشأن. فصغر حجمها أتاح لحاملها أن يشعر بهذه الحماية معه أينما ذهب—في السفر، أو أثناء التجوال في المدينة، أو حتى أثناء النوم ليلاً—كما جعل هذه الحماية شخصية، إذ يمكنه أن يشعر بالمخطوط حول عنقه، وربما يلامس جلده، كتذكير دائم بأن كلمة الله معه، وأنها ستحميه.
وبينما قد يكون لدينا بعد التحفظات المفهومة تجاه مثل هذه الممارسات، بحجة أنها تبدو نوعًا من «السحر»، فإن معظم المسيحيين القدماء أنفسهم لم ينظروا إليها بهذه الطريقة. فقد كانت في نظرهم وسيلة حماية مسموحًا بها بل ومفضّلة، لأنها — بحسب اعتقادهم — تتضمن كتابات موحى بها من الله.
الخلاصة
إذًا، ماذا كان يعتقد المسيحيون الأوائل بشأن كتبهم المقدّسة؟ وما هي عقيدتهم في الكتاب المقدس؟
مع أننا نستطيع أن نقطع شوطًا في فهم هذه الكتب من خلال جمع واستخلاص تصريحات آباء الكنيسة،الاّ انّ ظاهرة المخطوطات المصغّرة تسلّط ضوءًا جديدًا على هذه الأسئلة. فليس المهم فقط ما قاله المسيحيون عن كتبهم، بل أيضًا كيف استخدموا هذه الكتب.
وكما رأينا، تُظهر لنا المخطوطات المصغّرة أن المسيحيين كانوا يرون كتاباتهم المقدسة وثيقة الصلة ومرتبطة بالمسيح نفسه ارتباطًا وثيقًا ،إلى درجة أن التقرُّب من الكتب المقدسة هو تقرُّباً من المسيح ذاته، وأنّ هذا التقرُّب كان يعني أن يكون الإنسان محميًا بالمسيح.
وأيًا يكن ما قد يُقال عن هذه الظاهرة، فمن الصعب تخيّل نظرة إلى الكتاب المقدس «أعلى» من تلك التي أظهرها هؤلاء المسيحيون الأوائل.
ليكون للبركة
What Do Miniature Codices Tell Us About Early Christianity? #4
Early Christians Had a High View of Their Books
Michael J. Kruger