«لِمَاذَا يَصُومُ تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا.......، وَأَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ؟

Patricia Michael

"وَكَانَ تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا وَالْفَرِّيسِيِّينَ يَصُومُونَ، فَجَاءُوا وَقَالُوا لَهُ: «لِمَاذَا يَصُومُ تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا وَالْفَرِّيسِيِّينَ، وَأَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ؟» فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو الْعُرْسِ أَنْ يَصُومُوا وَالْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ مَا دَامَ الْعَرِيسُ مَعَهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَصُومُوا. وَلكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ (مرقس2 : 18 - 20 )

سأل تلاميذ يوحنا والفريسيين السيد المسيح عن سبب عدم صوم تلاميذه، بينما كان تلاميذ يوحنا والفريسيون يلتزمون بالصوم. فأجابهم المسيح بمثل العريس والْعُرْسِ ، موضحًا الفكرة بروحانية عميقة: كما يفرح أهل العُرْس بوجود العريس في مناسبتهم، هكذا يفرح تلاميذ المسيح روحيًا بحضوره ومعاينتهم له. أما عندما يغادر العريس، عندها يستطيع أهل العُرْس أن يصوموا. وبالمثل، حين يصعد المسيح إلى السماء، يشعر تلاميذه بضعفهم وحاجتهم، فيلجأون إلى الصوم والزهد والصلاة، فيمنحهم الله معرفةً وروحانية أعمق.

نجد هنا ملاحظة لافتة للنظر وهذا يثير سؤالًا عميقًا: من هو هذا الإنسان الذي يقول إن مجرد حضوره يعلّق الممارسات المعتادة؟ من هو الشخص الذي يستطيع أن يتكلم وكأن وجوده نفسه يغيّر النظام الطبيعي للأمور؟ يشبه الأمر شخصًا يعلن فجأة أن المدرسة كلها يمكنها أن تأخذ عطلة لمجرد وجوده؛ لا أحد يملك مثل هذا السلطان في الظروف العادية.

إن قول المسيح: «ستأتي أيام حين يُرفع العريس عنهم، فحينئذ يصومون» يحمل في طيّاته أمرًا غير مألوف. فالصوم في الشريعة كان ممارسة دينية ثابتة، لا يملك إنسان عادي أن يعلّقها أو يغيّر توقيتها. ومع ذلك يتحدث يسوع كما لو أن حضوره نفسه سبب كافٍ لتعليق القواعد مؤقتًا، وكأن الزمن يُقاس بحضوره وغيابه.

هذه الملاحظة تقود إلى سؤال أعمق: من هو الشخص الذي يتكلم بهذه الطريقة؟ فليس من المعتاد أن يعتبر إنسان حضوره حدثًا استثنائيًا يبدّل ممارسات دينية متجذّرة. وتشبيه نفسه بـ«العريس» يوحي أيضًا بعلاقة خاصة بينه وبين الجماعة، علاقة فرح واحتفال، لا مجرد علاقة معلّم بتلاميذه. ومن هنا يمكن أن نفهم أن كلماته تحمل ضمنًا إعلانًا عن سلطان وهويّة فريدة ، وأن فهم شخصيته لا يقتصر على اعتباره معلّمًا أخلاقيًا أو نبيًا فحسب، لأن حتى الأنبياء لم يكن من صلاحياتهم تغيير أو تعليق ممارسات دينية ثابتة ضاربة في عمق التاريخ الديني.

لقد قدّم يسوع تعاليم، لكنه لم يقدّم تعاليم فقط، بل تكلّم أيضًا بسلطان شخصي يؤكد الوهيته. فكثير من الأنبياء أو المعلّمين كانوا يقولون: «هكذا يقول الله»، أو يشرحون الشريعة، أما هو فكان يتكلم بطريقة تجعل شخصه نفسه محور الحديث. مثال ذلك تشبيه نفسه بالعريس الذي يعلّق الصوم، أو قوله إنه يغفر الخطايا، وغير ذلك من الأمثلة.

إن بعض أقواله تبدو غير منطقية لو كان مجرد إنسان عادي؛ فلو قال إنسان عادي إن وجوده يغيّر الممارسات الدينية أو يضع نفسه في مركز العلاقة مع الله، لاعتُبر كلامه مبالغة أو ادعاءً غير مقبول.

وهكذا فإن كلام المسيح لا يطرح تعاليم أخلاقية فقط، بل يطرح أيضًا سؤال الهويّة. فإذا كان حضوره يغيّر معنى العبادات وأوقاتها، فلا بد أن أتباعه رأوا فيه أكثر من نبي أو حكيم او رجل صالح. لذلك يصبح هذا النص دعوة للدراسة، ليس في الصوم ذاته رغم اهميته، بل في الشخص الذي جعل حضوره معيارًا للفرح والحزن، وللصوم والاحتفال.

ليكون للبركة

Patricia Michael