تابــــــــــع (الجزء الجزء الثاني) من سلسلة مايكل كروجر الجديدة
دراسة وترجمة : Patricia Michael
ماذا تخبرنا المخطوطات المصغّرة عن المسيحية المبكّرة؟
الجزء االثاني بعنوان
القراءة الفردية في المسيحية المبكرة: واقعٌ أعمق مما كنا نعتقده
مايكل ج. كروغر (Michael J. Kruger)
في هذا الجزء الثاني، نتابع ما قدّمه مايكل ج. كروغر في مقالاته البحثية حول المخطوطات المصغّرة (miniature codices) ونستعرض ما يمكن أن تعلمنا إياه هذه المخطوطات عن حركة المسيحية المبكّرة. تهدف هذه السلسلة إلى تقديم دلالات واضحة وعملية للقراء غير المتخصّصين حول ما تكشفه المخطوطات المصغّرة عن الممارسات المسيحية المبكّرة وطبيعة تعامل المسيحيين الأوائل مع النصوص المقدسة، استنادًا إلى كتابه الأخير الصادر عن منشورات جامعة أكسفورد (Oxford University Press) بعنوان Miniature Codices in Early Christianity – المخطوطات المصغّرة في المسيحية المبكّرة.»
يتناول هذا الجزء الثاني جانبًا مهمًا يستوجب تسليط الضوء عليه، وهو ما تكشفه المخطوطات المصغّرة عن طبيعة الممارسات المسيحية المبكّرة. فهذه الشواهد المخطوطية تُظهر أنّ القراءة الخاصة للنصوص المقدسة كانت أكثر شيوعًا مما افترضه الباحثون سابقًا. فعلى الرغم من أنّ غالبية سكان العالم القديم كانوا أميّين، وأنّ النصوص كانت تُقدَّم غالبًا عبر القراءة العلنية في العبادة الجماعية، إلا أنّ وجود هذه المخطوطات الصغيرة — المصمّمة بوضوح للاستخدام الفردي، والمزوّدة بوسائل تساعد القارئ على قراءة النص بسهولة — يشير إلى أنّ فئة غير قليلة من المسيحيين كانت قادرة على القراءة وتمارسها في منازلها. كما تؤكّد دعوات الآباء مثل يوحنا الذهبي الفم وغيره لحثّ المؤمنين على القراءة الفردية، أنّ هذه الممارسة كانت واقعًا حيًّا وليست مجرد توجيهات خطابية.
وبالإضافة إلى ذلك، تُظهر بعض هذه المخطوطات المصغّرة، بما فيها تلك التي تضمّ مجموعات ترانيم، أنّ الاستخدام الشخصي للمواد النصية تجاوز حدود القراءة إلى أداء الترانيم والصلوات الخاصة، مما يشير إلى مستوى أعلى من الكفاءة في التعامل مع النصوص. وبهذا، تُسهم هذه الأدلة في إعادة رسم الصورة التقليدية عن المسيحية الأولى، مبيّنةً أنّها كانت حركة شديدة الارتباط بالنصوص، ليس فقط في سياق العبادة الرسمية عبر القراءة العلنية، بل أيضًا في المجال الفردي. وهذا يؤكّد أنّ المسيحيين الأوائل استحقّوا وصفهم بـ“شعب الكتاب المقدّس”، سواء من خلال الاستماع الجماعي أو القراءة الفردية.
يقول الدكتور مايكل كروجر في مقاله في هذا الجزء الثاني:
كما ذكرتُ في منشور سابق، أنا في خضمّ سلسلة جديدة من خمسة أجزاء أستكشف فيها ما الذي تُعلِّمنا إياه ظاهرة المخطوطات المصغّرة عن الحركة المسيحية الأولى. تهدف هذه السلسلة إلى استخلاص بعض الدلالات العملية للقرّاء العاديين من كتابي الجديد الصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد (Oxford University Press) بعنوان Miniature Codices in Early Christianity (المخطوطات المصغّرة في المسيحية الأولى).
وبعد أن تناولتُ الجزء الأول من السلسلة، ننتقل الآن إلى النقطة الثانية التي تخبرنا بها هذه المخطوطات المصغّرة عن الحركة المسيحية الأولى. إذ تُظهر كيف أنّ المسيحيين الأوائل ربما انخرطوا في القراءة الفردية أكثر مما كنا نتصوّر و نعتقد.
«أنت لا تستطيع القراءة!»
في فيلم روكي 2 (Rocky II) الصادر عام 1979، تمّ تعيين الملاكم الشهير حديثًا روكي بالبوا (Rocky Balboa) — بعد خسارته بفارق بسيط أمام أبولو كريد (Apollo Creed) — لتصوير إعلان تلفزيوني. وخلال تصوير الإعلان ، سرعان ما اتضح أنّه لا يستطيع قراءة البطاقات الإرشادية الأمر الذي ادّى الى استياء المخرج من طول مدة التصوير ،فسخر منه بقسوة قائلًا: «لقد كلّفتنا آلاف الدولارات لأنك لا تستطيع القراءة!»
شعر روكي بالإهانة والإحراج . لماذا؟ لأننا في مجتمعنا الغربي الحديث نعيش في عالم يتقن فيه معظم الناس القراءة. فالقراءة هي القاعدة، والأميّة هي الاستثناء. لا يهم مدى شهرتك أو موهبتك ؛ إذا كنت لا تستطيع القراءة، تشعر وكأنك منبوذ.
لكنّ الأمر لم يكن كذلك في العالم القديم. بل في الواقع، كان روكي حينها سيجد نفسه منسجمًا تمامًا مع الآخرين ويتناسب تماما مع هذا الوضع. فخلال القرنين الأول والثاني، تشير أغلب الدراسات إلى أنّ معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة تراوحت بين 10 و15 بالمئة (مع ملاحظة أنّ مصطلح “الإلمام بالقراءة والكتابة” كلمة مُبهمة ويحمل معاني متباينة واسعة لا مجال للتفصيل فيها هنا). وهذا يعني أنّ ما يقرب من 90% من سكان العالم القديم لم يكونوا قادرين على القراءة.
وكان الأمر نفسه ينطبق على المجتمعات المسيحية الأولى. الغالبية العظمى من المسيحيين لم يكونوا قادرين على القراءة، تمامًا مثل نظرائهم العلمانيين. ولم يكن في ذلك ما يثير الدهشة أو العار، لأنّ الجميع كانوا في الوضع نفسه.
ومع ذلك، كان ثمة فرق واضح: فكما ذكرتُ في المقال السابق، كانت المسيحية كديانة ذات طابع نصّي قوي .منذ بدايتها انخرط المسيحيون الأوائل في دراسة أسفار العهد القديم بعمق ملحوظ، وسرعان ما بدأوا بكتابة مؤلفاتهم الخاصة، بما في ذلك تلك التي ستُعتبر لاحقًا أسفارًا مقدسة بحد ذاتها.
وهذا يثير سؤالًا جوهريًا:
كيف يمكن التوفيق بين حقيقة أنّ المسيحية المبكّرة كانت ديناً قائماً على النصوص، وبين الواقع الذي يقول إنّ أغلبية المسيحيين لم يكونوا قادرين على القراءة؟
دعونا نطرح بعض النقاط التي يجب اخذها بعين الاعتبار والتي قد تساعد في توضيح هذا التناقض الظاهري.
القراءة العلنية
في عصرنا الحديث، إذا أراد أحد أن يعرف مضمون الكتاب المقدس، فكل ما عليه هو أن يتجه إلى رفوف مكتبته، ويسحب نسخته الخاصة من الكتاب المقدس ويبدأ بالقراءة. أو، كما هو شائع اكثر في أيامنا، يفتح تطبيق الكتاب المقدس على هاتفه الذكي ويقرأ. في كلتا الحالتين، فإنّ معظم الناس اليوم يتعاملون مع نص الكتاب المقدّس بشكل شخصي مباشر.
أما في زمن الحركة المسيحية الأولى، فلم يكن الحال كذلك. فآنذاك، كان معظم الناس يتلقّون النصّ الكتابي في سياق علني جماعي — أي في العبادات الكنسية والصلوات الجماعية — حيث تُتلى الأسفار المقدسة بصوت مرتفع، وغالبًا لفترات طويلة جدًا.
مما لا شك فيه ان هذا التقليد كان مبنياً على ممارسات سابقة، منها القراءة العلنية للتوراة في المجامع اليهودية ، وأيضًا ما أوصى به الرسول بولس عندما طلب أن تُقرأ رسائله علناً .
(2 كورنثوس 10 : 9) ؛ (كولوسي 4 : 16) ؛ (1 تسالونيكي 5 : 27 ) ؛ قارن مع (سفر الرؤيا 1 : 3)
ونرى انّ هذا التقليد بقي مستمرًا في زمن يوستينوس الشهيد حيث يُذكر أنّه كان يتم قراءة الأناجيل والعهد القديم جهراً ( 67.3 1Aolo ) . بالاضافة الى ذلك تشير الرسالة الثانية المنسوبة إلى كليمنت إلى القراءة العلنية للأسفار المقدسة(2clem. 19: 1 )، وكذلك مقدّمة عظة مليتو الساردي عن الفصح Melito’s homily On the Passover (Peri Pascha 1)
إذًا، كان معظم المسيحيين يتفاعلون مع النصوص المقدسة عبر القراءة العلنية. لكن هذا الواقع أدى بالبعض إلى استنتاج خاطئ، وهو أنّ المسيحيين لم ينخرطوا أبدًا في القراءة الفردية للنصوص المقدسة.
إلا أنّ وجود المخطوطات المصغّرة (miniature codices) يدحض هذا الاستنتاج.
القراءة الفردية
على الرغم من أنّ ممارسة القراءة الفردية كانت امتيازًا يقتصر على المتعلمين والميسورين، إلاّ أنّه من اللافت أنّ القادة المسيحيين كثيرًا ما كانوا يحثّون المؤمنين على قراءة الأسفار المقدسة في منازلهم.
إنّ تكرار هذه الدعوات يثير التساؤل عمّا إذا كانت نسب الأمية ومعدّلات الإلمام بالقراءة والكتابة بين المسيحيين منخفضة كما نعتقد. فما الجدوى من أن تحثّ جماعتك على القراءة الخاصة إذا كان تسعون بالمئة منهم لا يستطيعون القراءة أصلاً؟
وربما كان يوحنا الذهبي الفم أكثر الآباء تشديدًا على أهمية القراءة الفردية، إذ يقول:
«ليتنا نتناول بأيدينا ذلك القسم من الأناجيل الذي سيُقرأ بينكم في اليوم الأول من الأسبوع، ولنجلس في بيوتنا ونقرأه كاملاً»
(Homilies on John, 11.1).
هنا يتضح التباين الواضح بين القراءة الليتورجية العلنية أثناء الخدمة الكنسية يوم الأحد، والقراءة الخاصة الفردية في المنزل.
وتقدّم مصادر آبائية أخرى دعوات مشابهة للقراءة الفردية ، مثل كليمنضس الإسكندري (Clement of Alexandria)، وهيبوليتس (Hippolytus)، وأوريجانوس (Origen).
يُجمع العلماء على نطاق واسع على أنّ المخطوطات المصغّرة كانت تُمثّل الشكل الأمثل لهذا النوع من القراءة الفردية، إذ كانت خفيفة الوزن، يسهُل حملها، وسهلة القراءة اثناء الجلوس؛ فحجمها الصغير جعلها خيارًا غير مناسب للقُرّاء العلنيين في الاحتفالات الليتورجية حيث يُلقى بها قراءات عامة مطولة، إذ يحتاج القارئ في تلك المناسبات إلى مخطوطات أكبر حجماً لتسهيل الرؤية وتقليل عدد الصفحات المطلوب تقليبها.
ومع ذلك، لا يعني هذا أنّ المخطوطات المصغّرة كانت مجرد رموز زخرفية؛ فالكثير منها احتوى على وسائل مساعدة للقارئ مثل العلامات الصوتية، وعلامات التنفّس، والفواصل الدلالية ممّا يدلّ بوضوح على أنّها صُمّمت بالفعل لتُقرأ.
الترنيم الفردي
أحد الأمور التي فاجأتني أثناء بحثي لكتاب Miniature Codices in Early Christianity هو مدى استخدام المخطوطات المصغّرة في السياقات الليتورجية. فمن بين 62 مخطوطة مصغّرة قمتُ بفهرستها، كان هناك 17 مخطوطة يمكن اعتبارها كتبًا ليتورجية – طقسية من نوع ما.
على سبيل المثال، لدينا أربع مخطوطات يمكن اعتبارها كتب عبادة مصغّرة للخدام، ربما صُممت لتُحمَل أثناء خدمة العبادة بينما يقوم الخادم بأداء المناولة، أو تقديم الصلاة، أو ربما حتى إلقاء العظة.
بالإضافة إلى ذلك، هناك تسع مخطوطات من كتب الترانيم المصغّرة ، وهي ثاني أكثر نوع أدبي تمثيلًا بعد نصوص الأناجيل، ومن المحتمل أن هذه الكتب قد استخدمها الخدام خلال العبادة الجماعية، كما قد يكون استخدمها العلمانيون في منازلهم للقراءة الفردية. ويبدو أن بعض هذه الكتب لم يكن إنتاجًا احترافيًا، مما يشير إلى أنها ربما صُممت للاستخدام الشخصي.
وهذا يثير تساؤلات مهمة حول عدد المصلّين في خدمة عبادة نموذجية الذين كانوا يمتلكون كتب ترانيم مصغّرة كهذه، وهل كانوا يجلبون كتبهم الخاصة معهم، أم كانت تُوفّر لهم؟ومجددًا، رغم انّ معظم الأفراد لم يكونوا ملمّين بالقراءة، يبدو أن بعضهم كان قادرًا على ذلك.
علاوة على ذلك، فإنّ كتب الترانيم تتطلب قُرّاء متمكنين للغاية، إذ لا يمكن قراءتها ببطء، بل يجب ان تُقرأ بسرعة مناسبة تُمكّن القارئ أو المرنّم من مواكبة الفواصل الإيقاعية والمقطعية .
شعب الكتاب المقدس
وهنا تكمن النقطة المهمة:
حتى وإن كان معظم المسيحيين الأوائل أميين، فإنّ هذا لا يعني أنّ المسيحية لم تكن ثقافة نصيّة .فبينما تلقّى أغلبهم النصوص المقدسة من خلال القراءة العلنية العامة ، يبدو أنّ عددًا ملحوظاً منهم أيضًا كان ينخرط في القراءة الفردية ويتعامل مع النص بشكل شخصي.
وبالنظر إلى أدلة المخطوطات المصغّرة، هناك ما يدعونا للاعتقاد بأنّ القراءة الفردية كانت أكثر انتشارًا مما كنا نعتقد سابقًا.
مع انّ هذا قد لا يغير بالضرورة من تقييمنا لمعدلات معرفة القراءة والكتابة بين المسيحيين الأوائل، الاّ انه يُظهر من جديد مدى ارتباطهم الوثيق بكتبهم المقدسة والتزامهم بها،سواء استمعوا الى كتبهم علانية أو قرأوها بشكل فردي،كان المسيحيون الأوائل بوضوح "شعب الكتاب المقدس".
ليكون للبركة
Patricia Michael
What Do Miniature Codices Tell Us About Early Christianity? #2
Christians Engaged in Private Reading More Than We Thought
Michael J. Kruger