الجزء الأول من سلسلة مايكل كروجر الجديدة :
ماذا تخبرنا المخطوطات المصغّرة عن المسيحية المبكّرة؟
دراسة وترجمة : Patricia Michael
+++++++++
الجزء الاول بعنوان:
المسيحيون الأوائل امتلكوا ثقافة نصية راسخة
مايكل ج. كروغر (Michael J. Kruger)
في هذا الجزء الأول، نستعرض ما قدّمه مايكل ج. كروغر في مقالاته البحثية حول المخطوطات المصغّرة (miniature codices) ونبيّن ما يمكن أن تكشفه هذه المخطوطات عن الحركة المسيحية المبكّرة. تهدف هذه السلسلة إلى تقديم دلالات واضحة وعملية للقراء غير المتخصّصين حول ما تكشفه المخطوطات المصغّرة عن الممارسات المسيحية المبكّرة وطبيعة تعامل المسيحيين الأوائل مع النصوص المقدسة، استنادًا إلى كتابه الأخير الصادر عن منشورات جامعة أكسفورد (Oxford University Press) بعنوان Miniature Codices in Early Christianity – المخطوطات المصغّرة في المسيحية المبكّرة.»
يتناول هذا الجزء الأول ما تبرزه لمخطوطات المصغّرة عن الثقافة النصية للمسيحيين الأوائل، ويهدف أيضًا إلى تصحيح بعض التصورات السابقة التي اعتبرت المسيحية المبكرة ثقافة شفوية فقط. ويشير المقال إلى أن المسيحية المبكرة امتلكت بنية نصية راسخة ومنتشرة، مع أساليب نسخ متطورة، مثل استخدام nomina sacra والكودكس، وظهرت هذه المخطوطات منذ القرن الثاني الميلادي، وانتشرت بشكل أكبر في القرنين الرابع والخامس.
كما يوضّح المقال كيف أن هذه المخطوطات المصغّرة لم تكن مجرد أدوات للقراءة العامة، بل منحَت المؤمنين القدرة على التفاعل الشخصي والمباشر مع نصوصهم المقدسة في حياتهم اليومية، وهو ما يبرز التزامهم العميق بالأسفار المسيحية ويُظهر الجانب العملي والثقافي للمسيحية المبكرة.
ويستعرض المقال مثالًا حقيقيًا عن يوبلس (Euplus)، الشمّاس الذي استشهد وهو يحمل مخطوطة مصغّرة حول عنقه، لتوضيح العلاقة الحميمية التي كانت تربط المسيحيين الأوائل بكتبهم المقدسة، مما يجعل المخطوطات المصغّرة دليلًا على الهوية المسيحية والارتباط الشخصي بالنصوص.
يقول الدكتور مايكل كروجر في مقاله في هذا الجزء الاول:
كما ذكرتُ في المقدّمة، أبدأ هنا سلسلةً جديدةً من خمسة أجزاء أستعرض فيها ما الذي يمكن أن تُعلِّمنا إيّاه المخطوطات المصغّرة (miniature codices) عن حركة المسيحية المبكّرة. وتهدف هذه السلسلة إلى استخلاص بعض النتائج العملية للقرّاء غير المتخصّصين، وذلك استنادًا إلى كتابي الجديد الصادر عن منشورات Oxford University Press بعنوان Miniature Codices in Early Christianity («المخطوطات المصغّرة في المسيحية المبكّرة»).
وللتذكير، لا سيما إن كنتَ تنضمّ إلى السلسلة حديثًا، فالمخطوطات المُصغّرة هي في الأساس كتب صغيرة للغاية، أشبه بما يمكن تسميته «أناجيل جيبية». ففي وقت مبكّر يعود إلى القرن الثاني الميلادي، وبصورةٍ أوضح في القرنين الرابع والخامس، بدأ المسيحيون بإنشاء هذه المخطوطات الصغيرة التي احتوت على أجزاء من الأسفار المقدّسة (وكذلك على كتابات غير قانونية)، وأحيانًا ضمَّت كتبًا متعددة.
إذًا ما هو أوّل ما تخبرنا به هذه المخطوطات المصغّرة عن الحركة المسيحية المبكّرة؟
تُبيّن هذه الكتب المصغّرة (tiny books) أن المسيحية المبكّرة امتلكت ثقافة نصية راسخة ومتقنة. دعوني أشرح.
هل كانت مجرد ثقافة شفوية؟
خلال القرن الماضي، هيمن على دراسات العهد الجديد نموذجٌ تفسيريٌّ محدد يهدف إلى شرح الطريقة التي نقل بها المسيحيون الأوائل رواياتهم عن يسوع، وهو النموذج المعروف باسم النقد الشكلي (Form Criticism).
ورغم أن هذا المنهج صحيح قطعاً في انّ روايات يسوع نُقلت شفهيًا على الأقل في مراحلها الأولى، إلا أن بعض روّاده ذهبوا الى أبعد من ذلك. ففي أشكاله الأكثر تشدّدًا، استُخدم هذا النموذج ليزعم أن المسيحية المبكّرة كانت دينًا شفهيًا في الغالب، إن لم يكن حصريًا، وأنها كانت غير مبالية في تقدير الوثائق المكتوبة.
ونتيجةً لهذا التصوّر، قدّم بعض الباحثين انطباعاً سلبيًا للكتابة في تاريخ المسيحية المبكّرة. فصارت الكتابة تُحمَّل مسؤولية كثير من "الآفات الاجتماعية" التي أصابت المسيحية لاحقًا. إذ يُقال إنها جعلت المسيحية "مركزية" و"هرمية"، بل واعتُبرت سلاحًا للقمع استُخدم لتهميش الاقليات. وقد صُوّرت الكتابة– وفق هذا الاتجاه – على انها كانت سببًا في قمع النساء، والتمييز ضد الفقراء، وإقصاء غير المتعلّمين.
وباختصار، جرى تصوير الكتابة على أنها عنصر أفسد الدين المسيحي.
انعطاف التيّار
لكن، رغم تأثير النقد الشكلي وهيمنته، فقد تحوّل التيّار في العقود الأخيرة. إذ شهدت الدراسات اهتمامًا متجدّدًا بالمخطوطات كأدوات نصية، وبدأ العلماء يعترفون من جديد بالطابع 'الكتابي' (bookish) الذي ميّز المسيحية المبكّرة.
نعم، كان المسيحيون عادةً ما يتفاعلون مع نصوصهم من خلال القراءة الجهرية العامة ويعود ذلك أساسا الى انخفاض معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، غير أن العلماء أكّدوا أنه يمكن مع ذلك اعتبارهم أصحاب ثقافة نصيّة. فقلة الإلمام بالقراءة والكتابة لا يعني بالضرورة غياب فهمهم أو استخدامهم للنصوص.
ويظهر مدى هذا التطوّر النصيّ في البنية النسخية المتطورة نسبياً التي ميّزت المسيحيين الأوائل، وهو ما تجلّى في الاستخدام المبكر لكلٍّ من "الأسماء المقدسة" (nomina sacra) والكودكس (codex).
كما تلاحظ الباحثة لوفداي ألكسندر (Loveday Alexander) قائلة:
"من الواضح أننا نتعامل مع جماعة [أي المسيحيين الأوائل] استخدمت الكتب بكثافة وبأسلوب مهني منذ وقت مبكر من وجودها. وتشير الأدلة المستقاة من البرديات منذ القرن الثاني فصاعدًا إلى تطوّر مبكر لتقنية كتابية متقدمة ومتميّزة".
(“Ancient Christian Book Production,” 85).
لكن دليلنا على وجود ثقافة "كتابية" متطورة يتجاوز هذا، ويتجلى بشكل خاص في ظاهرة المخطوطات المصغّرة.
الأمر كلّه يتعلّق بالكتب
على الرغم من صغر حجم المخطوطات المصغّرة– إذ أُعرّفها بأنها أقل من 12 سم عرضًا – إلا أنها كانت تعدّ إنتاجاً أدبياً متقناً للغاية. فقد احتوت على عدد هائل من الصفحات (قد تصل إلى نحو 500 صفحة في بعض الحالات)، واستعملت نطاقًا واسعًا من الأساليب الكتابية ، وكثيراً ما كُتبت بأيدٍ محترفة متمرّسة، واستُخدمت فيها الألوان، وحتّى أحيانًا استخدمت نظام العمودين في الصفحة الواحدة!
حصر مثل هذه الميزات في احجام مصغّرة يُعدّ أمرًا صعب التنفيذ حتى باستخدام أدوات وتقنيات حديثة، ومع ذلك، فقد أنجزه المسيحيون الأوائل قبل قرون من توفر تلك التقنيات.
لكن المسألة أعمق من مجرد مهارة تقنية. فمجرد وجود مثل هذه الكتب الصغيرة هو تذكير بأن بعض المسيحيين – ربما أكثر مما كنّا نظن – قد عبّروا عن ثقافتهم النصية، ولا سيما التزامهم بالأسفار المسيحية المقدسة، بطريقة شخصية وخاصة.
فبدلاً من مجرد مشاهدة المخطوطات الكبيرة المخصّصة للقراءة العامة من بعيد، صار بوسع المسيحيين أن يحملوا كتبهم المقدسة بأيديهم، وأن يضعوها في كيس صغير، أو يعلّقوها حول أعناقهم، أو يصطحبوها في سفرهم. بل قد ينامون وهي بجانبهم، أو يعلّقونها بجانب السرير ليلاً .
ولأول مرة، صار بإمكان المؤمن الفرد أن يكون مرتبطًا ارتباطًا حميمًا بكتبه المقدسة ويحملها معه في حياته اليومية.
الموت مع الأسفار المقدسة
يمكن تلخيص الدور الذي تلعبه المخطوطات المصغّرة في تسليط الضوء على فهمنا لثقافة النصوص المسيحية المبكّرة في قصة يوبلُس (Euplus)، الشمّاس المسيحي الذي استشهِد في كاتانيا (Catania) سنة 304 م على يد الحاكم كالفسيانوس (Calvisianus).
ورغم أن هذه الحادثة قد تبدو مجرد قصة استشهاد أخرى، فإن ما يميّزها أنه قيل لنا أنه استشهد وهو يحمل حول عنقه كتاب إنجيل، وكان واضحًا أنه مخطوطة مصغّرة."
بالنسبة إلى يوبُلس فان المخطوطة المصغّرة كانت دليلاً على أنه مسيحي، ورمزًا لهويّته. وقد أعلن قبل موته قائلًا:
«أنا مسيحي، وأقرأ الأسفار الإلهية».
لقد كانت المخطوطة المصغّرة وسيلة أخرى، بل ربما أفضل وسيلة، تُمكّن المسيحيين الأوائل من أن يكونوا في كل حين مرتبطين بكتبهم المقدسة.
ولا يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر "كتابية" من ذلك.
ليكون للبركة
Patricia Michael
What Do Miniature Codices Tell Us About Early Christianity? #1
Early Christians Had a Robust Textual Culture
Michael J. Kruger