تابــــــــــع (الجزء الخامس والأخير) من سلسلة مايكل كروجر الجديدة
دراسة وترجمة : Patricia Michael
ماذا تخبرنا المخطوطات المصغّرة عن المسيحية المبكّرة؟
 
الجزء الخامس بعنوان:
"كتب المسيحيين الأوائل لم تكن حكرًا على فئة النخبة"
مايكل ج. كروغر (Michael J. Kruger)
 
يتناول الدكتور كروجر في هذا الجزء الخامس فكرة ان شكل الكتاب نفسه يحمل بعداً اجتماعيًا وثقافيًا، إذ كانت الكتب في العالم القديم ترتبط في الغالب بالنخبة المتعلمة وتُعد رمزًا للمكانة الاجتماعية، بل إن تصميمها لم يكن يهدف دائمًا إلى تسهيل القراءة بقدر ما كان يعكس الهيبة والتميز الثقافي. وفي هذا السياق يوضح الكاتب أن المسيحيين الأوائل اتخذوا مسارًا مختلفًا حين اختاروا استخدام صيغة الكودكس، وهو شكل أكثر عملية ويساعد على القراءة، مما يدل على اهتمامهم بجعل النصوص في متناول عدد أكبر من الناس بدلًا من قصرها على فئة محدودة.
ويؤكد هذا الاتجاه ظهور المخطوطات الصغيرة، التي كانت رخيصة وسهلة الحمل، واستُخدمت بين فئات متنوعة، بما في ذلك النساء والأطفال، الأمر الذي يشير إلى أن النصوص الدينية لم تكن حكرًا على العلماء أو الأغنياء. ومن خلال ذلك يبرز الكاتب أن المسيحية في بداياتها تميّزت بطابع اجتماعي أكثر شمولًا، وسعت إلى نشر تعاليمها وإتاحة كتبها لجميع فئات المجتمع، لا للطبقات المتعلمة أو الثرية وحدها.
 
يقول مايكل كروغر في مقاله:
على مدى الأشهر القليلة الماضية، كنتُ أعمل على سلسلة من خمسة أجزاء أستكشف فيها ما الذي تُعلِّمنا إياه ظاهرة المخطوطات الصغيرة (Miniature Codices) عن الحركة المسيحية المبكرة. وتهدف هذه السلسلة إلى استخلاص بعض النتائج العملية (للقارئ غير المتخصص) من كتابي الأخير الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد بعنوان المخطوطات الصغيرة في المسيحية المبكرة.
 
وبعد تناول الأجزاء الأول والثاني والثالث والرابع ، نصل إلى الجزء الخامس والأخير من السلسلة، الذي يُبيّن من خلال هذه المخطوطات الصغيرة أن المسيحيين الأوائل لم يقيدوا تداول كتبهم في صفوف النخبة.
 
ثقافة القراءة في صفوف النخبة
حتى في العالم اليوناني-الروماني الأوسع، كان مجرد وجود الكتب قادرًا على إيصال رسالة، حتى لأولئك الذين لم يكونوا قادرين على قراءتها. وكان هذا الأمر صحيحًا بشكل خاص بين النخبة المتعلمة في أوائل الإمبراطورية الرومانية. ففي هذه الثقافات الخاصة بالنخبة، لم تكن الكتب مجرد أشياء تُقرأ فحسب، بل كانت — كما يجادل ويليام جونسون William Johnson — «أقرب إلى قطعة فنية منها إلى كتاب».
وكان الكتاب في العصور القديمة إنتاجًا أنيقًا، غالبًا ما يفتقر إلى وسائل مساعدة القارئ مثل علامات الترقيم أو المسافات بين الكلمات. لم يكن الهدف من تصميمه تسهيل عملية القراءة؛ بل كان الهدف أن يُرى ويُعرض.
ولم يكن من السهل تجاهل الدلالة الرمزية لمثل هذه الكتب. فقد كانت مؤشرًا على الثقافة الراقية والمتعلمة لأولئك الذين يمتلكون الكتب ولمن يشارك في ثقافات القراءة المحيطة بها. وحتى إذا لم يستطع المرء فهم محتوى الكتاب، كان وجوده علامة على الانتماء إلى طبقة عالية ومتعلمة من المجتمع. وبعبارة أخرى، كان الكتاب رمزًا لهوية الفرد الثقافية النخبوية.
 
ثقافة القراءة لدى المسيحيين الأوائل
على الرغم من أن المسيحية نشأت في هذا العالم اليوناني-الروماني نفسه، إلا أن ثقافة القراءة لديها كانت مختلفة تمامًا. فمن جهة، اعتمد المسيحيون الأوائل استخدام المخطوط المجلد (Codex) بدلًا من اللفائف الكلاسيكية التقليدية. وكان هذا خطوة مذهلة، بالنظر إلى أن جميع التأثيرات الأدبية المحيطة بالمسيحية المبكرة كانت تفضّل استخدام اللفافة. ويشير ذلك إلى أن اختيار المخطوط المجلد (Codex) لم يكن عشوائيًا، بل كان قرارًا متعمّدًا ومقصودًا من قبل المسيحيين.
 
ومن الجدير بالذكر أن المخطوط المجلد (Codex) لم يكن عادةً مرتبطًا بالنصوص الأدبية، بل كان يُنظر إليه كصيغة عملية يومية، ويُستخدم في الأعمال اليومية. ولذلك، فإنه يعكس مجموعة مختلفة من القيم والاهتمامات. ويتضح هذا بشكل خاص من خلال كون المخطوطات المجلدة المسيحية توفر وسائل مساعدة للقراءة، مثل علامات الترقيم وتقسيم الكلمات، أكثر بكثير مما توفره اللفائف اليونانية-الرومانية، التي كانت تشتهر بعدم وجود مثل هذه الميزات. فقد كانت الكتب في تلك الثقافة أقل اهتمامًا بأن تُقرأ فعليًا، وأكثر اهتمامًا بأن تُعرض وتُرى.
فماذا تخبرنا المخطوطات المسيحية عن ثقافة القراءة لدى المسيحيين؟ يرى لاري هورتادو (Larry Hurtado) أن هذه المخطوطات «تعكس اهتمامًا بجعل النصوص في متناول شريحة أوسع من القراء بغض النظر عن مستوى تعليمهم أو مهارتهم في القراءة… وتعكس الطبيعة الاجتماعية الأكثر تنوعًا وشمولًا للجماعات المسيحية المبكرة المعتادة».
 
ولم تكن المجتمعات المسيحية المبكرة متجانسة، بل كانت مزيجًا واضحًا من حيث الوضع الاجتماعي والجنس والتعليم. وكانت صيغة المخطوط المجلد (Codex)، بروحها العملية واهتمامها بإتاحة النصوص وسهولة القراءة، اختيارًا ملائمًا للتركيبة المميزة لهذه المجتمعات المسيحية المبكرة.
 
المخطوط الصغير المجلّد (Miniature Codex)
إذا كان المخطوط المجلد (Codex) يُعدّ علامة هوية تعكس قيم المجتمعات المسيحية المبكرة، فماذا يمكن أن نستنتج عن المخطوط الصغير المجلّد (Miniature Codex) ودوره في هذه الثقافة؟
إحدى سمات المخطوط الصغير المجلّد أنه كان غالبًا يُعلق حول عنق النساء والأطفال. وبالطبع، لم يقتصر هذا على النساء والأطفال فقط، بل كان بعض الوزراء والشمامسة والرهبان يفعلون الشيء نفسه. ومع ذلك، كان آباء الكنيسة يعلقون بانتظام على كون النساء والأطفال معروفين بشكل خاص بممارسة هذا التقليد. ولا شك أن جزءًا من السبب يعود إلى أن المخطوط الصغير كان أصغر حجمًا ومنخفض التكلفة نسبياً، مما جعله في متناول أيديهم.
وبالتالي، جعل المخطوط الصغير المجّلد ،الكتاب المسيحي ، في متناول جميع طبقات الناس. ومن هنا يبرز بطريقة مميزة كيف أن المجتمعات المسيحية المبكرة تجاوزت الحدود الاجتماعية المعتادة في العالم اليوناني-الروماني. فقد كانت ديانة للغني والفقير، للرجل والمرأة، للعبد والحر. وبعبارة أخرى، لم تكن المسيحية تميّز على أساس الجنس أو الطبقة الاجتماعية.
ورغم أن هذا يُنظر إليه إيجابيًا داخل المسيحية، فإن منتقديها رأوا فيه أمرًا سلبيًا. ففي هذا السياق، يسخر كلسوس (Celsus) من المسيحية لهذا السبب تحديدًا، قائلاً: «[يظهر المسيحيون] أنهم يريدون ويستطيعون إقناع الحمقى وغير الشرفاء والجهلاء فقط، أي العبيد والنساء والأطفال الصغار».
وخلاصة القول، إن المخطوط الصغير يُعد رمزًا مهمًا لإحدى القيم الأساسية في المسيحية، وهي أن كلمة الله موجهة لجميع الناس، ولذلك ينبغي أن تكون متاحة للجميع. كانت المسيحية حقًا ديانة الكتاب، ولكن من خلال المخطوط الصغير، وجد المسيحيون الأوائل طرقًا لضمان أن أكبر عدد ممكن من الناس يمكنهم التعرف على هذا الكتاب والانتماء إليه.
 
ليكون للبركة
Patricia Michael
 
What Do Miniature Codices Tell Us About Early Christianity? #5
Early Christians Did Not Restrict Their Books to the Elite
Michael J. Kruger