تابــــــــــع (الجزء الثالث) من سلسلة مايكل كروجر الجديدة :

ماذا تخبرنا المخطوطات المصغّرة عن المسيحية المبكّرة؟

دراسة وترجمة : Patricia Michael

+++++++++

الجزء الثالث بعنوان

"المسافرون المسيحيون الاوائل ودورهم في نشر النصوص المقدسة"

مايكل ج. كروغر (Michael J. Kruger)

في هذا الجزء الثالث، نتابع ما قدّمه مايكل ج. كروغر في مقالاته البحثية حول المخطوطات المصغّرة (miniature codices)، ونستعرض ما يمكن أن تكشفه هذه المخطوطات عن حركة المسيحية المبكّرة. تهدف هذه السلسلة إلى تقديم دلالات واضحة وعملية للقرّاء غير المتخصّصين حول ما تعبّر عنه المخطوطات المصغّرة بشأن الممارسات المسيحية الأولى وطبيعة تعامل المسيحيين الأوائل مع النصوص المقدسة، وذلك استنادًا إلى كتابه الصادر حديثًا عن منشورات جامعة أكسفورد (Oxford University Press) بعنوان Miniature Codices in Early Christianity.

يتناول كروغر في هذا الجزء الثالث فكرة محورية مفادها أنّ هذه المخطوطات المصغّرة تفتح نافذة مهمّة على هويّة الكنيسة الأولى؛ إذ تشير إلى أنّ المسيحيين الأوائل كانوا جماعة كثيرة التنقّل. ويوضّح كروغر، من خلال تشبيه رمزيّ استقاه من فيلم Moana، أنّ استعادة الممارسات الأولى تُسهم في فهم الهوية، تمامًا كما يساعد فهم الماضي على رسم ملامح الذات.

ويبيّن كروغر أنّ الإرساليات المسيحية في القرون الأولى – كما يوثّقها سفر أعمال الرسل والدراسات الحديثة مثل كتاب رودني ستارك( Rodney Stark) – اعتمدت على شبكات سفر مكثّفة، إذ كان الرسل والمعلّمون ينتقلون بين المدن لنشر الإيمان. ويستشهد برحلات شخصيات بارزة مثل بولس وبطرس وبريسكلا وأكيلا، وكذلك بأسفار أوريجانوس الذي طاف مدنًا عديدة في الشرق والغرب.

ولا يقتصر السفر على النشاط التبشيري فحسب، بل يشمل أيضًا نقل النصوص المسيحية نفسها. فقد كانت رسائل بولس وسائر الوثائق الكنسية تُحمَل على أيدي أشخاص يجتازون مسافات طويلة. وهنا تتبيّن أهمية المخطوطات المصغّرة: كتب صغيرة، خفيفة، يسهل حملها، وتناسب طبيعة المسافرين. وتشهد الأدبيات القديمة مثل (Martial )و (Libanius) على استخدام مثل هذه الأحجام منذ القرن الأول، إلى جانب الشواهد الرهبانية اللاحقة.

ويخلص كروغر إلى أنّ التنقّل ليس طارئًا على المسيحية، بل عنصر أصيل في هويتها التاريخية؛ إذ اتّسمت الكنيسة الأولى بطابع حركيّ حيّ، امتدّ عبر السفر والتواصل وتبادل الوثائق المقدّسة. ومن ثمّ، فإنّ استعادة هذا البعد التاريخي تذكير بأن المسيحية، بطبيعتها، رسالة حيّة تتحرك وتخرج إلى العالم، لا إيمانًا منعزلاً منغلقًا على ذاته.

 يقول مايكل كروغر في مقاله:

كما ذكرتُ في منشور سابق، أنا بصدد إعداد سلسلة جديدة من خمسة أجزاء تتناول ما تكشفه لنا ظاهرة المخطوطات المصغّرة عن طبيعة الحركة المسيحية في بداياتها. وقد صُمِّمت هذه السلسلة لتقديم دلالات عملية واضحة للقراء غير المتخصّصين، بالاستناد إلى كتابي الجديد الصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد بعنوان المخطوطات المصغّرة في المسيحية المبكّرة.

وبعد أن استعرضنا الجزأين الأول والثاني في مقالات سابقة، ننتقل الآن إلى الجزء الثالث، الذي تُبرزه المخطوطات المصغّرة بشأن المسيحية الأولى، إذ تُظهر هذه المخطوطات أن المسيحيين الأوائل كانوا يعيشون نمطًا من الحركة المستمرة، وكان السفر جزءًا طبيعيًا من حياتهم، وغالبًا ما كانوا يصطحبون معهم كتبهم أثناء تنقّلاتهم.

كنا جماعة متنقلة

يحكي فيلم ديزني الشهير موآنا (Moana) ,قصة فتاة صغيرة تعيش في جزيرة بولينيزية (Polynesian island)، وهي ابنة زعيم. ومثل العديد من الآباء، يُفرط الزعيم في حماية ابنته، وكذلك حماية شعبه. نتيجةً لذلك، يعيش أهل قرية موآنا حالةً من الركود، حيث يفتقرون إلى الإلهام، ومنغمسون في ثقافتهم، وغير متأكدين من غايتهم أو مصيرهم.تشعر موآنا بالقلق نفسه، حيث يبرز الفيلم صراعها في اكتشاف هويتها ورسالتها.

ولكن هنا يكمن السر؛ فبينما تشعر بالفضول تجاه مستقبلها، تأتيها المفاجأة عندما تبدأ بالتفكير في الماضي؛ ففي إحدى الليالي، تكتشف كهوفًا خفية تحتوي على أسطول من القوارب المنسية، لتدرك أن أهلها لم يكونوا شعبًا جامدًا، بل كانوا شعبًا متنقّلًا يسعى دائمًا إلى التقدم. فتدرك فجأة: "لقد كانوا شعبًا متنقّلًا!" ويصبح هذا الإدراك مفتاح هويتها. لم يكن أهلها في الأصل شعبًا جامدًا، منغمسًا في ثقافته ومُقيّدًا بوطنه، بل كانوا أناسًا في حركة دائمة؛ كانوا مسافرين يسعون دائمًا إلى التقدم لا إلى الوراء.

ويتابع دكتور كروجر ويقول:

عندما شاهدتُ هذا الفيلم لأول مرة مع ابنتي قبل عدة سنوات، أذهلني مدى تجسيد موآنا للحركة المسيحية المبكرة. (نعم، حتى عندما مشاهدة أفلام ديزني،يظل عقلي يمارس التفكير الأكاديمي! ).

أثناء دراستي للحركة المسيحية المبكرة، اكتشفت هذا مجددًا. فقد كان أمرًا أعرفه جزئيًا، لكنني كنت قد أغفلته إلى حدّ ما. وأثناء اطّلاعي على المصادر المسيحية المبكّرة، أدركت امراً يشبه إدراك موآنا: «لقد كنا شعوبًا متنقّلة!»

بعبارة أخرى، كانت إحدى السمات الرئيسية للحركة المسيحية المبكّرة هي أنهم كانوا شعباً يسافر ويتنقل على نطاق واسع.

مسافرون مصطحبون كتبهم

بالطبع، فقد تم توثيق الجهود التبشيرية البارزة والتوسُّع السريع للحركة المسيحية في القرون الأولى جيدًا (انظر: Rodney Stark، The Rise of Christianity). في الواقع، يمكن وصف الحركة المسيحية الجديدة بأنها حركة تميَّز أتباعها بأسلوب حياة متنقل، إذ سعى المؤمنون إلى تبشير العالم من حولهم.

تُوثّق دراسة هارناك الكلاسيكية (Harnack’s classic study)، التي لا داعي لتكرارها هنا، عددًا كبيرًا من القادة والمعلمين المسيحيين الأوائل المعروفين بأسفارهم الكثيرة. ويشمل ذلك بالطبع أفرادًا من القرن الأول مثل بولس وبطرس وبريسكلا وأكيلا، وغيرهم الكثير، كما هو موثّق في سفر أعمال الرسل وما بعده، حيث كانوا مسافرين مصطحبين كتبهم.

الى جانب ذلك يسلّط هارناك الضوء أيضًا على الأسفار الكثيرة لقادة مسيحيين لاحقين مثل جوستين، وهيجيسيبوس، ويوليوس أفريكانوس، وخاصةً أوريجانوس؛ فقد سافر أوريجانوس إلى صيدا، وصور، وبُصرى، وأنطاكية، وقيصرية، ونيقوميديا، وأثينا، ونيكوبوليس، وروما، وعدد من المدن الأخرى (زار بعضها أكثر من مرة) ، مما يعكس مدى ارتباط النشاط المسيحي المبكّر بالسفر المستمر ونقل الرسائل والنصوص بين الجماعات.

وقد أُتيحت هذه الرحلات بفضل التقدم الذي أحرزته الطرق الرومانية في القرن الأول، مع أن الرحلات كانت لا تزال بطيئة وخطيرة في كثير من الأحيان.

ولكن لم يقتصر سفر المسيحيين على العمل التبشيري فحسب، بل كان السفر وسيلتهم لنشر الكتابات المسيحية في العالم القديم. لم يكن ما ينشره هؤلاء المعلمون المبشّرون مجرد رسائل عامة، بل نصوصًا مسيحية على وجه الخصوص. حتى في القرن الأول، نرى أن المسيحيين الأوائل كان لديهم شبكة منظمة بشكل رائع لتوزيع كتاباتهم. على سبيل المثال، كثيرًا ما يذكر بولس أسماء حاملي الرسائل الذين كانوا يضطرون في كثير من الأحيان إلى السفر لمسافات طويلة لتوصيل رسائله.

كتب صغيرة ملائمة للحمل أثناء السفر

في حين أن المسيحيين كانوا يسافرون بلا شك حاملين كتبًا بأحجام مختلفة - ولا تشير الروايات المذكورة أعلاه إلى حجم هذه الكتب - إلا أن الكتب الصغيرة والقابلة للحمل كانت جذابة بشكل خاص لأولئك الذين انخرطوا في مثل هذه الأنشطة.

ونجد بالفعل إشارة مبكّرة إلى هذا الغرض من الكتب المصغّرة في القرن الأول، حين يوضح الشاعر الروماني (Martial) أنّ كتبه اتخذت هذا الحجم الضئيل لتلبية احتياجات "مَن يرغبون أن تصحبهم كتبي الصغيرة أينما كانوا، وأن يأنسوا برفقتها في رحلة طويلة" (Epigrams 1.2).

وبالمثل، يشير الخطيب ليبانيوس (Libanius) في القرن الرابع إلى نسخة من ثوسيديديس (Thucydides) مكتوبة بأحرف صغيرة، بحيث يستطيع حملها بسهولة في أسفاره، حاملاً إياها بنفسه بدلاً من أن يكلّف خادمه بذلك (Oratio 1.148).

كما تتحدث الوثيقة الرهبانية من القرن السادس، Regula Magistri (تعليمات المعلم)، عن رهبان يحملون في رحلاتهم الطويلة "مخطوطة صغيرة متواضعة الحجم" (codicillum modicum). ويمكن إضافة أمثلة أخرى على ذلك.

هويتنا الجوهرية

من أهم جوانب هويتنا المسيحية التاريخية أننا شعب متنقل. لسنا جماعة منغلقة او محصورة في منازلنا لحماية أنفسنا ، بل نحن مدعوون لأن نكون في حركة دائمة، إن صح التعبير، باحثين دائمًا عن سُبل نشر الملكوت وتقدّمه، قد يعني هذا للبعض السفر آلاف الأميال إلى بلاد بعيدة، بينما قد يعني للبعض الآخر مجرد السير في الشارع، باحثين عن وسيلة للتواصل مع جيراننا من اجل خدمة قضية المسيح.

ولهذا، عندما كان المسيحيون يفعلون هذا، كانوا غالبًا يحملون معهم كتبًا. وكانت هذه الكتب في الأغلب صغيرة الحجم ومناسبة للحمل، على نحو يشبه المخطوطات المصغّرة.

وهكذا، إن أردتم استعادة هويتكم كمؤمنين، فلا تفكروا في المستقبل فقط، بل انظروا إلى الماضي وتذكروا ما كان المسيحيون دائمًا عليه: «لقد كنا شعوبًا متنقّلة!» نحن مسافرون. وبناءً عليه، اقبلوا دعوة بولس كما وردت في رسالته إلى أهل كورنثوس (2 كورنثوس 8: 19)، إذ يدعو المؤمنين إلى المشاركة في «هذا العمل من النعمة» قائلاً: «سافروا معنا ونحن نتمّم هذا العمل من النعمة الذي يُقام على أيدينا لمجد الرب».

ليكون للبركة

Patricia Michael


What Do Miniature Codices Tell Us About Early Christianity? #3
Early Christians Were Travelers
Michael J. Kruger