حُجج ثيؤفيلوس الأنطاكي القوية في مواجهة إنكار أوتوليكوس للقيامة
Patiricia Michael
في رده على على انكار اوتوليكوس لعقيدة القيامة يقول ثيؤفيلوس الانطاكي:
[لكن بالنسبة لانكارك ان الموتى يقومون; لانك ربما تقول: "أرني ولو شخصا واحدا أُقيم من الاموات ، حتى عندما أرى أؤمن". في المقام الأول، ما عسى ان تكون اهمية ايمانك بعد ان ترى الحدث؟ثانيا، انت بالفعل تؤمن ان هيراكليس الذي أحرق نفسه حي، وان اسكلابيوس الذي صُعق بالبرق ، أُقيم. ثم بعد ذلك لا تصدّق ما قاله لك الله؟ وحتى لو رأيت انسانا مات وأُقيم حياً فربما لا تصدّق ايضاً .
لقد اعطاك الله اشارات كثيرة لتؤمن به, اذا اردت، تأمل اكتمال المواسم والأيام والليالي، وكيف تموت ثم تقوم ثانية. وماذا عن اقامة البذور والثمار التي تحدث لمصلحة البشر؟ ربما يذكر احدكم ان حبّة قمح او احدى البذور الاخرى عندما تلقى في التربة تموت اولا وتهلك ثم تُقام وتصبح سنبلة.اليست طبيعة الشجر والثمار تثمر ثمرات موسمية بأمر الله، مما هو غامص وغير منظور؟ بالاضافة الى ذلك أحيانا يبتلع عصفوراً، أو احد الطيور الاخرى، حبّة تفاح او تيناً او شيئا آخر، ثم يذهب الى تل صخري او مقبرة ويُخرج فضلاته. ثم تلك البذرة (أو الحبّة) التي ابتلعها سابقاً، وقد اختبرت هذه الحرارة، تنبت جذراً وتنمو لتصير شجرة. كل هذه الاشياء تعملها حكمة الله (1 كو 12 :11) لكيما تُظهر حتى من خلال هذه الاشياء ان الله قوي بما يكفي لينفذ القيامة العامة لكل البشر.
اذا اردت ان تنظر مشهداً عجباً، يحدث ليقدم برهانا على القيامة، ليس فقط من المواد التي على الارض، لكن من المواد التي في السماء، تأمل القيامة الشهرية للقمر; كيف يخبو ويموت ثم يقوم ثانية. اسمع ما هو اكثر: أحد امثلة القيامة يحدث في ذاتك، حتى وان كنت تجهله، ايها الانسان. ربما مرضت ذات مرة، وخسرت من لحمك (وزنك) ، وقوتك، ومظهرك، لكنك حين حصلت على رحمة الله وشفاء، استعدت جسدك ومظهرك وقوتك. ومثلما لم تعرف أين ذهب لحمك ( وزنك) عندما تلاشى، هكذا لم تعرف من اين تولّد عندما استرددته. لكنك ستقول: " من الجمادات والسوائل التي تحولت الى دم" . قطعاً! لكن هذا ايضا هو عمل الله الذي شكّلها بهذه الطريقة وليس بطريقة اخرى .]
تحليل ودراسة قول ثيؤفيلوس الانطاكي
يقول ثيؤفيلوس الأنطاكي مخاطبًا أوتوليكوس: "لكن بالنسبة لإنكارك أن الموتى يقومون؛ لأنك ربما تقول: أرني ولو شخصًا واحدًا أُقيم من الأموات، حتى عندما أرى أؤمن.إنكار قيامة الموتى يستند، في كثير من الأحيان، إلى مطلبٍ تجريبيّ مفاده: "أرني شخصًا واحدًا قام من بين الأموات، حتى أؤمن." غير أن ثيؤفيلوس يبيّن أن هذا الطلب يُفرغ الإيمان من جوهره، إذ يصبح التصديق قائمًا على الإدراك الحسي وحده، لا على اليقين المستند إلى الوحي الإلهي. فالإيمان، في معناه الحقيقي، ليس مجرد استجابة لما يُرى، بل هو قبول للحقيقة الإلهية المعلنة بسلطان الله. ولهذا يتساءل ثيؤفيلوس قائلًا: "ما عسى أن تكون أهمية إيمانك بعد أن ترى الحدث؟
فهناك كثير من الشواهد التي ترينا القيامة بوضوح، إذا تأملنا في نظام الخليقة وما وضعه الله فيها من إشارات تدل على إمكانية القيامة والسلطان الالهي.
يلفت ثيؤفيلوس نظر أوتوليكوس إلى التناقض في موقفه، فيقول: "أنت بالفعل تؤمن أن هيراكليس الذي أحرق نفسه حي، وأن أسكليبيوس الذي صُعق بالبرق قد أُقيم. ثم بعد ذلك لا تصدّق ما قاله لك الله؟والمفارقة أن كثيرًا ممّن يرفضون القيامة يؤمنون، في المقابل، بأساطير وثنية لا تستند إلى أي برهان عقلي أو تاريخي، مثل الاعتقاد بأن هرقل، الذي ألقى بنفسه في النار، لا يزال حيًا، أو أن أسكليبيوس، الذي صُعق بالبرق، قد عاد إلى الحياة. فكيف يُقبل تصديق هذه السرديات الأسطورية، بينما يُرفض ما أعلنه الله نفسه عن قيامته؟ بل حتى لو تحققت القيامة أمام أعينهم، فلن يكونوا بالضرورة أكثر إيمانًا، لأن المشكلة الحقيقية تكمن في القلب غير المستعد لقبول الحق، لا في غياب الأدلة.
يشير ثيؤفيلوس إلى أن الله لم يترك الإنسان بلا شواهد على حقيقة القيامة، بل بسط أمامه في نظام الخليقة إشارات واضحة تدعوه إلى التأمل فيها. فمن ينظر إلى تعاقب الفصول، حيث تموت الطبيعة في الشتاء ثم تبعث للحياة مجددًا في الربيع، يدرك أن الموت ليس نهاية مطلقة، بل مرحلة تتبعها عودة للحياة. وكذلك الحال في دوران الأيام والليالي، حيث تنسحب الظلمة لتعود الشمس مشرقة من جديد، في إيقاع متكرر يعكس واقع البعث بعد الفناء.
ثم يقدّم مثالا من عالم النبات اذ يقول: يقدم الله مثالًا ملموسًا على القيامة: فالبذور، حين تُزرع في الأرض، تبدو وكأنها تفنى وتتحلل، لكنها في الحقيقة تخضع لعملية تحوّل تؤدي إلى نشوء حياة جديدة، إذ تنبت وتثمر وفقًا لإرادة الله. بل إن بعض البذور تُحمل داخل أجواف الطيور، التي تبتلعها ثم تطرحها في أماكن أخرى، حيث تنمو وتتحول إلى أشجار. هذه العملية التي تتم وفق ناموس إلهي دقيق، تعكس مبدأ القيامة المتجذر في الخليقة نفسها.
وإن كان الإنسان بحاجة إلى دليل يتجاوز الأرضيات، فليتأمل في نظام الكون نفسه اذ ضيف ثيؤفيلوس مثالًا آخر، مستشهدًا بدورة القمر; فالقمر، مثلًا، يمر بدورات متكررة من الاختفاء والظهور، حيث يبدو كأنه يموت ثم يعود إلى الحياة. هذه الظاهرة الكونية تمثل نموذجًا مصغرًا لديناميكية الموت والقيامة التي أرساها الله في نظام الوجود.
ثم ينتقل إلى مثال شخصي من حياة الإنسان نفسه، فيقول: "اسمع ما هو أكثر: أحد أمثلة القيامة يحدث في ذاتك، حتى وإن كنت تجهله، أيها الإنسان; اذ ان الإنسان ذاته يحمل في خبرته الشخصية صورة مصغرة لهذا المبدأ: فمن يمرّ بمرض شديد يفقد خلاله وزنه وقوته، ثم يستعيد صحته تدريجيًا حتى يعود إلى حالته الأولى، يشهد عمليًا على قدرة الله في إعادة بناء الجسد وتجديده. إنه لا يعلم بدقة أين ذهب وزنه عندما فقده، كما لا يدرك على نحو دقيق كيف استعاده، لكن الأمر يتم وفق ناموس إلهي موضوع بإتقان.
وأخيرًا، يختم ثيؤفيلوس منطقه بالتأكيد على أن هذه الشواهد كلها ليست مجرد مصادفات، بل هي من تدبير الله، إذ يقول: "كل هذه الأشياء تعملها حكمة الله (1 كو 12:11) لكيما تُظهر حتى من خلال هذه الأشياء أن الله قوي بما يكفي لينفذ القيامة العامة لكل البشر." فإذا كانت الطبيعة، بكل عناصرها، تنطق بمبدأ القيامة، فكيف يُستبعد أن يكون خالقها قادرًا على تحقيق القيامة العامة للبشر؟
فإذا كانت الطبيعة، بكل عناصرها، تنطق بمبدأ القيامة، فكيف يُستبعد أن يكون خالقها قادرًا على تحقيق القيامة العامة لكل البشر؟
ليكون للبركة