تأثير الروح القدس في الرُّسُل ونشأة الكنيسة الأولى بحسب القديس يوحنا الذهبي الفم

Patricia Michael

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

الذين كانوا مرتعبين وخائفين وثبوا بعد أن نالوا الروح القدس في وسط المخاطر، وجرّدوا أنفسهم للمعركة ضد وحوش جديدة نارية متوحشة، وإذ كانوا أميّين جهلة دخلوا في مباحثات بكل جرأة أدهشت السامعين لهم. فالروح جعل منهم رجالًا جُدُدًا من أناسٍ من الطين، ووهبهم أجنحة، وسمح لهم ألا يهزمهم شيء بشري.

هكذا هي تلك النعمة، إن وجدت قنوطًا تبدده، وإن وجدت شهوات شريرة تحطمها، وأن وجدت جبنًا تطرده خارجًا، ولا تسمح لشخصٍ يشترك فيها أن يصير بعد ذلك إنسانًا مجرّدًا، وإنما كمن تنقله إلى السماء نفسها وتجعله أن يتشبه بكل ما هو هناك. بهذا لا يقول أحد بأن أي شيء مما يملكه أنه له، بل يستمرون في الصلاة والتسبيح ووحدانية القلب. فإن هذا هو ما يطلبه الروح القدس بالأكثر. "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ." (غل 5: 22-23).

=================

يصف القديس يوحنا الذهبي الفم في هذا النص عمل الروح القدس بوصفه قوة تغيير فائقة للطبيعة، تُبدّل الكيان البشري من حالة الضعف والجبن إلى ملء الجرأة والقوة. فالتلاميذ، الذين كانوا في حالة من الاضطراب والخوف قبل العنصرة، لم يعودوا كما كانوا بعد حلول الروح القدس، بل أصبحوا شهودًا شجعانًا في وجه اضطهادات عنيفة، بل دخلوا في مواجهات فكرية ولاهوتية حاسمة مع قوى معادية توصف بأنها "وحوش نارية متوحشة"، في إشارة إلى التحديات العقائدية والسياسية التي واجهها الرسل والكنيسة الأولى.

الذين كانوا بالأمس مرتجفين من الخوف، منطوين تحت وطأة الرهبة، ما إن انسكب عليهم الروح القدس، حتى قفزوا كالأسود في قلب الخطر، وجردوا نفوسهم لمعركة مفتوحة ضد قوى شرسة تتقد كالنار، لا تعرف الرحمة. أولئك الذين لم ينهلوا من مدارس الفلسفة ولا جلسوا تحت أقدام المعلمين، خرجوا يخاطبون العالم بجرأة أربكت العقول، وفتحوا أفواههم بحكمة سماوية أدهشت السامعين.

لقد صنع منهم الروح رجالًا آخرين، لا من طبيعة جديدة بل من قلوب متغيرة، إذ أخذ من تراب الأرض وأعطاهم أجنحة الروح، فصار ما هو بشري لا يقدر أن يحدّهم، ولا ضعف الطبيعة أن يكبّلهم.

ومن الناحية الدفاعية، يشير الذهبي الفم إلى نقطة بالغة الأهمية: أن هؤلاء الرسل لم يكونوا من أصحاب التعليم العالي أو المنزلة الاجتماعية المرموقة، بل "أميين وجهلة" بحسب معايير العالم، ومع ذلك، نطقوا بكلام وحكمة أذهلت سامعيهم، الأمر الذي لا يمكن تفسيره إلا بفاعلية الروح القدس، وهو ما يشكّل برهانًا داخليًا وخارجيًا على صدق رسالتهم.

ثم ينتقل النص إلى توصيف لاهوتي عميق لنعمة الروح، حيث يبرزها لا كمجرد عَوْن معنوي، بل كقوة ذات فعل كاسح: فهي تزيل اليأس، وتحطم الشهوات، وتطرد الجُّبن، بل وترتقي بالإنسان ليصير شريكًا في السمويات، متحررًا من انغلاق الذات والتمركز حول الملكية الشخصية. هذا التحوُّل لا يقتصر على البُعد الفردي، بل يمتد إلى تكوين جماعة تعيش في شركة روحية حقيقية، قوامها الصلاة، والتسبيح، ووحدانية القلب، وهي ملامح أصيلة للكنيسة الأولى كما يشهد سفر الأعمال.

ويختم الذهبي الفم بتأكيد أن هذا هو ثمرة الروح القدس عينها، كما صاغها الرسول بولس في رسالته إلى أهل غلاطية: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ." (غل 5: 22-23). وهنا يتضح أن الروح لا يعمل فقط في مجال الإقناع الخارجي، بل يُنتج حياة جديدة تُبرهن على مصدرها الإلهي من خلال ثمار ملموسة قابلة للفحص والملاحظة، ممّا يشكل عنصراً دفاعياً محورياً في تقديم الإيمان المسيحي لا كمنظومة نظرية، بل كحياة متجددة بالنعمة.

 

ليكون للبركة

Patricia Michael