استحالة تعدد الآلهة
القديس اثناسيوس الرسولي
=============
Patricia Michael
القديس أثناسيوس، أحد أعظم آباء الكنيسة في القرون الأولى، كان من أبرز المدافعين عن الإيمان المسيحي ضد الهرطقات المختلفة. في رسالته الشهيرة "ضد الوثنيين"، يعرض أثناسيوس رؤيته القوية والعميقة حول استحالة تعدد الآلهة. من خلال هذه الرسالة، يقدم أثناسيوس حججًا منطقية وفلسفية، تؤكد أن الكون الذي خلقه الله هو نتيجة لإرادة إله واحد، وليس نتيجة لتعاون آلهة متعددة. وقد تناول القديس أثناسيوس هذه الفكرة ليفنّد بها الأوهام الوثنية التي كانت ترى في تعدد الآلهة تفسيرًا للكون وطبيعته.
إن التأمل في نظام الخليقة ووحدتها يقود إلى إدراك بديهي بأن الخالق هو واحد لا شريك له. فالديانة الحقة تعلن أن للكون خالقًا واحدًا، وهذه الحقيقة لا تعبر عنها النصوص المقدسة فحسب، بل يصرّح بها الكون ذاته من خلال وحدته وتناسق عناصره. إذ لو كان في الوجود أكثر من إله، لتعددت الأكوان تبعًا لذلك، أمّا وأننا نرى كونًا واحدًا، محكم البنية، ثابت القوانين، فإن هذا دليلًا عقليًا على أن الذي أبدعه لا يمكن إلاّ أن يكون واحدًا. لا يُعقل أن يتشارك آلهة كثيرون في خلق كون واحد، لأن وحدة العمل تستلزم وحدة الفاعل، وإلا وقعنا في تناقضات وسخافات منطقية لا يُقبل نسبتها إلى الإله.
إذا افترضنا جدلًا أن هذا الكون الواحد هو ثمرة تعاون عدة آلهة، فإن هذا يفترض عجز كل منهم عن القيام بالفعل الكامل بمفرده، مما يعني أن كلًا منهم ناقص القدرة، محتاج إلى سواه، وهو تصور يضرب جوهر الألوهية، ويُعد في جوهره تجديفًا على الذات الإلهية. إذ لا يُقال عن الكائن الكامل إنه محتاج إلى معين، ولا عن الصانع الكامل إنه يعجز عن إتمام عمله ما لم يُعاونه سواه. وإذا ما قيل إن كل إله منهم كان قادرًا بذاته على خلق الكون، غير أنهم اشتركوا في العمل طلبًا للمجد أو اتقاءً للشك في قدرتهم، فإن هذا الطرح لا يقل فسادًا عن سابقه، إذ يُنسب إلى الإله الكامل حب الظهور، وهو ما لا يليق حتى بفضيلة بشرية أصيلة، فكم بالحري بالألوهية التي لا يشوبها نقص.
ثم إن مجرد وجود فاعل كافٍ لخلق الكون ينفي الحاجة إلى سواه، لأن الكفاية تغني عن التعدد. وليس من المعقول أن يكون الشيء المخلوق واحدًا في حين يكون الخالقون متعددين، إذ المبدأ العقلي المستقر هو أن الوحدة والكمال أسمى من التعدد والتجزؤ. فكما أن ما هو متعدد مركّب، والمركب ناقص محتاج إلى أجزائه، كذلك ما هو واحد كاملٌ غير قابل للانقسام، هو أولى بالوجود والفاعلية المطلقة.
ويضاف إلى ما سبق أن التعدد في الخالقين يستلزم تعددًا في الإرادات والقرارات، وبالتالي يفضي إلى اختلاف في نظام الكون وحركاته، مما يؤدي إلى الفوضى لا النظام، والتضاد لا التناسق. فإن كانت السفينة لا تسير مستقيمة ما لم يُمسك دفتها ربّان واحد، وإن كانت القيثارة لا تصدر لحنًا متناغمًا إن لعب عليها أكثر من عازف، فكم بالحري نظام الكون، وهو أعمق وأدق بما لا يُقاس، ألا يحتاج لوحدة في فاعله وضابطه؟ إن انتظام الخليقة وتماسكها ووحدتها لا يُفهم إلا في ضوء وحدة الخالق، الذي صنعها بكلمته، ورتبها بحكمته.
إن وحدة الكون لم تأتِ عن عجزٍ من الله عن خلق أكوان أخرى، بل أراد أن يكون ما يخلقه واحدًا، لكي لا يتوهم أحد أن هناك أكثر من خالق. ولو شاء الله لخلق عوالم متعددة، فهو قادر على كل شيء، ولكن إظهاره لقدرته في خلق كون واحد منتظم، كافٍ لأن يدرك العاقل أن الفاعل واحد، كامل، لا يحتاج إلى معين، ولا يُشاركه في عمله شريك. فهكذا تشهد الخليقة كلها بوحدة خالقها، كما تشهد القيثارة لعازفها، والسفينة لربانها.
رسالة الى الوثنيين.. القديس اثناسيوس الرسولي
ليكون للبركة