وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ." (يو 1: 5).
Patricia Michael
يدور النص حول العبارة الواردة في إنجيل يوحنا 1 : 5 : «والنور يضيء في الظلمة والظلمة لم تُدركه». هذه الجملة القصيرة تحمل كثافة لاهوتية كبيرة، إذ تقدم منذ بداية الإنجيل رؤية كونية للصراع بين النور والظلمة. يوحنا لا يبدأ بسرد تاريخي، بل بإعلان وجودي: هناك نور يشرق في قلب عالم مغمور بالظلمة، وهذه الظلمة لم تستطع أن تمسك به أو تحتويه أو تطفئه.
الكلمة اليونانية المترجمة «لم تُدركه» (κατέλαβεν) تحمل معنيين متداخلين: الأول هو عدم الفهم أو الاستيعاب، والثاني هو عدم الغلبة أو السيطرة. هذا الازدواج في المعنى مقصود وغني بالدلالة؛ فالظلمة لم تفهم النور لأنها بطبيعتها عاجزة عن إدراك حقيقته، كما أنها لم تغلبه رغم كل محاولاتها. وهنا يكمن عمق العبارة: الجهل الروحي والعجز الوجودي يجتمعان في موقف الظلمة أمام النور.
النص ينتقل بعد ذلك إلى البعد التاريخي الخلاصي، فيشير إلى تحالف قوى متعددة ضد المسيح: قوى دينية رأت فيه تهديدًا لبنيتها، وقوى سياسية خشيت اضطراب نفوذها. هذا التلاقي بين السلطتين الدينية والرومانية يكشف أن الظلمة ليست مجرد حالة نفسية، بل منظومة متكاملة قد تتجسد في أنظمة وأفكار ومؤسسات. ومع ذلك، فإن اجتماعها لم يكن كافيًا لإطفاء النور.
عند الصليب بدا المشهد وكأن الظلمة قد انتصرت، خصوصًا مع ذكر الظلمة التي غطت الأرض من الساعة السادسة إلى التاسعة. إلا أن هذه اللحظة نفسها، التي تبدو ذروة الهزيمة، تتحول في اللاهوت اليوحناوي إلى لحظة تمجيد. فالموت لم يكن إخمادًا للنور، بل إعلانًا أقوى له. القيامة تكشف أن ما ظُنَّ أنه نهاية كان في الحقيقة بداية انتصار الحياة على الموت.
رمزية النور والظلمة هنا تتجاوز الحدث التاريخي لتدخل إلى عمق التجربة الإنسانية. النور يرمز إلى الحق والحياة والإعلان الإلهي، بينما الظلمة تشير إلى الجهل والخطية والانغلاق على الذات. الصراع إذًا ليس فقط في ساحات التاريخ، بل في داخل الإنسان أيضًا. كل مرة يُرفض فيها الحق، تتجسد الظلمة من جديد، وكل مرة يُقبل فيها النور، يبدأ فجر داخلي.
الجميل في النص أن النور لا ينتظر اختفاء الظلمة ليظهر؛ بل يضيء في قلبها. هذه فكرة وجودية عميقة: الظلمة ليست كيانًا مستقلًا بذاته، بل هي غياب النور. لذلك فهي عاجزة بطبيعتها عن أن تطفئ ما ليس من طبيعتها. النور فاعل ومبادر، أما الظلمة فمجرد حالة سلبية تنحسر حين يحضر الضوء.
وهكذا تتكثف العبارة «والظلمة لم تُدركه» في ثلاث اوجه مترابطة: لم تفهمه، لم تستوعب سرّه، ولم تغلبه. إنها إعلان رجاء بقدر ما هي توصيف لواقع الصراع. فالشر قد يبدو صاخبًا ومسيطرًا، لكنه في جوهره محدود؛ أما النور فجوهره الامتداد والغلبة، لأنه ليس مجرد قوة أخلاقية، بل حضور حياة لا يمكن أن تُهزم.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم :
أما كرازة المسيح فتشرق في وسط الخطأ المسيطر فتبدده. باحتماله الموت غلب الموت، وشفى الذين أُمسكوا فعلًا فيه. هكذا لا يقدر الموت أن يغلبها ولا الخطأ، لأنها بهية في كل موضع، ومشرقة بقوته اللائقة به
ويقول القديس كيرلس الكبير"الظلمة" هي الطبيعة التي تحتاج إلى استنارة، أي الطبيعة المخلوقة... يعلن أن الخليقة العاقلة بدون الطبيعة الإلهية هي ظلمة، وهي عاجزة عن أن تلد شيئًا من نفسها وبقدراتها.
تفسيرات الكتاب المقدس وتعليق الآباء
ليكون للبركة