تفوُّق المعرفة النبوية التي وردت في الكتاب المقدس على اي معرفة بشرية

ثيؤفيلوس الانطاكي في رده على اوتوليكوس

Patricia Michael

 

تميّز الفكر المسيحي منذ بداياته بمقارنة تعاليمه مع الفلسفات والديانات الوثنية السائدة، وكان هذا جليًا في كتابات آباء الكنيسة الأوائل، الذين سعوا إلى إثبات تفوّق الوحي الإلهي على المعرفة البشرية المجردة. في هذا السياق، قدّم القديس ثيؤفيلوس الأنطاكي، في كتابه "إلى أوتوليكوس"، دفاعًا قويًا عن تفوق المعرفة النبوية الواردة في الكتاب المقدس مقارنة بكتابات الحكماء والشعراء والمؤرخين الوثنيين وغيرها من المعارف البشرية.

يرى ثيؤفيلوس أن الأنبياء لم يعتمدوا على التفكير الفلسفي أو الاستنتاج العقلي، بل على الوحي الإلهي الصادق، الذي كشف لهم عن حقائق لم يكن بإمكان البشر الوصول إليها بمفردهم، مثل خلق العالم، وخلق الإنسان، والطوفان وغيرها من الأحداث الكبرى التي شكّلت تاريخ البشرية. وفي المقابل، جاء الكتّاب الوثنيون متأخرين زمنيًا، وأدخلوا في كتاباتهم أساطير وتصورات خاطئة، مما أدى إلى ضلال أتباعهم عن الحقيقة الإلهية.

يؤكد ثيؤفيلوس أن جميع الكتّاب الإغريق جاؤوا بعد الأنبياء بزمن طويل، وبالتالي فإنهم لم يتلقوا إعلانًا موحى به عن الأحداث البشرية القديمة ، ويرى أنه لو كانت كتاباتهم موحى بها فعلاً، لكان ينبغي أن تتضمن وصفًا دقيقًا لتلك الاحداث التي شكلت تاريخ البشرية، وليس مجرد روايات متأخرة مشوهة أو مضافًا إليها أساطير بشرية.

يشير ثيؤفيلوس إلى أن هؤلاء الحكماء والشعراء لم يكتفوا فقط بعدم توثيق الحقائق الإلهية، بل أدخلوا آلهة كثيرة، مما أدى إلى انحراف البشرية عن عبادة الإله الحقيقي. ويستدل بذلك على أن معرفتهم لم تكن مستمدة من وحي إلهي، بل من خرافات وأساطير.

كما يوضح أن الأمم القديمة مثل المصريين والكلدانيين – على الرغم من امتلاكهم تقاليد تاريخية – لم يتمكنوا من تقديم وصف صحيح للأحداث الإلهية لأنهم لم يتكلموا بروح إلهي نقي.

يؤكد ثيؤفيلوس أن الفرق الجوهري بين المعرفة النبوية والمعرفة الوثنية هو أن الأنبياء لم يسجلوا فقط أحداث الماضي والحاضر، بل تنبأوا أيضًا بالمستقبل. وهذه القدرة على التنبؤ، التي تحققت لاحقًا في التاريخ، تُعد دليلًا على صدق الوحي الإلهي الذي نطقوا به.

يبرهن ثيؤفيلوس في قوله هذا على تفوّق المعرفة النبوية، مستخدمًا حججًا تاريخية ولاهوتية تستند إلى السبق الزمني للأنبياء، نقاء الوحي الإلهي، القدرة على التنبؤ بالمستقبل، ودور الروح القدس في كشف الحقيقة حيث يقول:

[كل الكتّاب الاغريق جاءوا بعد الانبياء ، مَن مِن بين ما يسمّون بالحكماء والشعراء او المؤرخين كان قادراً ان يقول الحق في هذه الأمور؟ لقد عاشوا بعد هذه الامور بوقت طويل، وأدخلوا آلهة كثيرة. بل عاشوا بعد تأسيس المدن بسنوات كثيرة، وجاءوا بعد الملوك والامم والحروب. كان يجدر بهم ان يذكروا كل الاحداث السابقة للطوفان، وكان يجدر بالمصريين والكلدانيين والكتّاب الآخرين ان يكتبوا وصفا دقيقا فيما يتعلق بخلق العالم، وخلق الانسان، والاحداث اللاحقة، اذا كانوا يتحدّثون فعلا بروح الهي نقي، واذا كانت اقوالهم صحيحة فعلاً. كان يجدر بهم الاّ يعلنوا الاحداث الماضية او الحاضرة فقط، بل والتي كانت ستحدث لاحقا في العالم. لهذا السبب من الواضح ان كل البقية كانوا في ضلال، وان المسيحيين فقط امتلكوا الحقيقة، نحن الذين تعلمنا بالروح القدس الذي تحدث في الانبياء المقدّسين وتنبأنا بكل شيء .

فضلاً عن ذلك، لا بد ان تبحث باجتهاد عن الامور الالهية (1 كو2 : 10 ) اعني الامور التي تحدّث بها الانبياء، بحيث، بمقارنة ما قلناه نحن بما قاله الآخرون، تصير قادراً على اكتشاف الحقيقة.]

نلاحظ اذا ان القديس ثيؤفيلوس الأنطاكي في كتابه "إلى أوتوليكوس" يقدم دفاعًا قويًا عن تفوق المعرفة النبوية التي وردت في الكتاب المقدس مقارنة بكتابات الحكماء والشعراء والمؤرخين الوثنيين. ويقوم بذلك من خلال مجموعة من الحجج اللاهوتية والتاريخية التي تسعى إلى إثبات صحة التقليد الكتابي مقابل الفكر الوثني السائد في عصره.

يصل ثيؤفيلوس إلى نتيجة حاسمة:

- انحراف الفلاسفة والمؤرخين الوثنيين عن الحقيقة وكانوا في ضلال

-وحدهم المسيحيون امتلكوا الحقيقة

-هذه الحقيقة لم تأتِ من التفكير البشري، بل من الروح القدس، الذي تكلم في الأنبياء القديسين

ختاما : يضع ثيؤفيلوس معيارًا واضحًا لتحديد مصدر المعرفة الحقيقية:

- السبق الزمني للأنبياء - مما يمنحهم مصداقية أكبر من المؤرخين المتأخرين

-نقاء الوحي الإلهي - مقابل انحراف الوثنيين نحو تعدد الآلهة

- القدرة على التنبؤ بالمستقبل - كدليل على مصدرهم الإلهي

- دور الروح القدس - في توجيه الأنبياء ونقل الحقيقة للمسيحيين

من خلال هذه الحجج، يعزز ثيؤفيلوس موقفه بأن المعرفة النبوية كما وردت في الكتاب المقدس تتفوق على أي معرفة بشرية أخرى، مما يشكل أساسًا للدفاعيات المسيحية في مواجهة الفكر الوثني والفلسفي المعاصر له.

ليكون للبركة

Patricia Michael