لماذا تم الإعلان الإلهي عن الثالوث تدريجيًا حتى تبلور وضوحه الكامل في العهد الجديد؟
غريغوريوس النزينزي
Patricia Michael
قدّم القديس غريغوريوس النزينزي ، أحد الآباء الكبادوكيين البارزين في العصر الذهبي للفكر اللاهوتي، تفسيرًا لاهوتيًا عميقًا لهذا السؤال في خطبته اللاهوتية الخامسة. يرى غريغوريوس أن الله اختار أن يُعلن ذاته تدريجيًا وفقًا لقدرة الإنسان على الاستيعاب، إذ لو أُعلنت الحقيقة الكاملة عن الثالوث منذ البداية، لما استطاع العقل البشري المحدود أن يتحمل “نورها الساطع”.
ويستخدم غريغوريوس تشبيهًا بليغًا لتوضيح فكرته: فالإنسان الذي يخرج فجأة من ظلامٍ دامس إلى نور النهار الساطع يعجز عن الرؤية للحظات حتى تتكيف عيناه مع الضوء. وبالمثل، لو أشرق نور الثالوث الإلهي الكامل على البشرية منذ البداية، لعجزت عن إدراكه. لذا تدرّج الإعلان الإلهي بحسب مبدأ “التأنّي التربوي” الإلهي “divine pedagogical patience ، بدءًا من إعلان وحدة الله في الشِماع اليهودي: "«اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ." (تث 6: 4). وصولًا إلى الكشف الكامل عن الله الواحد في ثلاثة أقانيم.بهذا، يقدّم غريغوريوس النزينزي نموذجًا لاهوتيًا يجمع بين حكمة الله التربوية ورحمته
المعرفية، حيث يكشف عن ذاته بما يتناسب مع نضوج الإنسان الروحي واستعداده للإدراك.
ينطلق القديس غريغوريوس من مبدأ الملاءمة الإلهية (Divina convenientia)، أي أن الله يكشف عن ذاته تدريجيًا بما يتناسب مع قدرة المخلوق على الفهم ومع مراحل تحقيق مقاصده الخلاصية. وبذلك يشير غريغوريوس إلى التدرج المعرفي بوصفه “تكيّفًا رعويًا” من الله تجاه الإنسان.
ليكون للبركة
Patricia Michael