مساواة الابن مع الآب في الكرامة والمجد تؤكد لاهوته.. قراءة في كتابات القديس يوحنا الذهبي الفم في انجيل يوحنا

Patricia Michael

في إنجيل يوحنا 5: 23–24، يعلن المسيح إعلانًا جوهريًا صريحا حول طبيعته الإلهية، إذ يقول:"لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ." (يوحنا 5: 23 - 24)

يأتي هذا الإعلان في سياق مواجهة مباشرة مع اتّهامات التجديف التي وجّهها إليه اليهود. وفي هذا السياق، يُظهِرُ المسيحُ أنَّ رفضَهُ يعني رفضَ الآب ذاته، لأن العلاقة بين الآب والابن ليست علاقة مثل علاقة الآب مع الأنبياء كخدام مرسلين ، بل هي علاقة وحدة جوهرية أزلية. من هنا، فإن الإيمان بكلام الابن هو تعبير عن الإيمان بالآب، ومن يكرم الابن فهو في الحقيقة يُكرم الله الآب، لأنهما متحدان في المجد والجوهر.

يقدّم القديس يوحنا ذهبي الفم في هذا النص تعليمًا لاهوتيًا دقيقًا اذا يقول:

"أَلَا تَرَوْنَ كَيْفَ تَرْتَبِطُ كَرَامَةُ الِابْنِ بِكَرَامَةِ الْآبِ؟ قَدْ يَقُولُ أَحَدٌ: مَا هَذَا؟ فَإِنَّنَا نَرَى نَفْسَ الشَّيْءِ فِي حَالَةِ الرُّسُلِ، إِذْ يَقُولُ الْمَسِيحُ: «مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلْنِي» (متى ١٠: ٤٠). فِي ذَلِكَ يَتَكَلَّمُ هَكَذَا، لِأَنَّهُ مُهْتَمٌّ بِخُدَّامِهِ الَّذِينَ هُمْ لَهُ، أَمَّا هُنَا فَالسَّبَبُ هُوَ أَنَّ الْجَوْهَرَ وَاحِدٌ وَالْمَجْدَ وَاحِدٌ مَعَ الْآبِ. لِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ عَنِ الرُّسُلِ: «لِكَيْ يُكْرِمُونَهُمْ»، أَمَّا هُنَا فَبِحَقٍّ يَقُولُ: «مَنْ لَا يُكْرِمُ الِابْنَ لَا يُكْرِمُ الْآبَ». فَإِنَّهُ مَتَى وُجِدَ مَلِكَانِ، مَنْ يَسُبُّ الْوَاحِدَ يَكُونُ قَدْ سَبَّ الآخَرَ، خَاصَّةً إِنْ كَانَ ابْنَهُ، وَأَيْضًا مَنْ يُسِيءُ إِلَى جُنُودِهِ يُحْسَبْ كَمَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ، لَكِنْ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ."

(Homilies on the Gospel of John, Homily 39:2)

يؤكد القديس يوحنا ذهبي الفم في تعليقه على هذا النص طبيعة العلاقة الفريدة بين الآب والابن، موضحًا الفرق الجوهري بين إكرام الابن وإكرام الرُّسل. فإكرام الابن لا يشبه إكرام الرسل؛ إكرام الابن قائم على وحدة الجوهر والمجد مع الآب، بينما إكرام الرُّسل نابع من كونهم خدامًا مُرسلين من المسيح، أي أن كرامتهم مستمدة من مهمّتهم التبشيرية لا من جوهرهم. ومن هنا، يُظهر الذهبي الفم أن الفرق بين الحالتين ليس في الدرجة فقط، بل في الطبيعة ذاتها: إذ إن الابن يُكرَّم لأنه من ذات الجوهر الإلهي، أما الرُّسل فيُكرَّمون بسبب ارتباطهم به كمُرسلين، فكرامة الابن متأصّلة في ألوهيّته، بينما كرامة الرسل مستمدَّة من رسالتهم.

فعندما يقول المسيح عن تلاميذه: "مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي، وَمَنْ يَقْبَلُني يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (متى 10: 40)، فإنما يربط كرامتهم بكونهم حاملي رسالته وممثلين له، فإكرامهم نابع من ارتباطهم به كمُرسَلين باسمه. أما حين يقول: "مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ" (يوحنا 5: 23)، فإنه يعلن حقيقة أعمق بكثير، وهي أن كرامة الابن متأصلة في كينونته الإلهية، باعتباره واحدًا مع الآب في الجوهر، وذاته الإلهية غير منفصلة عنه منذ الأزل.

ويُبرز الذهبي الفم هذا التمايز من خلال تشبيه بشري دقيق: فإذا كان من يهين جنود الملك يُعد كمن أساء إليه من حيث ارتباطهم به، فكم بالحريّ إن كانت الإساءة موجّهة إلى ابن الملك ذاته، الذي يتمتع بنفس السلطان والكرامة. فالإهانة في هذه الحالة لا تكون غير مباشرة، بل موجهة إلى الملك نفسه. وهكذا، فإن من يحتقر الابن، "لا يُعتبر كمن رفض نبيًا من الأنبياء أو رسولًا من عند الله، بل كمن أنكر الآب نفسه، لأن الابن هو من ذات الجوهر الإلهي غير المنقسم.

هذا النص يؤكّد أن ذهبي الفم لا يرى في كلام المسيح مجرد علاقة إرسال كتلك التي بين الله والأنبياء، بل إعلانًا عن وحدة الكرامة القائمة على وحدة الجوهر بين الآب والابن. ولهذا فإن من لا يُكرم الابن، لا يكون كمن رفض نبيًا من عند الله، بل كمن أنكر الآب ذاته.

ليكون للبركة

Patricia Michael