تعليق القديس كيرلس على قول السيد المسيح : بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ، لأَنَّ خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ

Patricia Michael

 

"فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الْخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ، بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ، لأَنَّ خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ». فَقَالُوا لَهُ: «يَا سَيِّدُ، أَعْطِنَا فِي كُلِّ حِينٍ هَذَا الْخُبْزَ». فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلَا يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلَا يَعْطَشُ أَبَدًا." (يو 6: 32-35).

يشرح القديس كيرلس في هذا النص المعنى العميق لقول يسوع المسيح: "أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء". وهو يبدأ بمناقشة الفكرة التي كانت شائعة عند اليهود، وهي أن المنّ الذي نزل في البرية زمن موسى هو الخبز الحقيقي النازل من السماء. لكن القديس كيرلس يوضح أن هذا الفهم غير كامل، لأن المنّ كان عطية مؤقتة أعطاها الله لشعب واحد فقط، أي لبني إسرائيل، بينما العالم كله كان ممتلئًا بأمم أخرى لم تنل هذا الطعام. لذلك يرى أن من غير المعقول أن يكون المنّ هو الخبز الحقيقي الذي يقصده الله لخلاص العالم كله.

ثم يوضح القديس كيرلس أن المنّ لم يكن إلا علامة أو رمزًا. فالله في تدبيره الإلهي كان يستخدم أحداث العهد القديم وصوره لكي تشير إلى حقائق أعظم ستظهر في العهد الجديد. ولذلك فإن المنّ لم يكن الهدف النهائي، بل كان إشارة مسبقة إلى عطية أعظم سيقدمها الله للبشرية لاحقًا. بهذا المعنى يصبح المنّ أشبه بظل أو رمز يمهّد لفهم الحقيقة الكاملة.

بعد ذلك يشرح القديس كيرلس أن الخبز الحقيقي النازل من السماء ليس شيئًا ماديًا مثل المنّ، بل هو شخص المسيح نفسه. فالمسيح، بحسب تعبيره، هو الذي خرج من جوهر الآب، وهو مصدر الحياة ذاته. ولهذا السبب يستطيع أن يعطي الحياة ليس لشعب واحد فقط بل للعالم كله. فالمنّ كان يشبع الجسد لفترة قصيرة، أما المسيح فهو يمنح حياة روحية أبدية لكل من يؤمن به.

وفي نهاية الفكرة يربط القديس كيرلس بين رموز العهد القديم وكلام السيد المسيح نفسه. فكما أن الله أعطى المنّ في البرية وأخرج ماءً من الصخرة ليشبع الجياع ويروي العطاش، هكذا جاء المسيح ليحقق المعنى الحقيقي لهذه الرموز. لذلك عندما يقول المسيح: "من يقبل إليّ فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا"، فهو يعلن أنه هو الإشباع الحقيقي والعطية الكاملة التي كان المنّ مجرد إشارة مسبقة إليها. بهذا يريد القديس كيرلس وبحسب قول السيد المسيح أن يقود القارئ إلى فهم أن كل ما حدث في القديم كان يمهد للقاء الإنسان بالمسيح الذي هو الخبز الحقيقي للحياة.

الصورة المرفقة من :موسوعة " علم اللاهوت العقيدي" المجلّد الثالث

الدكتور موريس تواضروس

ليكون للبركة

Patricia Michael