وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ:«الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ».
لوقا 2 : 13 : 14
أنظر مجد المسيح على الأرض وقد تلألأ بالنور، وسطع على الرعاة، وجمهور الملائكة ينشدون أناشيد الفرح والسرور. فقد تنبَّأ موسى منذ قرون عديدة فقال: "تهلَّلوا أيها الأمم شعبه".
ألم يولد أنبياء كثيرون ولكن لن تتهلَّل الملائكة في ميلاد أحدهم كما تهلَّلت عند ميلاد المسيح لأن هؤلاء الأنبياء كانوا من البشر مثلنا خُدامًا لله وحاملين الكلمة، ولكن لم يكن هذا شأن المسيح لأنه إله ورب مُرسل الأنبياء والقدِّيسين. أو كما يقول المرنِّم: "لأنه من في السماء يعادل الرب بين أبناء الله" (مز 89: 6). فإنَّ المسيح شاء ومنحنا البنوَّة نحن الذين تحت نير العالم وبطبيعتنا أرِقَّاء، أما المسيح فهو الابن الحقيقي، فهو بطبيعته ابن الله الآب حتى بعد تجسّده، فقد ظلَّ كما قلت لكم كما كان قبلًا رغمًا عن أخذه جسدًا لم يكن له قبلًا. وما أقوله هو عين الصِدق فإنَّ إشعياء يؤكِّد متنبِّئًا: "ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل. زِبدًا وعسلًا يأكل، متى عرف أن يرفض الشرّ ويختار الخير، لأنه قبل أن يَعرف الصبي أن يَرفض الشرّ يختار الخير" (إش 7: 14-15).
دقِّق النظر في مجده الإلهي. وارتفع بعقلك إلى سماء السماوات لتشاهد مجده الفائق "وهو جالس على كرسي عالٍ ومرتفعٍ" (إش 6: 1)، وتسمع أناشيد السيرافيم مقدِّمين المجد والإكرام والسجود والعبادة للرب يسوع المسيح الذي يملأ الأرض بمجده وعظمته.
يقول العلامة اوريجينوس
* نزل ملاك الرب من السماء وأعلن عن ميلاده.
ها نحن نرى ملاك الرب قد دُعي ليُبشر بميلاد المسيح،
فلم يذهب إلى أورشليم، ولا بحث عن الكتبة والفرِّيسيين، ولا دخل مجمع اليهود، لكنه بحث عن رعاة يحرسون حراسة الليل للقطيع...
* جاء ملاك الرب للرعاة وكلَّمهم: اسمعوا يا ملائكة الكنائس فإنَّ ملاك الرب لا يزال ينزل من السماء ليُعلن لكم: "إنه وُلد لكم اليوم مخلِّص هو المسيح الرب". حقًا لو لم يأتِ هذا المخلِّص لما استطاع رعاة الكنائس أن يعتنوا برعيَّتهم من أنفسهم. فاشلة هي رعايتهم إن لم يرعها المسيح معهم! ها نحن بصدد قراءة ما جاء عن الرسل: "نحن فلاحة الله"، فالراعي الصالح هو ذاك الذي يتبع سيِّده الراعي الصالح، فيعمل مع الله (الآب) ومع المسيح.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم
هوذا الملائكة ترتِّل، ورؤساء الملائكة تغنِّي في انسجام وتوافق...
الشاروبيم يسبِّحون تسابيحهم المفرحة، والسيرافيم يمجِّدونه.
الكل اتَّحد معًا لتكريم ذلك العيد المجيد، ناظرين الإله على الأرض، والإنسان في السماء؛ الذي من فوق يسكن هنا على الأرض لأجل خلاصنا، والإنسان الذي هو تحت يرتفع إلى فوق بالمراحم الإلهيّة!
هوذا "بيت لحم" تضاهي السماء، فتسمع فيها أصوات تسبيح الملائكة من الكواكب، وبدلًا من الشمس أشرق شمس البر في كل جانب.
ويقول القديس مار افرام السرياني
* اليوم ابتهج الحرَّاس، لأن الساهر (دا 4: 13) جاء لإيقاظنا.
من يستطيع أن ينام الليلة التي فيها العالم كله ساهرًا؟!
لقد جلب آدم النُعاس على العالم بالخطيّة، لكن الساهر نزل لإيقاظنا من نوم الخطيّة العميق.
* الليلة اتَّحد الحرَّاس العلويُّون مع الحرَّاس الساهرين (الأرضيِّين)، فقد جاء "الحارس" ليخلق حُرَّاسًا وسط الخليقة!
هوذا، فإنَّ الحرَّاس الساهرين قد صاروا زملاء الحرَّاس العلويِّين. انشدوا بالتسبيح مع السيرافيم!
طوبى لمن يصير قيثارة لتسبيحك، فإنَّ نعمتك تكون هي مكافأته!
* لقد نطق الحراس العلويُّون بالسلام للحراس الساهرين.
لقد جاء الحراس العلويُّون يعلنون البشائر المفرحة للساهرين...!
لقد امتزج الحرَّاس بالحرَّاس، وفرح الكل لأن العالم جاء إلى الحياة!
ايضاً يقول القديس امبروسيوس * ذكر ظهور الجند السماوي الذين تبعوا رئيس الجند؛ ولمن يرسل الملائكة الكرامة إلا لربِّهم كما قيل: "سبِّحوا الرب من الأعالي"؟!
هكذا أرسل الرب ملاكه يبشِّر الرعاة الحارسين بالفرح العظيم، "لجميع الشعب"، ولم يكن هذا الملاك ناقلًا للرسالة فحسب، إنما كان شريكًا مع البشريّة في فرحهم هو وجميع الطغمات السمائيّة، إذ انفتحت السماء لتنزل جوقة من الملائكة تشاركنا بهجتنا الروحيّة. يقول الإنجيل:
"وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي
مسبِّحين الله وقائلين:
المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام
وبالناس المسرة (الإرادة الصالحة)".
وفي هذا يقول القديس جيروم
* "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس الإرادة الصالحة". في السماء (الأعالي) لا توجد خطيّة إنما يوجد تمجيد وتسبيح دائم وترنُّم بغير ملل، أما على الأرض حيث ملك العصيان وتسلَّط النزاع والانقسام، فصارت الحاجة ماسة إلى السلام الذي يُقتنى بالصلاة، هذا الذي لا يحل بكل الناس وإنما بذوي الإرادة الصالحة.