المنهج الانتقائي وخطره على الفهم العقائدي في فكر أثناسيوس الرسولي

دراسة تحليلية من كتاب «عن رأي ديونيسيوس» للقديس اثناسيوس الرسولي - Patricia Michael

 

المقدمة

تأتي هذه الفقرات (الصورة المرفقة) في سياق دفاع القديس أثناسيوس الرسولي عن رأي القديس ديونيسيوس الإسكندري، بعدما أُسيء فهم بعض تعبيراته اللاهوتية واقتُطعت من سياقها التاريخي والجدلي. فلم يكن هدف أثناسيوس عرض تعليم جديد، ولا تفسيرًا مستقلاً لسفر الأعمال، بل توضيح المنهج الذي به تُفهم الأقوال اللاهوتية، سواء في الكتاب المقدس أو عند الآباء، بحسب الغاية والسياق الذي قيلت فيه.

ولهذا يستحضر أثناسيوس أسلوب الرسل أنفسهم في الكرازة، ليبيّن أن استخدامهم لألفاظ تشير إلى ناسوت المسيح لم يكن إنكارًا للاهوته، بل لغة تدبيرية مقصودة، خوطب بها السامعون بحسب قدرتهم على الفهم. ومن خلال هذا المثال الرسولي، يوضح أن ما نُسب إلى ديونيسيوس من إنكار لألوهية الابن ليس إلا نتيجة قراءة انتقائية مبتورة، تشبه في منهجها ما فعله الأريوسيون حين اقتطعوا بعض العبارات وأهملوا مجمل الشهادة الإيمانية.

وبذلك يهدف هذا الدفاع إلى إعادة الأمور إلى نصابها، مؤكدًا أن الإيمان الرسولي والآبائي لا يُبنى على عبارات معزولة ونصوص مقتطعة من سياقها، بل على الفهم الكلي المتكامل، حيث يُعلَن المسيح الواحد بحسب التدبير حينًا، وبحسب مجده الإلهي حينًا آخر، دون انفصال أو تناقض.

وخلاصة الأمر أن هذا الكتاب ليس تفسيرًا عامًا لسفر أعمال الرسل، ولا مجرد رد مباشر على الأريوسية فحسب، بل هو دفاع تاريخي ولاهوتي عن أب كنسي أُسيء فهمه، يوضح فيه القديس أثناسيوس كيف تُستعمل اللغة اللاهوتية بحسب السياق والغاية التي قيلت فيها، ويحذّر من تحويل العبارات الجدلية أو التدبيرية إلى تعريفات عقائدية ثابتة تُقتطع من إطارها وتُحمَّل ما لم يُقصد بها. وهذا بعينه هو المنهج الذي سلكه الأريوسيون قديمًا، ويعيد إنتاجه بعض المشككين في العصر الحاضر، إذ يقتطعون نصوصًا منفردة من سياقها ليبنوا عليها تصورات عقدية مشوَّهة، ومن هنا تأتي قيمة كلام أثناسيوس في هذا الموضع كميزان كاشف لهذا الأسلوب البعيد كل البعد عن المنهج المستقيم والامانة في البحث والدراسة .

الرد على شبهة الاقتطاع الانتقائي لأقوال الرسل لترويج مفهوم أن المسيح مجرد إنسان

يبيّن القديس اثناسيوس الرسولي بأن الاستشهاد بنصوص مثل أعمال الرسل2: 22–23، وأعمال 4: 10، وأعمال 13: 22–23، وأعمال 17: 30–31 لإثبات أن الرسل اعتبروا المسيح مجرد إنسان، هو استنتاج خاطئ ناتج عن قراءة انتقائية مبتورة، تتجاهل السياق التدبيري والغاية الكرازية التي قيلت فيها هذه الأقوال . فقد قال الرسل هذه العبارات في سياق الكرازة لليهود والأمم، مستخدمين لغة تدبيرية (οἰκονομία) تناسب مستوى فهم السامعين، لا لغة تعريف جوهري للجوهر الإلهي. ويشير القديس أثناسيوس في كتابه «عن رأي ديونيسيوس» إلى أن الرسل تصرفوا كـ«بَنّائي سفن حكماء ووكلاء على أسرار الله»، فلم يبدؤوا في بعض المواقف بالإعلان المباشر عن ألوهية المسيح، بل بدأوا بما يمكن للمخاطَب قبوله أولًا، لأن اليهود في ذلك الزمان كانوا يؤمنون بمسيح إنسان من نسل داود فقط، ولم يكونوا مستعدين لقبول حقيقة أن «الكلمة صار جسدًا». ولو بدأ الرسل بالكرازة بلاهوت المسيح مباشرة، لرفض اليهود الرسالة بالكامل، ولما آمنوا أصلًا أن يسوع هو المسيح الموعود.

إن الذين يحتجون بأقوال الرسل في سفر الأعمال حيث يُدعى المسيح «إنسانًا» أو «رجلًا»، يظنون أن هذا اللفظ وحده كافٍ لنفي ألوهيته، غير مدركين طريقة الرسل في الكرازة. فالقديس أثناسيوس الرسولي يبيّن أن الرسل لم يكونوا يعلنون في عظاتهم الأولى تعريفًا لجوهر المسيح، بل كانوا يخاطبون السامعين بما يوافق حالهم، مستخدمين اللغة السابقة التي يعرفها اليهود، وذلك بحكمة وتدبير، لا جهلًا بالحقيقة ولا إنكارًا لها .

ولهذا السبب بدأت كرازة الرسل بإظهار السمات البشرية الظاهرة للمخلص، حتى يقتنع السامعون أولًا أنه هو المسيح الذي جاء، وبعد ذلك يقودونهم إلى الإيمان بلاهوته، بإثبات أن الأعمال التي صنعها لم تكن أعمال إنسان، بل أعمال الله نفسه العامل فيه.

ويؤكد أثناسيوس أن الرسل أنفسهم أطلقوا على المسيح ألقابًا تعكس ألوهيته بوضوح، مثل «ابن الله الحي» (متى 16:16)، و«معادلًا لله»، و«رب»، و«أسقف نفوسنا»، و«رئيس الحياة». وغيرها من الالقاب الكثيرة الصريحة الواضحة التي تشهد لالوهية المسيح، وهذه الألقاب لا يمكن أن تُقال عن إنسان مخلوق، بل عن كلمة الله الظاهر في الجسد، غير المنفصل عن الآب كما لا ينفصل البهاء عن النور. ومن هنا يظهر خطأ الأريوسيين والمشككين الذين يقتطعون نصوصًا منفردة لبناء تصور مشوّه، فيما يقدمه أثناسيوس كميزان كاشف لهذا الأسلوب في جذوره التاريخية.

ومن هنا يكشف أثناسيوس خطأ الأريوسيين، الذين اقتطعوا من تعليم الرسل ما يوافق فكرهم، وتركوا باقي الشهادة الرسولية، فكوّنوا تعليمًا مشوّهًا. فالتركيز على الألفاظ التي تشير إلى ناسوت المسيح دون النظر إلى مجمل ما قيل عنه، هو إساءة لاستخدام الكتاب المقدس، لأن الحق لا يُعرف من جزء معزول، بل من الشهادة الكاملة التي قدّمها الرسل عن المسيح الواحد.

ويختم أثناسيوس فكره بالتأكيد أن الرسل لم ينادوا قط بمسيحٍ مجرد إنسان، ولا تراجعوا عن إيمانهم بلاهوته، بل أعلنوا المسيح بحسب التدبير حين اقتضى الأمر، وبحسب مجده الإلهي حين حان الوقت. لذلك فإن الزعم بأن الرسل نادوا فقط بإنسانية يسوع لا يقوم على تعليمهم الحقيقي، بل على قراءة انتقائية مبتورة ومضلِّلة، وهو المنهج ذاته الذي أعاد إنتاج الضلال قديمًا، ويستمر في نشر الضلالة الايمانية في كل زمان ومكان وقيادة البعض الى تحريف الفهم الصحيح لطبيعة المسيح.

الخلاصة:

الرسل لم ينكروا ألوهية المسيح عندما تكلموا عنه كإنسان، بل أعلنوا تجسده بحكمة تدبيرية، وقادوا السامعين تدريجيًا إلى الإيمان بلاهوته. أمّا الذين يقتطعون من أقوال الرسل من سياقها الكرازي والتدبيري لتوظيفها في دعم تصوّرات عقائدية مشوّهة، فإنهم يتجاهلون الشهادة الرسولية الكاملة، التي تؤكد في آنٍ واحد حقيقة تجسد المسيح وإنسانيته، ولاهوته من حيث الجوهر، ويتغافلون عمدًا عن جميع النصوص الصريحة الواضحة التي أكّد فيها الرسل ألوهية السيد المسيح .وهذا يوضح خطر المنهج الانتقائي الذي يقتطع النصوص من سياقها لبناء مفاهيم مغلوطة، كما فعل الأريوسيون قديمًا، ويكرره اليوم بعض المشككين وأتباع من على شاكلتهم، محاولةً تشويه الحقائق اللاهوتية نفسها التي أعلنها الرسل بكل وضوح.

ليكون للبركة

Patricia Michael