يقول:
[كما ان النفس في الانسان لا تُرى لانها غير منقسمة في البشر، ولكنها تُعرف من خلال حركة الجسد، هكذا يجوز لنا ان نقول ان الله لا يُرى بعيون البشر، لكنه يُرى ويُعرف من خلال عنايته وأعماله. فكما عندما يلحظ المرء سفينةً في البحر، مجهّزة ، وتبحر عائدة الى الميناء، فيستنتج المرء بوضوح انه يوجد بداخلها قبطان يديرها، هكذا لا بد ان يفترض ان قبطان الكون هو الله، حتى وان لم يُرَ بالعيون المجردة، لانه غير المحوى. اذا لم يكن بمقدور الانسان ان يحملق في الشمس، بالرغم من كوها نجما صغيرا للغاية، بسبب حرارتها وقوتها الهائلتين، فكم بالحري حالة انسان فانٍ ليس بمقدوره ان يرى مجد الله غير المعُبّر عنه!ومثل ثمرة الرمان لها قشرة تحيط بها، وداخلها الكثير من الحجرات الصغيرة والمخازن، التي يفصل بينها الاغشية وبها الكثير من البذور تسكن داخلها ، هكذا الخليقة كلها محاطة بروح الله، والروح المحيط مع الخليقة تكتنفها يد الله. ومثل بذرة (حبّة) الرمان ، الساكنة بالداخل التي لا تقدر ان ترى ما هو خارج القشرة، لانه هي ذاتها في الداخل، هكذا الانسان الذي مع الخليقة كلها تكتنفه يد الله لا يقدر ان يرى الله .يؤمن الناس بوجود ملك على الارض حتى اذا لم يره الجميع; فهو يُعرف بواسطة تشريعاته ووصاياه وسلطاته قواه وصوره. هل ان غير مستعد لمعرفة الله من خلال اعماله وقواه ؟]
يُعد عمل ثيؤفيلوس الأنطاكي "الرد على أوتوليكوس" من أقدم الأعمال الدفاعية المسيحية التي كُتبت في القرن الثاني الميلادي. في هذا العمل، يواجه ثيؤفيلوس شكوك أوتوليكوس، وهو شخص وثني متشكك في العقيدة المسيحية، من خلال تقديم حجة عقلية قائمة على النظام الكوني ووجود الله.
هذا الاقتباس يحمل في طياته أبعادًا دفاعية ولاهوتية عميقة، يعكس المنهج الدفاعي الذي استخدمه ثيؤفيلوس، وهو الاستدلال العقلي على وجود الله من خلال الطبيعة والتشبيه بالأمثلة الحسية. هذا الأسلوب كان شائعًا لدى المدافعين المسيحيين الأوائل مثل يوستينوس الشهيد وإيريناوس، حيث سعوا إلى إثبات وجود الله انطلاقًا من النظام المحكم في الكون، وهو ما يمكن اعتباره أحد أقدم أشكال الحجة الغائية (Teleological Argument).
التشبيهات المستخدمة لتوضيح الحجة الغائية
السفينة وقبطانها:
يقدّم ثيؤفيلوس مثالاً لسفينة في البحر، مجهّزة وتبحر عائدة إلى الميناء، فيستنتج أن هناك قائدًا أو قبطانًا يديرها، رغم أن الإنسان لا يستطيع رؤيته. بهذه الطريقة، يرى ثيؤفيلوس أن الكون المنظم يدل على وجود مدبّر هو الله، على الرغم من عدم قدرة الإنسان على رؤيته مباشرة.
الشمس ومحدودية الرؤية البشرية:
في هذا التشبيه، يشير ثيؤفيلوس إلى أن الإنسان لا يستطيع النظر مباشرة إلى الشمس بسبب قوتها وضوءها الساطع، وبالتالي لا يمكنه إدراك مجد الله بنفس الطريقة، رغم أنه لا يُمكن إنكار وجوده. هذا التشبيه يُظهر كيف أن عظمة الله تتجاوز إدراك الإنسان المحدود.
ثمرة الرمان والاحاطة الالهية :
يعبر عن احتواء الخليقة داخل تدبير الله، ويشير إلى الروح الإلهية التي تملأ الكون. يُستخدم التشبيه بالثمرة لإظهار كيف أن الإنسان محاط بالله وبعنايته، ولكنه لا يستطيع رؤيته أو إدراكه بشكل مباشر. كما أن البذور داخل ثمرة الرمان لا تستطيع رؤية ما هو خارج القشرة، كذلك الإنسان لا يستطيع أن يرى الله بشكل كامل، بل يعيش في العالم الذي يملأه تدبير الله وحكمته.
تُعد ثمرة الرمان تمثيلًا جميلاً لوجود الله المحيط بالعالم. فالقشرة الخارجية للرمان تمثل الحدود المادية التي تفصل الإنسان عن الله، في حين أن البذور داخل الثمرة تمثل البشرية التي تعيش ضمن النظام الكوني الذي أوجده الله. الأغشية الداخلية التي تفصل البذور داخل الثمرة قد ترمز إلى تدبير الله في العالم والنواميس الإلهية التي تنظم وجود الخليقة.
فكرة "الرؤية الروحية" و"عدم رؤية الله في جوهره"
يؤكد ثيؤفيلوس أن الله لا يُرى بالعيون الجسدية، بل يُعرف من خلال أعماله وعنايته بالعالم. هذا يتوافق مع ما ورد في الكتاب المقدس، حيث يقول: "الله لم يره أحد قط" (يوحنا 1: 18). الفكرة اللاهوتية هنا تتماشى مع مفهوم اللاهوت السلبي (Apophatic Theology)، الذي يفيد بأن الله لا يمكن إدراكه بالكامل بالعقل البشري، ولكن يمكن معرفته من خلال آثاره في الخليقة.
مفهوم الصعود اللانهائي (Epektasis)
يؤكد ثيؤفيلوس على فكرة أنه كما لا يستطيع الإنسان النظر مباشرة إلى الشمس بسبب قوتها، كذلك لا يمكنه رؤية الله بالكامل بسبب عظمته. هذا يتماشى مع تعليمات العهد القديم، حيث لم يستطع موسى أن يرى وجه الله "وَقَالَ: «لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ»." (خر 33: 20). هذه الفكرة تجد صدىً في لاهوت القديس غريغوريوس النيصي، الذي أكد أن الإنسان في سعيه نحو الله لا يصل إلى إدراك كامل لله، بل يظل في حالة من الصعود الروحي المستمر.
يرتبط هذا المفهوم بفكرة "التقدم المستمر نحو الله"، الإنسان لا يستطيع الوصول إلى إدراك كامل لله، لأن الله غير محدود. لكن هذا لا يعني أن الإنسان يبقى جامدًا أو غير قادر على التقدم في معرفته لله.بل على العكس، الحياة الروحية هي رحلة دائمة نحو الله، حيث كلما تقدم الإنسان خطوة، أدرك أن هناك المزيد ليستكشفه.مفهوم Epektasis يعني أن الإنسان لا يصل إلى نقطة نهائية في معرفته لله، بل يبقى في حالة دائمة من النمو الروحي والتقدم نحوه. هذه الفكرة تتماشى مع فكر آباء الكنيسة، ، وتظهر بوادرها المبكرة في أفكار ثيؤفيلوس الأنطاكي عن استحالة إدراك الله بالكامل من داخل الخليقة.
يشبّه ايضا ثيؤفيلوس الله بالملك الذي لا يراه الناس مباشرة، لكنهم يدركون وجوده من خلال قوانينه وسلطته وتشريعاته.
الخاتمة
ثيؤفيلوس يقدم حجة دفاعية متماسكة تعتمد على التشبيه والاستدلال من الطبيعة لإثبات وجود الله، إن فكر ثيؤفيلوس الأنطاكي في "الرد على أوتوليكوس" يقدّم رؤية لاهوتية دفاعية عميقة تربط بين معرفة الله وحضوره في العالم، مع التأكيد على أن إدراك الإنسان لله محدود بسبب عظمته اللامحدودة. من خلال تشبيهاته، يعرض ثيؤفيلوس فكرة أن الله موجود في الكون بطرق متعددة ومتنوعة، وأنه يُمكن للإنسان أن يعي وجوده من خلال أعماله وعنايته بالعالم، رغم أن معرفة الله بالكامل تبقى مستحيلة في ظل الحدود البشرية.
هذه الأفكار تتناغم مع الدفاعيات المسيحية الكلاسيكية التي ترى في الكون برهانًا على الله.
في النهاية، يقدم لنا ثيؤفيلوس صورة متكاملة تجمع بين الحكمة الإلهية والتدبير الإلهي الذي يحيط بالخليقة كلها، ويؤكد أن الله، رغم أنه لا يُرى بالعيون الجسدية، هو مدرك من خلال أعماله وعنايته المستمرة. إن هذه الأفكار تعد حجر الزاوية لفهم العلاقة بين الله والخليقة في اللاهوت المسيحي، وتعكس الأسس التي قام عليها الفكر الدفاعي المسيحي في مواجهة التشكيك الوثني.
ليكون للبركة