رد أوريجانوس على ادّعاء كلسس بشأن موقف التلاميذ اثناء حَدَث صلب المسيح.

Patricia Michael

 

ولكن لاحظوا السطحية في حجته بخصوص التلاميذ الأوائل ليسوع، حيث يقول:

"علاوة على ذلك، فإن الذين كانوا رفقاءه أثناء حياته، والذين استمعوا إلى صوته، وتمتعوا بتعاليمه كمعلم لهم، عندما رأوه خاضعًا للعقاب والموت، لم يموتوا معه، ولا من أجله، ولم يُحفَّزوا حتى على احتقار العقاب، بل أنكروا حتى أنهم كانوا تلاميذه، بينما أنتم الآن تموتون معه."

وهنا يفترض أن الخطية التي ارتكبها التلاميذ عندما كانوا لا يزالون مبتدئين وغير كاملين، والتي سُجلت في الأناجيل، قد حدثت بالفعل، لكي يكون لديه مادة لاتهام الإنجيل. ولكنه يمر بصمت على سلوكهم المستقيم بعد خطيئتهم، حينما تصرفوا بشجاعة أمام اليهود، وعانوا من قسوتهم التي لا تُحصى، وانتهى بهم المطاف بالموت من أجل المسيح.

إذ لم يُرِد أن يسمع كلمات يسوع عندما تنبأ لبطرس قائلاً: "وَلكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ، وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ».""، والتي يضيف إليها الكتاب المقدس: ""قَالَ هذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يُمَجِّدَ اللهَ بِهَا. كما أنه لم يلتفت إلى كيف أن يعقوب أخا يوحنا – وهو رسول وأخو رسول – قد قُتل بالسيف على يد هيرودس بسبب الايمان بالمسيح؛ ولا حتى إلى العديد من المواقف التي أظهر فيها بطرس وسائر الرسل شجاعة بسبب الإنجيل، وكيف أنهم خرجوا من محضر السنهدرين بعد أن جُلدوا، فرحين لأنهم حُسبوا مستحقين أن يُهانوا من أجل اسمه، متجاوزين بذلك العديد من الأمثلة التي سردها اليونانيون عن صلابة وشجاعة فلاسفتهم.

منذ البداية، إذن، كان هذا مغروسًا كوصية من يسوع بين سامعيه، تُعلِّم الناس أن يحتقروا الحياة التي يسعى إليها الجمهور بشغف، وأن يكونوا جادّين في عيش الحياة التي تشبه حياة الله."

Origen, Contra Celsum, Book II, Chapter XLV

هذا النص جزء من كتاب Contra Celsum (ضد كلسس)، الذي ألفه أوريجانوس في القرن الثالث الميلادي ردًا على كتاب الفيلسوف الوثني كلسس The True Doctrine (العقيدة الحقيقية). كلسس كان من أوائل النقاد الفلسفيين للمسيحية، واعتمد على حجج عقلانية وهجومية ضد العقيدة المسيحية، ومن بينها انتقاده لتصرفات التلاميذ أثناء صلب المسيح.

في هذا الفصل، يرد أوريجانوس على اتهام كلسس بأن تلاميذ المسيح لم يكونوا شجعانًا ولم يموتوا معه، بل أنكروه، في حين أن المسيحيين في عصره كانوا يقبلون الموت من أجله.

نص أوريجانوس في Contra Celsum II.45 هو رد ذكي على انتقادات كلسس، حيث يعيد صياغة رواية إنكار التلاميذ بطريقة تُظهر تطورهم الروحي وتحولهم إلى شهداء للإيمان. كما يبرز تفوق المسيحية على الفلسفة الوثنية من حيث الشجاعة والثبات، مما يجعل دفاعه ليس مجرد تبرير، بل هجومًا مضادًا على الفكر الوثني.

هذا النص لا يزال ذا أهمية كبيرة في دراسات الدفاعيات المسيحية، حيث يُظهر كيف واجه المفكرون المسيحيون الأوائل التحديات الفكرية لعصرهم بأسلوب يجمع بين الفلسفة، واللاهوت، والتاريخ.

تحليل مضمون النص

أ. نقد حجة كلسس حول تخاذل التلاميذ

يلاحظ أوريجانوس أن كلسس يعتمد على حادثة ضعف التلاميذ أثناء محاكمة المسيح لاتهام المسيحية بعدم الاتساق. لكنه يتجاهل السياق التاريخي والتطور الروحي للتلاميذ، حيث أنهم بعد القيامة تحولوا إلى شهود أقوياء للإنجيل.

ب. الشهادة والاستشهاد في المسيحية المبكرة

أوريجانوس يشير إلى أن إنكار التلاميذ للمسيح في البداية كان ناتجًا عن عدم النضوج الروحي، لكن بعد القيامة امتلأوا بالقوة، كما يتضح من:

1-نبوة يسوع عن موت بطرس: يستشهد أوريجانوس بيوحنا 21:18-19، حيث يتنبأ يسوع بأن بطرس سيموت مصلوبًا من أجل مجد الله.

2-استشهاد يعقوب بن زبدي: يشير إلى أعمال الرسل 12:2، حيث قتل هيرودس يعقوب بالسيف.

3-شجاعة الرسل أمام المجمع اليهودي: يستشهد بسفر أعمال الرسل 5 : 41، حيث فرح التلاميذ لأنهم حُسبوا مستحقين أن يُهانوا من أجل اسم المسيح.

يشير أوريجانوس إلى أن التلاميذ لم يكونوا ليجازفوا بحياتهم ويتحملوا الاضطهادات لو لم يكونوا مقتنعين بصدق ما رأوه وشهدوه، أي قيامة المسيح وألوهيته.

هذا يوجه ضربة لادعاء كلسس بأن التلاميذ ربما كانوا مخدوعين أو نشروا الأكاذيب، لأن من غير المعقول أن يكرّسوا حياتهم لخداع لا يعود عليهم بأي منفعة بل يعرضهم للموت.

ج. التفوق الأخلاقي للمسيحيين على الفلاسفة اليونانيين

يستخدم أوريجانوس مقاربة جدلية بمقارنة استشهاد المسيحيين بشجاعة الفلاسفة اليونانيين، مشيرًا إلى أن المسيحيين يتفوقون في الثبات على المبدأ والاستعداد للتضحية.

يدعو أوريجانوس منتقدي المسيحية إلى مقارنة موت المسيح بتقاليد الشعوب المختلفة حول أفراد قدموا حياتهم من أجل إنقاذ أوطانهم من الكوارث مثل الأوبئة والمجاعات وفي الحروب.

هذا التشبيه يستخدم منطقًا مألوفًا لدى الوثنيين، حيث يُظهِر أن فكرة الموت الاختياري من أجل الآخرين ليست غريبة، فلماذا تُرفض فقط عندما تُنسب إلى المسيح؟

الأبعاد اللاهوتية والفلسفية

أ. فكرة النضوج الروحي

أوريجانوس يرى أن إيمان التلاميذ كان في مرحلة غير ناضجة أثناء الصلب، لكنهم تطوروا بعد القيامة وأصبحوا شهداء للإيمان. هذه النظرة تتفق مع فهمه التدريجي للنمو الروحي في الفكر المسيحي.

ب. مفهوم الاستشهاد في المسيحية

يرى أوريجانوس أن الشهادة للمسيح هي أسمى أشكال محاكاة حياة الله، وهذا يعكس المفهوم المسيحي المبكر للاستشهاد كوسيلة لتمجيد الله وليس مجرد فعل بطولي.

ج. الرد على كلسس من داخل الفلسفة الوثنية

أوريجانوس يستخدم حججًا مستمدة من الفكر الوثني نفسه، حيث يشير إلى أن المسيحيين أكثر شجاعة من الفلاسفة، مما يجعله أكثر إقناعًا للجمهور الوثني.

أهمية النص في دراسات الدفاعيات المسيحية

يعتبر هذا النص مثالًا على منهج أوريجانوس في الدفاعيات، حيث ظل هذا النموذج مؤثرًا في تاريخ الدفاعيات، واعتمده آباء الكنيسة اللاحقون ، وأصبح أساسًا في الرد على انتقادات الوثنيين للمسيحية.

ختاما نستطيع القول بأنّ أوريجانوس يقدم دفاعًا عقلانيًا ومنهجيًا ضد انتقادات كلسس، مستخدمًا أدلة تاريخية وعقلية وروحية. حججه تعتمد على استعداد التلاميذ للموت، وجود نماذج تاريخية للتضحية، الدور الروحي للمسيح، والطبيعة الإلهية لحكمته وتعاليمه.

ليكون للبركة

Patricia Michael