قيافا في كتابات العهد الجديد والمصادر التاريخية
"وَالَّذِينَ أَمْسَكُوا يَسُوعَ مَضَوْا بِهِ إِلَى قَيَافَا رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، حَيْثُ اجْتَمَعَ الْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ." (مت 26: 57).
لعب قيافا دورًا مهمًا في احداث صلب السيد المسيح، إذ شغل منصب رئيس الكهنة الذي ترأس المحاكمة التي أدت إلى إدانة يسوع. وتستند مصادرنا الرئيسية المتعلقة بحياة قيافا الى العهد الجديد، وكتابات يوسيفوس، والاكتشافات الأثرية.
قيافا كرئيس للكهنة
في عام 18 ميلادية، قام الحاكم الروماني فاليريوس غراتوس بعزل سمعان بن كاميثوس من منصب رئيس الكهنة، وعيّن قيافا ليشغل هذا المنصب.¹ وكان قيافا صهر حنّان (يوحنا 18 : 13 )، وهو رجل قوي النفوذ شغل منصب رئيس الكهنة من الاعوام 6 إلى 15 ميلادية. وحتى بعد عزل حنّان، احتفظ بنفوذ كبير، إذ إن خمسة من أبنائه²، بالإضافة إلى صهره قيافا، خدموا جميعًا كرؤساء للكهنة في أوقات مختلفة. وينعكس هذا في حقيقة أنه بعد القبض على يسوع، أُخذ أولًا إلى حنّان (يوحنا 13:18 ) ثم إلى قيافا (يوحنا 18:24).
ووفقًا ليوسيفوس، كان اسمه الشخصي «يوسف، الذي يُدعى أيضًا قيافا».³ وقد شغل منصب رئيس الكهنة لفترة طويلة بشكل ملحوظ؛ فعندما خَلَف بيلاطس البنطي غراتوس، بقي قيافا في منصبه. وفي النهاية، عُزل كلٌّ من قيافا وبيلاطس البنطي على يد لوسيوس فيتليوس، حاكم سوريا، في عام 37 ميلادية.⁴
وبناءً على هذا التسلسل الزمني، فإن قيافا الذي يذكره يوسيفوس كرئيس للكهنة في أورشليم، وقيافا المذكور في روايات الأناجيل (متى 26:3؛ لوقا 3:2؛ يوحنا 18:13)، لا بد أن يكونا نفس الشخص.⁵
قيافا ومحاكمة يسوع
تم التخطيط للقبض على يسوع وقتله في بيت يوسف قيافا. يذكر انجيل متى: "حِينَئِذٍ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَشُيُوخُ الشَّعْبِ إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ الَّذِي يُدْعَى قَيَافَا، وَتَشَاوَرُوا لِكَيْ يُمْسِكُوا يَسُوعَ بِمَكْرٍ وَيَقْتُلُوهُ. وَلكِنَّهُمْ قَالُوا: «لَيْسَ فِي الْعِيدِ لِئَلاَّ يَكُونَ شَغَبٌ فِي الشَّعْبِ»." (مت 26: 3-5).
وبينما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يناقشون كيفية التخلص من يسوع للحفاظ على مكانتهم، قال قيافا: « خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلَا تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا!»" (يو 11: 50). » (يوحنا11 : 50 ). ومن المفارقة أنه تنبأ دون أن يدري بأن يسوع سيموت عن الشعب (يوحنا 11 : 51 ؛ 18 : 14 ).
وَلَمْ يَقُلْ هَذَا مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ إِذْ كَانَ رَئِيسًا لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ الأُمَّةِ (يوحنا 11 : 51)
وَكَانَ قَيَافَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَى الْيَهُودِ أَنَّهُ خَيْرٌ أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ. (يوحنا 18 : 14 )
ورغم ترددهم في التحرك ضد يسوع خلال الفصح، قرروا في النهاية المخاطرة بذلك بعد أن قدم لهم يهوذا فرصة لخيانته سيده (متى26 :14-16). وربما اعتقدوا أنه بوجود شخص من الداخل يمكنهم القبض على يسوع بهدوء وتجنب إثارة شغب بين الناس.
وفي نهاية المطاف، أُخذ يسوع إلى دار قيافا، حيث بدأت المرحلة الأولى من المحاكمات الدينية التي أجراها اليهود. وقد تعرّض السيد المسيح لستّ محاكمات: ثلاث دينية وثلاث مدنية.
أولاً: مراحل المحاكمة الدينية اليهودية :
المرحلة الأولى : أمام حنان [يوحنا 18: 12-14 ، 24].
المرحلة الثانية : أمام قيافا [متى 26: 57-68].
المرحلة الثالثة : أمام المجمع اليهودي الأعى [متى 27: 1-2].
وخلال المحاكمة أمام قيافا، وجّه رئيس الكهنة السؤال الحاسم ليسوع، كما يذكر إنجيل متى:
فَأَجَابَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: «أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَابِ
(متى 26 : 63 - 66 ).
وبعد أن حكم القادة اليهود بأن يسوع مستحق للموت، اقتادوه إلى الحاكم الروماني بيلاطس البنطي ليطلبوا تنفيذ هذا الحكم (متى 27 : 2).
ثانياً: مراحل المحاكمة المدنية الرومانية
المرحلة الأولى: أمام بيلاطس [يوحنا 18: 28-38].
المرحلة الثانية : أمام هيرودس [لوقا 23: 6-12].
المرحلة الثالثة : أمام بيلاطس مرة أخرى [يوحنا 18: 39 - يوحنا 19: 16]
الأدلة الأثرية على وجود قيافا كشخصية تاريخية: أهم الاكتشافات
-عملة لفاليريوس غراتوس، الحاكم الروماني الذي عيّن قيافا رئيسًا للكهنة.
-صورة لوسيوس فيتليوس على عملة تمّ سكّها بواسطة ابنه.
-الصندوق العظمي المزخرف الخاص بقيافا، أحد أبرز القطع الأثرية التي تنتمي إلى عائلة قيافا.
-النقش على جانب الصندوق العظمي، ويقرأ: «يوسف بن قيافا».
-النقش على صندوق عظمي آخر، ويقرأ: «مريم ابنة يشوع بن قيافا، كهنة من معزية من بيت عمري».
-صورة من عام 1979 تظهر السلالم القديمة الممتدة من بركة سلوام، مرورًا بكنيسة «بطرس عند صياح الديك»، وصولًا إلى الجزء الأعلى من المدينة العليا في أورشليم. وتشير المصادر إلى أن “المدينة العليا” كانت الجزء الأعلى من أورشليم في العهد الروماني، المعروف بـ Upper City. في تلك الفترة، كانت المدينة مقسمة إلى جزأين: المدينة العليا (Upper City) والمدينة السفلى (Lower City).
كانت المدينة العليا تقع على تلة مرتفعة، وتضم مناطق سكنية راقية تحتوي على بيوت كبار المسؤولين وبعض الكهنة والنخبة اليهودية، بما في ذلك منازل قد تكون مرتبطة بقيافا وعائلته. وفي السياق التاريخي للأثر، كانت هذه السلالم وسيلة الوصول إلى هذه الأحياء العليا حيث تقع القصور والمنازل المهمة.
تفاصيل الاكتشافات الاثرية:
في عام 1990، تم اكتشاف قبر أثناء أعمال البناء في غابة السلام في أورشليم. وتم استدعاء علماء الآثار، فقاموا بحفر قبر وجدوا فيه ستة صناديق عظمية سليمة (وهي صناديق من الحجر الجيري تُستخدم لوضع عظام الموتى بعد تحلل الجسد)، بالإضافة إلى شظايا ستة أخرى. واستنادًا إلى الصناديق نفسها، وكذلك إلى الفخار والمصابيح الزيتية وإناء زجاجي وعملة لهيرودس أغريباس (سُكَّت حوالي عام 37–44 م)، قام الخبراء بتأريخ القبر إلى القرن الأول الميلادي.⁶
أحد هذه الصناديق كان أكثر زخرفة من غيره، ومزيّنًا بزخارف وردية ونقوش نباتية. وعلى الخلف وأحد الجوانب نُقشت عبارة: «يوسف بن قيافا».⁷ ويلاحظ روني رايش Ronny Reich : «إن اسم يوسف بن قيافا لا يعني بالضرورة أن قيافا كان والد يوسف. فقد يشير قيافا ببساطة إلى لقب عائلي. وبالتالي يمكن فهم النقش على أنه يوسف من عائلة قيافا».⁸
وقد وُجدت داخل هذا الصندوق المزخرف عظام ستة أشخاص مختلفين: رضيعان، وطفل (2–5 سنوات)، وصبي مراهق، وامرأة بالغة، ورجل قُدّر عمره بحوالي 60 عامًا.⁹ ويعتقد العديد من العلماء أن هذا الصندوق كان يخص يوسف قيافا، رئيس الكهنة الذي ترأس المحاكمة الدينية ليسوع. وإذا كان الأمر كذلك، فقد تكون عظام الرجل البالغ من العمر 60 عامًا هي بقايا قيافا نفسه.
كما تم العثور على صندوق آخر أقل زخرفة في القبر يحمل أيضًا اسم قيافا. وقد احتوى على عظام خمسة أشخاص، لكن لم يكن من بينهم رجل مسن.¹⁰
ومن المثير للاهتمام أنه تم العثور على مسمارين حديديين في القبر: أحدهما في الكُوّة التي وُجد فيها «صندوق قيافا»، والآخر داخل صندوق غير محدد. يشير تقرير التنقيب إلى انه: «من الممكن أن تكون هذه المسامير قد استُخدمت لنقش الصناديق بعد وضع العظام فيها… وربما حتى بعد وضع بعض الصناديق داخل الكُوَى».¹¹
وفي عام 2011، أعلنت سلطة الآثار الإسرائيلية (IAA) أنها قامت بتوثيق صندوق عظام آخر يحمل اسم قيافا.¹² وقد زُعم أن هذه القطعة جاءت من كهف دفن في منطقة وادي إيلاه. وبما أنه لم يتم اكتشافها ضمن سياق أثري منضبط، شكّلت السلطة فريقًا لتحديد أصالتها. وبناءً على طبقة التكلس (الباتينا patina) والنقش، تم اعتبار الصندوق أصليًا. ويحمل النقش على الواجهة عبارة: «مريم ابنة يشوع بن قيافا، كهنة [من] معزية من بيت عمري».
“Miriam Daughter of Yeshua Son of Caiaphas, Priests [of] Ma’aziah from Beth ’Imri.”
ووفقًا لبوعز زيسو ويوفال غورين: Boaz Zissu and Yuval Goren
«تشير صياغة النقش إلى أن قيافا — والد يشوع وجد مريم — كان عضوًا في عائلة كهنوتية بارزة نشطة في القرن الأول الميلادي… وقد أصبح أحد أفراد هذه العائلة، رئيس الكهنة يوسف بن قيافا، مشهورًا بسبب دوره في محاكمة وصلب يسوع».¹³ ومن المحتمل أن يكون هذا الصندوق لحفيدة قيافا.
أما موقع قصر قيافا، حيث حوكم يسوع وأنكر بطرس سيده، فقد ظل موضع جدل لسنوات عديدة. ووفقًا للتقليد الكاثوليكي، يقع بيت قيافا في موقع كنيسة بطرس في جاليكانتو (Church of Petrus in Gallicantu)، ويُعرف تقليديًا في العربية باسم «بطرس عند صياح الديك»، نسبةً إلى الحدث الذي أنكر فيه بطرس يسوع قبل الصلب. تقع الكنيسة على المنحدر الشرقي لجبل صهيون، وتوجد درجات حجرية قديمة تمتد من بركة سلوام وصولًا إلى هذا الموقع، والتي كانت تستخدم تاريخيًا للوصول إلى المنطقة العليا من المدينة.
ويرى بعض الباحثين أن بيت قيافا كان يقع ضمن أراضي دير المخلّص على جبل صهيون. وكلا الموقعين يحتويان على أدلة أثرية تعود على الأقل إلى العصر البيزنطي. بينما يقترح آخرون أن بيت قيافا قد يكون موجودًا في موقع آخر على جبل صهيون، أو بالقرب من مجموعة من قصور الكهنة في الحي اليهودي بالبلدة القديمة في أورشليم. والحقيقة أن موقع سكن قيافا الدقيق لا يزال غير معروف.
الخاتمة
لقد تم إثبات تاريخية رئيس الكهنة قيافا، الذي أشرف على المحاكمة الدينية التي حُكم فيها على يسوع بالموت، من خلال الأدلة الكتابية والأثرية. ومن أجل أن يحتفظ بمنصبه هذه المدة الطويلة، لا بد أنه كان سياسيًا محنكاً، خاصة بالنظر إلى علاقاته مع حاكمين رومانيين خلال فترة خدمته. كما يشير صندوق عظام قيافا، الذي يُعد من أكثر الصناديق زخرفة التي تم اكتشافها في إسرائيل، إلى ثراء عائلته وامتداد نفوذها الكهنوتي عبر الأجيال، مما يوضح دوره في الأحداث التي أحاطت بالمسيح ومحاكمة الصلب.
1. Josephus, Antiquities, 18.2.2.
2. Josephus, Antiquities, 18.4.3.
3. Josephus, Antiquities, 20.9.1.
4. Josephus, Antiquities, 18.4.3.
5. Lawrence Mykytiuk, “New Testament Figures Confirmed,” Biblical Archaeology Review, Summer 2021.
6. Zvi Greenhut, “The ‘Caiaphas’ Tomb in North Talpiyot, Jerusalem,” ’Atiqot 21 (1992), pp. 68–70.
7. Ronny Reich, “Caiaphas Name Inscribed on Bone Boxes,” Biblical Archaeology Review, September/October 1992.
8. Ronny Reich, Ibid.
9. Zvi Greenhut, “Burial Cave of the Caiaphas Family,” Biblical Archaeology Review, September/October 1992.
10. Zvi Greenhut, Ibid.
11. Zvi Greenhut, “The ‘Caiaphas’ Tomb in North Talpiyot, Jerusalem,” ’Atiqot 21 (1992), p. 63.
12. Israel Antiquities Authority, “Ossuary Belonging to a Daughter of the Caiaphas Family of High Priests was Discovered,” June 2011.
13. Boaz Zissu and Yuval Goren, “The Ossuary of ‘Miriam Daughter of Yeshua Son of Caiaphas, Priests [of] Maʿaziah from Beth ʾImri,’” Israel Exploration Journal 61, no. 1 (2011), p. 79.
14. Danny the Digger, “Where Did Caiaphas Interrogate Jesus?”