البنية اللاهوتية المترابطة وقانون العهدين
مقدمة
هذِهِ أَكْتُبُهَا الآنَ إِلَيْكُمْ رِسَالَةً ثَانِيَةً أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، فِيهِمَا أُنْهِضُ بِالتَّذْكِرَةِ ذِهْنَكُمُ النَّقِيَّ،2 لِتَذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا الأَنْبِيَاءُ الْقِدِّيسُونَ، وَوَصِيَّتَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ، وَصِيَّةَ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ.رسالة بطرس الرسول الثانية 3 : 1 - 2
يسعى هذا المقال إلى توضيح فكرة لاهوتية أساسية تتعلّق بمصدر الوحي وسلطة الكتاب المقدّس في المسيحية . وتنطلق هذه الفكرة من ملاحظة أن النصوص الرسولية، وبخاصة رسالة بطرس الثانية، لا تنظر إلى الوحي الإلهي بوصفه صادرًا عن مصدر واحد فقط، بل عن بنيتين مترابطتين ومتكاملتين. الأولى تتمثّل في أنبياء العهد القديم الذين أعلنوا كلمة الله قبل مجيء المسيح، والثانية في رسل العهد الجديد الذين نقلوا تعليم يسوع المسيح، أي الإنجيل، إلى الكنيسة الأولى.
ويُطلق بعض الباحثين المعاصرين على هذا التصوّر مصطلح Bi-covenantal Canon، وهو مصطلح يمكن التعبير عنه بعبارة «قانون العهدين»، إذ يشير إلى أن الكتاب المقدّس يقوم على وحي إلهي تمّ عبر عهدين متكاملين لا متعارضين.
ويستند هذا الطرح بصورة خاصة إلى نص 2 بطرس 3 : 1 - 2، حيث يضع بطرس الرسول «كلمات الأنبياء القديسين» و«وصية الرب والمخلّص التي نقلها الرسل» جنبًا إلى جنب، ويطالب المؤمنين بتذكّرهما معًا. هذا التوازي النصي يكشف عن رؤية لاهوتية ترى أن الوحي الإلهي قد جاء على مرحلتين: مرحلة أولى عبر الأنبياء، ومرحلة ثانية عبر الرسل الذين حملوا رسالة السيد المسيح. ومن ثمّ، لا يمكن فصل العهد الجديد عن العهد القديم، ولا الرسل عن الأنبياء، لأن الاثنين يشكّلان معًا أساس السلطة الكتابية.
وانطلاقًا من هذا الإطار، يعرض هذا المقال مفهوم «قانون العهدين» كما يتّضح في رسالة بطرس الثانية، مبيّنًا الأساس الكتابي واللاهوتي له، ودلالاته في فهم وحدة الكتاب المقدّس.
أولًا: معنى «قانون العهدين»
يقصد بمفهوم قانون العهدين أن سلطة الكتاب المقدّس في المسيحية لا تقوم على مجموعة واحدة من النصوص فقط، بل على مصدرين مترابطين للوحي الإلهي:
أنبياء العهد القديم، الذين نُقلت من خلالهم كلمات الله قبل مجيء المسيح.
فكرة توضيحية: الأنبياء يشبهون الأساس الذي وُضع قبل بناء البيت؛ فهم أعلنوا مشيئة الله ووعوده وخطته الخلاصية مسبقًا، ومهّدوا الطريق لفهم عمل المسيح لاحقًا.
رسل العهد الجديد، الذين نقلوا تعليم يسوع المسيح وفسّروا معناه للكنيسة الأولى.
فكرة توضيحية: الرسل يشبهون الشهود الموثوقين الذين عاينوا الحدث المركزي (حياة المسيح وتعليمه وقيامته) ونقلوه بأمانة إلى الأجيال اللاحقة.
وبذلك، فإن القانون الكتابي المسيحي يتأسس على مرحلتين تاريخيتين ولاهوتيتين من الوحي، مرتبطتين بعهدين إلهيين متكاملين، لا متعارضين.
ثانيًا: الأساس الكتابي لقانون العهدين
يستند هذا المفهوم بشكل خاص إلى نصوص من العهد الجديد، أبرزها 2 بطرس 3:1–2، حيث يضع الكاتب «كلمات الأنبياء القديسين» جنبًا إلى جنب مع «وصية الرب والمخلّص التي نقلها الرسل». هذا الجمع ليس عرضيًا، بل يعكس رؤية لاهوتية واضحة تعتبر أن:
-وحي الله في الماضي (الأنبياء) لا يُلغى.
-وحي الله في الحاضر يصل إلى المؤمنين من خلال الرسل.
وهكذا، يظهر الوحي الإلهي كمشروع واحد متكامل، له مرحلتان زمنيتان لكن سلطة واحدة.
عندما يتعلّق الأمر بدلالاته على قانون الكتاب المقدّس، فمن المؤسف أن نص 2 بطرس 3:1–2 كثيرًا ما تمّ تجاهله. ففي صياغة لافتة، يضع هذا النص الأنبياء والرسل جنبًا إلى جنب بوصفهم مصدرين للوحي الإلهي داخل الحركة المسيحية المبكرة، وبذلك يقدّم صياغة لاهوتية لفكرة قانون قائم على عهدين. ومن هذا المنطلق، يمثّل هذا المقطع أساسًا نصيًا محوريًا لفهم العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد في تشكّل القانون الكتابي.
ثالثًا: الرسل بوصفهم وسطاء لنقل تعليم المسيح
تؤكّد رسالة بطرس الثانية أن الرسل ليسوا مجرد معلّمين عاديين، بل هم الوسيط المعيَّن إلهيًا لنقل تعليم المسيح. فسلطتهم لا تنفصل عن سلطة المسيح نفسه. ولذلك، فإن قبول تعليم يسوع يستلزم قبول شهادة الرسل وكتاباتهم.
ومن هنا، يكتسب العهد الجديد مكانته القانونية، ليس لأنه أحدث زمنيًا، بل لأنه مرتبط مباشرة بشخص المسيح وسلطانه، عبر الرسل الذين أُوكلت إليهم مهمة الشهادة له.
رابعًا: الأنبياء والرسل بوصفهم البنية المُؤسِّسة للعهدين
يرى عدد من الباحثين المعاصرين أن الأنبياء والرسل لا يمثّلون مجرد مرحلتين متتاليتين في تاريخ الوحي، بل يشكّلون البنية اللاهوتية التأسيسية التي من خلالها تبلور مفهوما العهد القديم والعهد الجديد. فالعهدان، بحسب هذا الفهم، ليسا تصنيفين لاحقين فُرضا على النصوص، بل هما انعكاس مباشر لطبيعة الوحي ذاته كما اختبرته الجماعة المسيحية الأولى.
فالأنبياء، في التقليد اليهودي الذي ورثته المسيحية الأولى، كانوا يُنظر إليهم بوصفهم حملة كلمة الله الموحى بها، وكتاباتهم تمتعت بسلطة دينية واضحة قبل ظهور المسيحية بزمن طويل. وعندما بدأت الحركة المسيحية، لم تتعامل مع هذا الإرث بوصفه مرحلة منتهية، بل بوصفه الأساس الذي لا يمكن تجاوزه لفهم عمل الله في التاريخ. ومن هنا، فإن ما سيُعرف لاحقًا بـ«العهد القديم» لم يكن مجموعة نصوص أعيد تقييمها لاحقًا، بل عملاً كتابياً واحداً موحى به قائماً بسلطته داخل الوعي الديني الأولّي للكنيسة.
وفي المقابل، فإن الرسل لم يُنظر إليهم كمفسّرين مستقلّين أو مبتكرين لوحي جديد منفصل، بل كـشهود مخوّلين إلهيًا لنقل تعليم يسوع المسيح وشرح معناه الخلاصي. وتؤكّد نصوص مثل رسالة بطرس الثانية أن سلطة الرسل مستمدّة مباشرة من علاقتهم بالمسيح نفسه، الأمر الذي منح تعليمهم وكتاباتهم مكانة فريدة داخل الجماعة المسيحية المبكرة. ومع مرور الوقت، أصبح هذا التعليم الرسولـي المكتوب يُقرأ ويُتداول بوصفه امتدادًا للوحي الإلهي، لا تعليقًا بشريًا عليه.
وفي هذا الإطار، يشير باحثون مثل Gregory R. Lanier وJ. Nicolas Reid، في دراساتهم حول التفاعل بين النص والسياق والاستقبال الكنسي، إلى أن تشكّل قانون الكتاب المقدّس لا يمكن فصله عن الطريقة التي استقبلت بها الكنيسة الأولى هذه النصوص بوصفها صوتين متكاملين لوحي واحد: الصوت النبوي والصوت الرسولي. فالعهدان لم ينبثقا من قرار تنظيمي متأخر، بل من ممارسة تفسيرية ولاهوتية مبكرة رأت في الأنبياء والرسل معًا الإطار الشرعي الوحيد لفهم إعلان الله.
وبذلك، فإن الحديث عن «قانون العهدين» لا يشير إلى الأنبياء والرسل كمرحلة منفصلة أو كبنية متفككة، بل يؤكد أن العهدين يشكلان التجسيد التاريخي واللاهوتي لوحدة سلطتهم داخل الكتاب المقدس.
خاتمة
يُظهر مفهوم قانون العهدين أن وحدة الكتاب المقدّس ليست وحدة شكلية أو لاحقة فرضتها الكنيسة، بل هي وحدة نابعة من صميم الرؤية الرسولية نفسها لمصدر الوحي. فالأنبياء والرسل لا يمثّلون صوتين متنافسين، بل مرحلتين متكاملتين في إعلان إلهي واحد، يبدأ بالوعد والتهيئة في العهد القديم، ويبلغ ذروته في شخص يسوع المسيح كما نُقل وفسِّر عبر الرسل.
ومن ثمّ، فإن الاعتراف بالعهد القديم والعهد الجديد معًا بوصفهما كتابًا مقدسًا واحدًا يستند إلى أساس لاهوتي كتابي راسخ، لا إلى قرار تاريخي متأخر . إن «قانون العهدين» أو «القانون النبوي-الرسولي» يقدّم إطارًا تفسيريًا متماسكًا لفهم طبيعة الوحي المسيحي، ويؤكّد أن سلطة الكتاب المقدّس تقوم على استمرارية الإعلان الإلهي عبر التاريخ، لا على القطيعة أو الانفصال بين العهدين.
Lanier, Gregory R., and J. Nicolas Reid (eds.). Studies on the Intersection of Text, Paratext, and Reception. Leiden: Brill, 2021.
ليكون للبركة