عمق التعليم الرسولي وخطورة التأويل المنحرف

قراءة في رسالة بطرس الرسول الثانية - الاصحاح الثالث

Patricia Michael

"وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا، كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ، كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ." (2 بط 3: 15-16).

معنى التعبير اليوناني المستخدم

الكلمة التي تُرجمت «يُحَرّفُونَهَا» هي «στρεβλοῦσιν – streblousin»، من الفعل «στρεβλόω – streblóō»، ومعناها: ليّ الشيء أو إخراجه عن مساره الطبيعي، أي إساءة استعمال الكلام أو توجيهه نحو معنى غير مقصود.

لا يقصد النص تغيير الكلمات أو العبث بالنص، بل سوء تفسيره وتأويله بعيدًا عن قصد الله والرسول كاتب الرسالة. وهذا واضح في قوله إن النصوص تحتوي على «أشياء عسرة الفهم»، أي أن صعوبة هذه النصوص هي ما يدفع غير الناضجين روحيًا إلى تفسيرها تفسيرًا غير صحيح.

وبالتالي، المعنى العام للآية هو أن بعض الأشخاص، بسبب عدم الثبات والنضج الروحي، يؤولون النصوص على غير معناها الأصلي، ويقرأونها بطريقة تخدم أهواءهم بدل أن تفهم كما قصدها الله والرسل. النص يبقى صحيحًا وثابتًا، لكن فهمه الخاطئ قد يؤدي إلى تعليم مضلل وانحراف روحي، وهو ما يحذر منه بطرس الرسول.

ذهب بعض الكتّاب إلى الزعم بأن هذه الآيات تتحدث عن تحريف الكتاب المقدس، معتبرين أن قول الرسول: «يحرّفها غير العلماء» يمثل شهادة كتابية على تحريف رسائل بولس، بل وبقية أسفار الكتاب المقدس. وقد جرى تداول هذا الادعاء وتكراره دون دراسة متأنية لمضمون النص أو لغته الأصلية أو سياقه العام. وفُهمت كلمة «يحرّفها» على أنها تشير إلى التبديل والتغيير في النص نفسه، سواء بالزيادة أو النقصان، بما يؤدي إلى تغيير المعنى الأصلي، غير أن هذا الفهم لا يتفق مع قصد الآية ولا مع استعمالها اللغوي.

فالتحريف المقصود هنا ليس تحريف النص، بل تحريف المعنى، أي صرف الكلام عن مقصده الحقيقي. وقد سبق التنبيه في الدراسات التفسيرية إلى أن من معاني التحريف ليّ المعنى الصحيح وحمله على ما يخالف ظاهره، وهو ما يشمل التفسير بالرأي أو التأويل البعيد عن قصد النص. فكل تفسير يُحمِّل الكلام ما لا يحتمله، أو يُخرجه عن معناه الأصلي، يُعد تحريفًا للمعنى وإن بقي النص على حاله، وهذا هو المقصود في هذا الموضع.

سياق النص:

(2 بطرس 3: 15-16)

في الإصحاح الثالث من رسالة بطرس الثانية، يعالج الرسول اشكالية لاهوتية وروحية كانت تُقلق الكنيسة الأولى، وهي تساؤل البعض ، بل وسخريتهم من تأخر مجيء المسيح. هؤلاء كانوا يقولون عمليًا: إن كان المسيح قد وعد بالمجيء الثاني، فلماذا لم يتحقق الوعد بعد؟ وبطرس يرد على هذا التفكير موضحًا أن التأخير ليس عجزًا ولا نسيانًا من الله، بل هو تعبير عن طول أناته ورحمته. فالله، بحسب بطرس، لا يتباطأ في تنفيذ وعوده، لكنه يمهل البشر لأنه لا يريد أن يهلك أحد، بل أن يقبل الجميع إلى الخلاص والتوبة.

وفي هذا الإطار يؤكد بطرس الرسول أن الإيمان بالمجيء الثاني ليس فكرة طارئة أو تعليمًا خاصًا بجيل معيّن، بل هو محور أساسي في إعلان الله عبر العصور. فالمجيء الثاني قد سبق الأنبياء فأعلنوه وتنبأوا عنه، وأكده الرب يسوع نفسه في تعاليمه ووعوده، كما أوصى به الرسل والتلاميذ وكرزوا به في الكنيسة الأولى. ومن ثمّ فإن انتظار مجيء الرب ليس اجتهادًا لاهوتيًا أو تفسيرًا شخصيًا، بل هو جوهر الرجاء المسيحي الذي تشترك فيه كلمة الله في العهدين معًا.

ومن هنا تتضح غاية الإعلان الإلهي: أن يعيش المؤمنون في يقظة روحية، منتظرين مجيء الرب بثبات وأمانة، مستعدين للقاء به، والاتحاد معه إلى الأبد. هذا الرجاء هو الذي يعطي معنى للزمن الحاضر، ويحوّل طول الأناة الإلهية من سبب للشك إلى فرصة خلاص، ومن مجال للسخرية إلى دعوة للتوبة والاستعداد.

من هذا المنطلق يقول بطرس: «احسبوا أناة ربنا خلاصًا»، أي اعتبروا هذا الزمن الممتد فرصة خلاص لا علامة ضعف. فالتاريخ لا يسير عشوائيًا، بل بحسب قصد إلهي خلاصي، حيث يعطي الله مجالًا للتوبة قبل الدينونة. هذا الفهم ليس خاصًا ببطرس وحده، بل هو تعليم رسولي مشترك، ولهذا يستشهد بطرس بتعليم الرسول بولس، مؤكدًا أن بولس كتب الشيء نفسه بحسب الحكمة المعطاة له من الله، وأن هذا التعليم حاضر في جميع رسائله.

ومن هنا ينتقل بطرس من شرح البُعد الخلاصي لطول أناة الله إلى التحذير من إساءة فهم هذا التعليم. فحين تُقرأ أناة الله بمعزل عن قصدها الخلاصي، أو تُفصل عن الدعوة إلى التوبة والاستعداد، تتحوّل من رجاء إلى ذريعة، ومن نعمة إلى عثرة. لذلك يرى بطرس أن المشكلة لا تتعلّق فقط بسلوك المستهزئين، بل أيضًا بكيفية فهم التعليم الرسولي نفسه، وخصوصًا ما كُتب عن النعمة والخلاص وانتظار مجيء الرب.

عند هذه النقطة يقدّم بطرس ملاحظة بالغة الأهمية، وهو أن في رسائل بولس أمورًا «عسرة الفهم». هذا لا يعني أن التعليم غامض أو مضلل، بل أنه عميق ويتطلب نضجًا روحيًا وثباتًا في الإيمان. فالكتاب المقدس نفسه يقرّ بأن بعض نصوصه تحتاج إلى فهم مسؤول ومتزن، وليس قراءة سطحية أو متسرعة.

المشكلة، كما يوضح بطرس، لا تكمن في النصوص ولا في تعليم بولس، بل في فئة من الناس يصفهم بأنهم «غير العلماء وغير الثابتين». هؤلاء لا يقتربون من الكتاب بروح التلمذة والتواضع، بل يقرأونه دون أساس إيماني راسخ، فيقومون بـ«تأويل» الكلام، أي ليّ معناه وتحميله أفكارًا لم يقصدها الوحي الإلهي. التحريف هنا لا يعني تغيير او تبديل الكلمات او العبث بها، بل يعني توجيه المعنى وجهة خاطئة تخدم أهواء شخصية أو أفكار منحرفة.

ويؤكد بطرس خطورة الأمر حين يقول إنهم يتعاملون مع رسائل بولس «كما يفعلون بباقي الكتب»،أي بأسلوب يسيء فهمها ويُخرج معناها عن مقصده الصحيح وهي عبارة ذات دلالة عميقة، لأنها تضع رسائل بولس في مصاف الكتب المقدسة، وتكشف أن المشكلة ليست في بولس ولا في بقية الأسفار، بل في طريقة التعامل مع كلمة الله عمومًا. هؤلاء لا يخضعون للنص، بل يُخضعون النص لأنفسهم، فيجعلونه يقول ما يريدون هم أن يقولوه.

ولهذا يختم بطرس تحذيره بعبارة قوية: «لهلاك أنفسهم»، لأن التأويل والتلاعب في فهم النصوص ليس مجرد خطأ فكري، بل خطر روحي يقود إلى تشويه الإيمان والسلوك. فالتعليم الخاطئ قد يعطي إحساسًا زائفًا بالأمان، ويُفرغ النعمة من قوتها المحوِّلة، ويبعد الإنسان عن التوبة الحقيقية. ومن هنا يظهر أن هدف بطرس ليس الجدال العقلي، بل حماية المؤمنين من الانجراف وراء تفسيرات ملتوية تهدد خلاصهم.

وبطرس يوضح أن هذا التشويه يحدث بسبب جهل أشخاص «غير العلماء وغير الثابتين». المقصود ليس الجهل الثقافي أو العقلي لدى هؤلاء، بل غياب التعليم الروحي الصحيح وعدم الرسوخ في الإيمان. هؤلاء يقرأون الكتاب بلا فهم للسياق، ولا يربطون النص بباقي الإعلان الكتابي، فيأخذون آيات عميقة — خصوصًا من رسائل بولس — ويستخرجون منها معاني لم يقصدها الكاتب أصلًا.

تحذير بطرس يركّز بشكل خاص على رسائل بولس لأن موضوعاتها، مثل النعمة والتبرير والحرية المسيحية، سهلة التأويل إن قُرئت بمعزل عن بقية الكتاب. فبعض الناس استخدموا تعليم النعمة ليبرروا التهاون في الخطية، أو استخدموا الحرية المسيحية كذريعة لرفض الوصية، مع أن بولس نفسه حارب هذه الفهم الخاطئ مرارًا وأكد أن النعمة تقود إلى حياة مقدسة لا إلى الاستهانة بالله.

وفي النهاية يربط بطرس ما يفعله هؤلاء بالهلاك، لأن التعليم المشوّه لا يبقى مسألة فكرية فقط، بل يؤثر على الحياة الروحية والسلوك. فتشويه نصوص الكتاب وتأويلها خارج سياقها يعطي شعورًا زائفًا بالأمان الروحي، ويقود الإنسان بعيدًا عن التوبة الحقيقية، ولهذا كان تحذير بطرس قويًا وحازمًا: ليس كل من يقرأ الكتاب يفهمه حقًا، بل الفهم الصحيح يحتاج إلى ثبات روحي، صلاة مستمرة، عمل الروح القدس في القلب، تواضع، وخضوع لكلمة الله، حتى يستطيع المؤمن إدراك مقاصد الله الحقيقية في النصوص العميقة ويحيا بها.

تفسيرات الكتاب المقدس

ليكون للبركة

Patricia Michael