مصطلح «في المسيح» في لاهوت بولس الرسول
"إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا." (2 كو 5: 17).
يُجمع كثير من اللاهوتيين والدارسين على أن عبارة «في المسيح» تشكّل المفتاح الأساسي لفهم فكر بولس الرسول ،. فقد استخدم بولس هذه العبارة أو ما يرادفها مئات المرات في رسائله، لا سيما في رسالتي أفسس ورومية، ليعبّر عن جوهر الخبرة المسيحية الجديدة التي عاشها ويكرز بها.
أولاً: الخلفية الاختبارية لمفهوم «في المسيح»
لم يكن تعبير «في المسيح» عند بولس مجرد صيغة لغوية أو فكرة نظرية، بل هو ثمرة اختبار تحوّل جذري. فبولس الذي كان «خارج المسيح» كمضطهد للكنيسة، صار بعد لقائه بالمسيح القائم إنسانًا جديدًا فيه.
من هنا نفهم قوله الضمني:
كنت خارج المسيح، أما الآن فقد صرت فيه.
هذه النقلة الوجودية شكّلت أساس كل لاهوته ورسوليته.
ثانيًا: المعنى اللاهوتي لعبارة «في المسيح»
تشير عبارة «في المسيح» عند بولس إلى شركة حيّة واتحاد روحي حقيقي بين المؤمن والمسيح، لا مجرد انتماء خارجي أو اتباع أخلاقي. فالمؤمن لا يقف أمام المسيح فقط، بل يحيا داخله، ويتحدد وجوده كله به.
ولهذا يربط بولس كل عطايا الخلاص بهذه العبارة، فنقرأ:
الإيمان: «المؤمنين في المسيح يسوع»
البركة: «باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح»
الاختيار: «كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم»
الفداء: «الذي فيه لنا الفداء بدمه»
الرجاء: «قد سبق رجاؤنا في المسيح»
الروح القدس: «الذي فيه أيضًا آمنتم بروح الموعد القدوس»
أي أن كل ما يملكه المؤمن هو لأنه في المسيح.
ثالثًا: «في المسيح» والخليقة الجديدة
يربط بولس هذا المصطلح بفكرة الخليقة الجديدة حين يقول:
«إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة» (2 كو 5: 17)
فالوجود «في المسيح» لا يعني تحسين الإنسان القديم، بل موته وقيامة إنسان جديد فيه. إنها هوية جديدة، وحياة جديدة، وواقع خلاصي جديد.
رابعًا: «في المسيح» والصليب
رغم تركيز بولس على الاتحاد بالمسيح، إلا أنه يوضح أن هذا الاتحاد لا يتحقق إلا عبر الصليب. لذلك يعلن بوضوح:
«نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا»
فالصليب هو الباب الذي يدخل منه الإنسان إلى هذه الشركة.اليهود يطلبون آية، واليونانيون يطلبون حكمة، أما بولس فيقود الجميع إلى المصلوب، لأنه فيه تُعلن قوة الله للخلاص.
خامسًا: البعد الكنسي لعبارة «في المسيح»
لا يحمل هذا المصطلح بعدًا فرديًا فقط، بل كنسيًا أيضًا. فالمؤمنون جميعًا، إذ هم «في المسيح»، يصيرون جسدًا واحدًا:
«لأننا جميعًا بروح واحد اعتمدنا إلى جسد واحد»
فالكنيسة عند بولس ليست مؤسسة، بل وجود جماعي في المسيح.
خاتمة
يمكن القول إن بولس الرسول لم يقدّم لاهوتًا نظريًا بقدر ما قدّم لاهوت حياة، مركزه وملؤه هو المسيح.فالتبرير، والفداء، والتقديس، والرجاء، والمجد الأبدي، كلها لا تُفهم إلا في إطار هذه العبارة البسيطة والعميقة في آن واحد:
«في المسيح»
إنها ليست مجرد كلمتين، بل ملخص المسيحية كلها كما عاشها بولس وكما يختبرها كل مؤمن.
ليكون للبركة
Patricia Michael