قاعة الصلاة في مجدّو – كفار عثناي: دراسة عن المسيحية المبكرة قبل قسطنطين
ليجيو وكفار عثناي: نافذة على العبادة المسيحية المبكرة داخل الإمبراطورية الرومانية
دراسة وترجمة : Patricia Michael
مقدمة:
يعكس الاكتشاف الأثري في كفار عثناي (Kefar ‘Othnay)، المعروف في العصر الروماني باسم ليجيو (Legio)، تطور العبادة المسيحية المبكرة في فلسطين الرومانية. هذا الموقع، الواقع جنوب تل مجدّو (Tel Megiddo) على طول الطريق التجاري والعسكري القديم فيا ماريس (Via Maris) الذي يربط بين مصر وبلاد ما بين النهرين، يحتوي على أقدم قاعة صلاة مسيحية معروفة حتى الآن، تعود إلى أوائل القرن الثالث الميلادي.
يقدّم هذا الموقع نافذة نادرة لفهم نشأة الكنيسة المسيحية في سياق مجتمع متعدد الأعراق والديانات، حيث تداخلت الحياة العسكرية والمدنية والدينية في إطار إمبراطوري روماني. وتظهر الاكتشافات الأثرية — بما في ذلك الفسيفساء والنقوش الكتابية والرموز التصويرية — كيف كانت المسيحية ممارسة جماعية، علنية، ومتكاملة اجتماعيًا قبل تقنينها من قبل الإمبراطور قسطنطين.
وتشير المعطيات إلى أن المسيحية كانت موجودة ومنظمة بالفعل قبل عهد قسطنطين (Constantine)، يمارسها جنود وضباط رومانيون وأفراد من المجتمع المدني المحلي، ويؤكدون هويتهم الروحية من خلال العبادة الجماعية والرعاية الطقسية.
-ليجيو (Legio) : هو الاسم الروماني للموقع في العصر الروماني، ويشير تحديدًا إلى المعسكر العسكري الروماني السادس (Legio VI Ferrata) الذي كان هناك. ويستخدم إذا تحدثنا عن البنية العسكرية ومكان إقامة الجنود الرومان، نستخدم "ليجيو".
-مجدّو (Megiddo) :هو اسم المنطقة التاريخي والجغرافي المعروف، أي تل مجدّو (Tel Megiddo) والمناطق المحيطة به، ويُستخدم أكثر عند الحديث عن الموقع العام أو المنطقة الأثرية.
الموقع والاكتشافات الأثرية
يقع ليجيو (Legio) في شمال إسرائيل، مجاورًا تل مجدّو (Tel Megiddo)، وهو موقع استراتيجي يهيمن على وادي يزرعيل (Jezreel Valley) ويشكل نقطة تقاطع رئيسية للحركة العسكرية والتجارية على طول فيا ماريس (Via Maris)، أحد أهم الطرق القديمة التي تربط بين مصر وبلاد ما بين النهرين.
خلال العصر الروماني، أصبح الموقع مقرًا للكتيبة السادسة المُصفّحة (Legio VI Ferrata) ولعب دورًا مهمًا في الدفاع والإدارة الإمبراطورية. اليوم يقع الموقع ضمن سجن مجدّو الحديث (Megiddo Prison)، جنوب شرق كيبوتز مجدّو (Kibbutz Megiddo).
في عام 2005، أثناء أعمال تطوير في السجن، اكتشف أحد السجناء جزءًا من فسيفساء أرضية بمساحة 16 × 32 قدمًا، والتي تبين لاحقًا أنها جزء من قاعة صلاة مسيحية تعود إلى أوائل القرن الثالث الميلادي. كانت هذه الفسيفساء واحدة من 12 غرفة ضمن مبنى سكني كبير تبلغ مساحته نحو 6,500 قدم مربع.
أظهرت التحليلات الأثرية أن هذا المجمع لم يكن مسكنًا عاديًا، بل "استُخدم للأغراض اليومية والإدارية العسكرية" وخدم وظائف متعددة: سكنية، عسكرية، ودينية، وجمع بين الاستخدام الخاص والملكية العامة.
القاعة الداخلية المستطيلة تحتوي على فسيفساء، ونقوش يونانية، وميزات داخلية مميزة تميزها كـ Domus Ecclesiae (بيت الكنيسة)، أي إحدى أقدم قاعات العبادة المسيحية الجماعية المعروفة. يشير الفخار والعملات المكتشفة إلى بناء القاعة حوالي سنة 230م، واستخدامها حتى نهاية القرن الثالث، ما يجعل ليجيو (Legio) أقدم موقع عبادة مسيحية معروف، قبل دورا-أوروبوس (Dura-Europos) بعقد على الأقل.
دورا-أوروبوس (Dura-Europos) هو موقع أثري روماني-سوري مهم على نهر الفرات في سوريا الحديثة، ويُعرف بأنه يحتوي على أقدم بيت كنيسة مسيحي معروف سابقًا قبل اكتشاف كفار عثناي (Legio).
يعود بيت الكنيسة في دورا-أوروبوس إلى منتصف أو أواخر القرن الثالث الميلادي (حوالي 240–250م).
تم اكتشافه داخل منزل مأهول تم تعديله ليصبح مكانًا للاجتماع والعبادة المسيحية، ويحتوي على فسيفساء، نقوش، وغرفة للمعمودية.
المكان يُظهر كيف كانت المسيحية تُمارس في البيوت الخاصة قبل بناء الكنائس العامة بعد تقنين المسيحية في عهد قسطنطين.
البيئة الاجتماعية والثقافية
وجود قاعة الصلاة هذه داخل مبنى استخدم للأغراض الإدارية والدينية معًا يتحدى السردية القائلة إن العبادة المسيحية المبكرة كانت حكرًا على البيوت أو سرية أو هامشية قبل عهد قسطنطين الكبير (Constantine the Great).
كان مجتمع ليجيو (Legio) متنوعًا؛ كما يوضح الباحثان يوتام تيبر (Yotam Tepper) وليا دي سيغني (Leah Di Segni)، فقد ضم جنودًا ومدنيين، يهودًا وسامريين، ومسيحيين ووثنيين، لكلٍ منهم ممارساته الدينية والثقافية الخاصة. وهذا يعكس التعددية الدينية التي ظهرت أيضًا في دورا-أوروبوس (Dura-Europos)، حيث وُجدت مزارات مسيحية ويهودية ووثنية ضمن نفس الحي الحضري. وهكذا، كانت جماعة ليجيو (Legio) شاهدة على بيئة مسيحية مبكرة ظاهرة، مندمجة اجتماعيًا ومؤسسة ضمن البنية العسكرية والمدنية الرومانية.
النقوش الكتابية (Epigraphs)
نقش غايانوس (Gaianus Inscription)
أحد أبرز النقوش هو النقش الشمالي المعروف باسم نقش غايانوس (Gaianus Inscription)، الذي ينص على:"غايانوس، ويُدعى أيضًا بورفيريوس، قائد مئة (Centurion)، أخونا، صنع الرصف على نفقته الخاصة كعمل سخاء. وقد نفّذ بروتيوس العمل."
يبرز النقش هوية المتبرع، غايانوس (Gaianus)، قائد مئة روماني، ويؤكد هويته المسيحية من خلال مصطلح "أخونا"، وهو تعبير عن القرابة الروحية في العهد الجديد. كما يشير ذكر بروتيوس (Brutius) إلى أن الفسيفساء نُفذت على يد حِرَفي واحد، ما يربط المشروع بالثقافة الرومانية العامة.
استخدام اللغة اليونانية بدلًا من اللاتينية، إلى جانب اختيار غايانوس (Gaianus) استخدام الاسم المستعار أو Signum "بورفيريوس (Porphyrius)" بدلًا من اللقب الروماني الرسمي، يشير إلى أن التكريس تم في سياق ديني خاص وشخصي، وليس كعمل رسمي يمثّل السلطة الإمبراطورية.
ومن اللافت أيضًا استخدام الأحرف اليونانية خي-رو (Chi-Rho, XP) كاختصار لكلمة "قائد مئة" (ἑκατόνταρχος – hekatontarchos) ، وهو اختصار شائع في النقوش الكتابية، لكنه اكتسب لاحقًا أهمية مسيحية عميقة بعد رؤية الإمبراطور قسطنطين في معركة جسر ميلفيان (Battle of the Milvian Bridge) سنة 312م، حيث أصبح Chi-Rho رمزًا مسيحيًا عالميًا يمثل أول حرفين من الكلمة اليونانية Χριστός (Christos – المسيح). على الرغم من أن استخدام هذا الرمز في مجدّو سبق هذه التطورات ولم يكن يحمل الدلالة الإمبراطورية نفسها، فإنه يشير إلى التلاقي المتزايد بين الهوية المسيحية واللغة الرمزية حتى قبل عهد قسطنطين.
يُظهر استخدام هذا الاختصار في مجدّو أن الجماعة المسيحية بدأت بالفعل توظيف رموز مألوفة ومختصرة ضمن ممارساتها، قبل أن تتحول هذه الرموز لاحقًا إلى دلالات مسيحية رسمية على المستوى الإمبراطوري. ويُبرز هذا أن المسيحية كانت تتطور داخل الثقافة والبنية الرومانية، وقد أخذت مكانها داخل أعظم إمبراطورية في العالم آنذاك، متكاملة ضمن المؤسسات الاجتماعية والعسكرية، مع الحفاظ على هويتها الدينية الخاصة وممارساتها الطقسية.
يوفر نقش غايانوس (Gaianus Inscription)، إلى جانب البيانات الأثرية المصاحبة، دليلًا قويًا على أن الجماعة المسيحية في ليجيو (Legio) خلال القرن الثالث كانت تضم مجموعة متنوعة من الأفراد من الجيش الروماني والمجتمع المدني المحيط. ومن المرجح أن تتألف هذه الجماعة من جنود، وضباط رفيعي المستوى، وموظفين إداريين وأسرهم ، بالإضافة إلى السكان المدنيين المحليين. وجود مثل هذه المجموعة في قاعة صلاة داخل مجمّع عسكري روماني يشير إلى اندماج المسيحية في مؤسسة تقليدية وثنية وهيراركية.
في الوقت الذي كانت فيه المذابح المنزلية (Lararia) المخصصة للآلهة الرومانية-اليونانية شائعة في المعسكرات العسكرية الرومانية ، تُعد قاعة الصلاة في مجدّو أقدم مصلّى معروف مخصص للعبادة المسيحية ضمن سياق عسكري. ويزداد أهمية هذا الاكتشاف مع التطورات الكنسية اللاحقة في المنطقة، حيث تشير مشاركة الأسقف باولوس (Paulus) من ماكسيميانوبوليس (Maximianopolis) في مجمع نيقية (Council of Nicaea, 325م) إلى أن المسيحية قد رسخت جذورها في ليجيو (Legio) في العقود التي تلت انسحاب القاعدة العسكرية.
يضيف نقش غايانوس (Gaianus) اسمًا جديدًا إلى قائمة قادة المئة الرومان في فلسطين القديمة الذين اعتنقوا المسيحية. كما أن حضور قادة عسكريين مسيحيين مثل غايانوس يعكس مدى اندماج المسيحية في الحياة العسكرية والاجتماعية، ويؤكد أن الجماعة المسيحية لم تكن مقتصرة على المدنيين فقط، بل شملت أفرادًا من الطبقات العسكرية العليا، مما يعكس انتشار الدين المسيحي وعمقه قبل دعم الدولة الإمبراطورية.
نقش أكبتوس (Akeptous Inscription)
تحتوي اللوحة الجنوبية أيضًا على نقش أكبتوس (Akeptous Inscription)، الذي ينص على:"أكبتوس المحبة لله قدّمت المائدة إلى الله يسوع المسيح تذكارًا."
يشير النقش إلى أن المتبرعة كانت امرأة تُسمى أكبتوس (Akeptous)، مع لقب فيلوثيوس (Philotheos)، أي "محبة الله". تشير المائدة إلى الإفخارستيا، ويعكس النقش استخدام المرأة لدور فاعل في العبادة ودعم الجماعة المسيحية، مواكبًا تقاليد بولس حول النساء الخادمات كما في رومية(Romans 16) وأعمال الرسل .
كما أن النقش يثبت الإيمان بألوهية يسوع، إذ يذكر النص "الله يسوع المسيح" (Θῷ Ἰησοῦ Χριστῷ)، ما يدل على اعتراف قوي بألوهية المسيح بين المؤمنين قبل قسطنطين.
لقد جذب نقش أكيبثوس (Akeptous Inscription) اهتمام الباحثين لعدة أسباب. أهمها أنه يكرّس صراحةً المنصة المركزية في قاعة الصلاة كمائدة إفخارستية، مؤكدًا بذلك وظيفة القاعة كمكان للعبادة المسيحية الطقسية.
مثل غيرها من النساء المذكورات في الفسيفساء، تسعى أكيبثوس لأن تُذكَر من خلال الفعل التذكاري لعشاء الرب ، وهو طقس قائم على وصية المسيح: "افعلوا هذا لذكري" (Luke 22:19-20; 1 Corinthians 11:24-26).
جانب آخر ملفت في النقش هو أنه يُبرز أكيبثوس كواحدة من الخادمات الإناث للجماعة المسيحية في ليجيو (Legio)، منضمّة إلى صفوف الرعاة والمانحين الإناث الذين لعب سخاءهم وإيمانهم دورًا في تطور الكنيسة الناشئة. تتوافق هذه الدلائل النقشية مع ملاحظات الباحثين أن إدماج السيدات كتابعات للمسيح كان تصرفًا غير تقليدي مقارنة بمعلمي اليهود الآخرين في زمنه.
الأمر الأكثر إثارة هو التأكيد اللاهوتي المتضمّن في عطية أكيبثوس. فالنقش يذكر "الله يسوع المسيح" (Θῷ Ἰησοῦ Χριστῷ)، مما يقدم دليلًا قاطعًا على الإيمان بقوة ألوهية يسوع بين المؤمنين في أوائل القرن الثالث الميلادي. وهذا يناقض الأسطورة الحديثة، كما روج لها كتاب مثل The Da Vinci Code، بأن الاعتقاد بألوهية يسوع كان ابتكارًا لاحقًا في مجلس نيقية (Council of Nicaea) في القرن الرابع. في الواقع، تكشف البيانات الأثرية والنصية المتزايدة عن اعترافات قوية بألوهية المسيح قبل عهد قسطنطين بكثير ومن بدايات المسيحية.
على سبيل المثال، تم مؤخرًا فك رموز تميمة فضية (silver amulet) من دفن روماني في نيدا (Nida, الحديثة فرانكفورت – Frankfurt) تعود للقرن الثالث الميلادي. باستخدام تقنيات تصوير مقطعي عالية الدقة، اكتشف العلماء نقشًا لاتينيًا يدعو:
"يسوع المسيح، ابن الله! رب العالم"،
يلي ذلك تلخيص لما يسمى ترنيمة المسيح في( Philippians 2:10-11 ):
"... أمامه تجثو كل ركبة: السماويون، الأرضيون، وتحت الأرض، وكل لسان يعترف."
تُعد هذه التميمة الفضية في فرانكفورت (Frankfurt Silver Inscription)، المؤرخة بين A.D. 230-270، أقدم نص مسيحي معروف شمال جبال الألب، وتؤكد التفاني الواسع في عبادة يسوع كإله قبل عصر قسطنطين.
كذلك، كل من هذا الأثر ونقش أكيبثوس (Akeptous Inscription) يظهران الممارسة الكتابية المسيحية المبكرة في اختصار الأسماء المقدسة (Nomina Sacra)، حيث تُختصر أسماء مثل الله (ΘΕΟΣ)، يسوع (ΙΗΣΟΥΣ)، والمسيح (ΧΡΙΣΤΟΣ) مع خطوط فوقية. وفي حالة أكيبثوس، تم اختصار الثلاثة مصطلحات (Θῷ Ἰῷ Χῷ)، مما يؤكد قدسيتها بصريًا.
ومن الجدير بالذكر أن التميمة الفضية في فرانكفورت تحتوي أيضًا على رمز المسيح Chi-Rho (XP) ثلاث مرات، وهو الرمز الذي أصبح لاحقًا مرادفًا للمسيحية الرسمية ضمن الإمبراطورية الرومانية بعد رؤية قسطنطين (Constantine) في معركة جسر ميلفيان (Battle of the Milvian Bridge). وهكذا، لا تحفظ هذه القطع الفنية الاعترافات المسيحية المبكرة فحسب، بل ترسم أيضًا تطور الرموز المسيحية والهوية اللاهوتية في النص والصورة."
نقش النساء الأربع (Inscription of Four Women)
إلى جانب أكبتوس (Akeptous)، يخلّد نقش مجاور ذكرى نساء أخريات:"اذكر بريملا (Primilla) وكيرياكا (Cyriaca) ودوروثيا (Dorothea) وكذلك خريستي (Chreste)."
ويؤكد استخدام مصطلح mnēmosynon (تذكار) استمرارية الممارسة التذكارية الليتورجية، ويبرز دور النساء في الحياة الاجتماعية والتعبدية المبكرة، بما يعكس روح المساواة التي ميزت العديد من المجتمعات المسيحية، ويستحضر مدح بولس للنساء المشاركات في العمل الكنسي في رومية 16.
في هذا السياق الغني بالنساء الفاعلات في الخدمة الجماعية، تُعد أكيبثوس شهادة على الأدوار البارزة والقيمة الروحية للنساء في الجماعات المسيحية المبكرة، وهي أدوار غالبًا ما تجاوزت ما كان مألوفًا اجتماعيًا في المجتمع اليوناني-الروماني.
تنظيم الكنائس المسيحية المبكرة لفصل الجنسين أثناء التجمعات الطقسية داخل قاعة العبادة.
اقترح الباحثان يوتام تيبر (Yotam Tepper) وليا دي سيجني (Leah Di Segni) أن الأسماء الذكورية في اللوح الشمالي والنسائية في الجانب الجنوبي دليل على الممارسة الواسعة في الكنائس المسيحية المبكرة لفصل الرجال والنساء أثناء التجمعات الطقسية.
في هذا السياق:
-الشمالي (North Panel / اللوح الشمالي): يشير إلى الجانب الشمالي من الفسيفساء أو لوحة النقش داخل قاعة الصلاة، حيث تم نقش أسماء الرجال (مثل Gaianus وغيره من المتبرعين الذكور).
-الجنوبي (South Panel / اللوح الجنوبي): يشير إلى الجانب الجنوبي من الفسيفساء أو اللوحة، حيث تم نقش أسماء النساء (مثل Akeptous وPrimilla وCyriaca وDorothea وChreste).
الفكرة الأساسية هي أن النقوش كانت موزعة حسب الجنس: أسماء الرجال في الشمال، وأسماء النساء في الجنوب، مما يعكس تنظيم الكنائس المسيحية المبكرة لفصل الجنسين أثناء التجمعات الطقسية داخل قاعة العبادة.
معًا، تشكل هذه النقوش سردًا نقشياً متماسكًا لا يؤكد فقط الهوية الجماعية والطقسية والمسيحية المركزية لجماعة ليجيو، بل يوفر أيضًا لمحة نادرة عن المشاركة الجماعية في الخدمة الطقسية، سواء من قبل المسؤولين العسكريين الرومان أو النساء. وبهذا، تبرز الفسيفساء في مجدّو ، بدقتها الفنية ورمزيتها اللاهوتية، ليس مجرد أثر معماري، بل شاهد تاريخي غني يعكس الإيمان والتنظيم والتنوع الاجتماعي للمسيحية منذ بداياتها.
الرموز التصويرية : الأيقونوغرافيا (Iconography)
توفر الرمزية التصويرية في فسيفساء مجدّو (Megiddo) تأكيدًا إضافيًا لوظيفة القاعة كصالة صلاة مسيحية مبكرة، سواء على المستوى الطقسي أو اللاهوتي. ومن أبرز ما يميزها اللوح الشمالي للفسيفساء، الذي يحتوي على ميدالية تُصوّر سمكتين—تم تحديدهما على أنهما تونة (tuna) وباس (bass)—محاطتين بنمط مثمن مزخرف وموشَّيتين بزخارف هندسية. ورغم بساطة التنفيذ الفني، إلا أن الصورة غنية بالدلالات الرمزية اذ ترمز هذه السمكتان إلى معجزة إشباع الخمسة آلاف الواردة في الكتاب المقدس ومن ثم تثير هذه الرمزية موضوعات العناية الإلهية، والتواصل الجماعي .
كما أن وجود السمكتين يربط الفسيفساء بواحدة من أقدم وأهم الرموز البصرية لهوية المسيحيين، كانت السمكة علامة معروفة بين المؤمنين، إذ استُخدمت الكلمة اليونانية للسمكة ICHTHYS (ΙΧΘΥΣ) كاختصار لعبارة Iēsous Christos, Theou Huios, Sōtēr، أي "يسوع المسيح، ابن الله، المخلّص"، ويعبّر هذا الاختصار عن العناصر الجوهرية للاعتراف المسيحي، وكان يعمل كدلالة لاهوتية وعلامة عملية للإيمان في أوقات الاضطهاد.
وظهرت رموز السمكة كثيرًا في الفن الجنائزي المسيحي المبكر، وطقوس المعمودية، والافخارستيا ، مما يوضح أهميتها الطقسية والعقائدية.
إدراج هذه الرموز في فسيفساء مجدّو (Megiddo) لا يعزز فقط الطابع الديني للقاعة، بل يعكس أيضًا تلاقي اللاهوت البصري مع التفاني الجماعي في العبادة لدى هذه الجماعة المسيحية المبكرة في أوائل القرن الثالث الميلادي.
الخاتمة
تسبق قاعة الصلاة هذه أو تتوافق بشكل وثيق مع مواقع مسيحية مبكرة مشابهة، مثل الكنيسة المنزلية في دورا-أوروبوس (Dura-Europos) في سوريا (حوالي القرن الثالث الميلادي، 240م)، والمكان المحتمل لتجمع مسيحي في كفرناحوم (Capernaum) المرتبط بـ "بيت بطرس".
على عكس دورا-أوروبوس، التي كانت عبارة عن منزل خاص تم تعديله لاستخدامه في المعموديات والاجتماعات، يبدو أن موقع ليجيو (Legio) كان مزيجًا من استخدام جماعي وعسكري، وموجودًا ضمن بناء أكبر كان يشغله الضباط الرومان. ويجعل هذا الموقع أقدم قاعة صلاة مسيحية معروفة داخل سياق عسكري، وهو أمر ذو أهمية كبيرة لفهم انتشار المسيحية داخل البنى الإمبراطورية.
كما يكشف السياق الكنسي والقانوني عن صورة واضحة لتطور المسيحية وانتشارها قبل الاعتراف الإمبراطوري. فبحلول أوائل القرن الثالث الميلادي، كانت الجماعات المسيحية قد رسخت اللاهوت والممارسات الطقسية والمفردات الخاصة بها، ما يوضح أن المسيحية لم تكن مجرد حركة هامشية بانتظار دعم السلطة الرومانية، بل إيمان متجذر في المجتمع والبنية العسكرية الرومانية، يمارسه رجال ونساء من طبقات اجتماعية متنوعة.
يعكس هذا الاكتشاف الأثري بشكل كبير فهمنا للهندسة المعمارية المسيحية المبكرة، والطقوس، والهوية الجماعية للمؤمنين. فهو يظهر أن المسيحية لم تكن حركة هامشية تنتظر الاعتراف الإمبراطوري، بل كانت إيمانًا متجذرًا في البنية الاجتماعية والعسكرية الرومانية، يمارسه رجال ونساء من مختلف الطبقات الاجتماعية. كما أن مشاركة الضباط والجنود الرومان في تمويل العبادة والمشاركة فيها يوضح مدى انتشار ونفوذ المسيحية بحلول أوائل القرن الثالث الميلادي.
في الختام، تمثل قاعة الصلاة في كفار عثناي (Kefar ‘Othnay) أحد أقدم الشواهد المادية على العبادة الجماعية المسيحية. فهي مصممة بعناية، غنية بالمضمون اللاهوتي، ومعبرة عن مجتمع متنوع، وتتيح لنا فهمًا مباشرًا لحياة الإيمان اليومية قبل الحقبة القسطنطينية.
بعيدًا عن أي اعتبار سياسي أو سلطوي، تظهر المسيحية في ليجيو (Legio) كحركة شعبية نمت على الإيمان الراسخ، والذاكرة المشتركة، والتضحية السخية. ومن ثم، يستحق الموقع الدراسة الأكاديمية المستمرة والحفاظ عليه كجزء من التراث المسيحي المبكر والتاريخ الديني العام في العالم الروماني.
The Megiddo Prayer Hall : Christianity Before Constantine
Tepper, Yotam, and Leah Di Segni. Early Christian Inscriptions in Megiddo: Evidence from the Legionary Base. Jerusalem: Israel Antiquities Authority, 2012.
Magness, Jodi. The Archaeology of the Early Christians in the Roman Empire. Cambridge: Cambridge University Press, 2011.
Hurtado, Larry W. How on Earth Did Jesus Become a God? Historical Questions about Earliest Devotion to Jesus. Grand Rapids: Eerdmans, 2005.
Crow, Peter. Dura-Europos: The Christians and the Baptistery. London: British School of Archaeology in Iraq, 1996.
Chancey, Mark A. The Myth of a Gentile Galilee: Political and Cultural Change in Roman Palestine. Cambridge: Cambridge University Press, 2002.
Schüssler Fiorenza, Elisabeth. In Memory of Her: A Feminist Theological Reconstruction of Christian Origins. New York: Crossroad, 1983.
Evans, Helen C., and William D. Harwood. The Early Christian World. London: Routledge, 2000.
Kilde, Jeanne Halgren. When Church Became Theatre: The Transformation of Evangelical Architecture and Worship in Nineteenth-Century America. Oxford: Oxford University Press, 2002.
Milik, Józef T., and Roland de Vaux. The Archaeology of Palestine in the Roman Period. Leiden: Brill, 1970.
Bauckham, Richard. Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony. Grand Rapids: Eerdmans, 2006.
ليكون للبركة