الكويت: اكتشاف دير القصور الأثري في جزيرة فيلكا، أحد أبرز المواقع المسيحية القديمة في الخليج
Patricia Michael
المقدمة
لا يزال تاريخ المسيحية في منطقة الخليج العربي غير معروف إلى حد كبير، نظرًا لندرة المصادر الأثرية والنصوص التاريخية المتوفرة. وما زالت العديد من الأسئلة مطروحة حول نشوء المجتمعات المسيحية في المنطقة، وطبيعة حياتها، وأسباب اختفائها لاحقًا.
وقد تم التعرف على بعض المواقع كمواقع مسيحية اعتمادًا على اكتشاف كنائس أو صلبان فيها. ومن أبرز هذه المواقع دير القصور في جزيرة فيلكا، الذي يمثل شاهدًا مهمًا على الوجود المسيحي في الخليج خلال القرون الأولى.
الاكتشافات الأثرية المبكرة والتنقيب
في عامي 1988–1989 قامت بعثة فرنسية بالتنقيب في موقع دير القصور في جزيرة فيلكا، حيث تم الكشف عن كنيسة قديمة. ومنذ عام 2011، واصلت بعثة أثرية فرنسية–كويتية مشتركة (MAFKF) دراسة الموقع بهدف فهم مراحله التاريخية وتنظيمه المعماري بشكل أفضل.
وقد أدت الاكتشافات الأثرية الجديدة في موقع الدير نفسه — مثل قاعة طعام كبيرة ومبنى صغير ثلاثي الغرف يُرجَّح أنه كان مقرًا لإقامة الرهبان — إلى فهم أوضح لوظائف بعض المباني في الموقع. فقد تبيّن أن المبنى الذي كان يُعتقد سابقًا أنه كنيسة، ربما كان مخصصًا للتعليم الروحي للرهبان. وبناءً على ذلك، ثبت أن الجزء المركزي من الموقع كان في الواقع ديرًا مسيحيًا، مما يجعله إحدى المستوطنات المسيحية في الخليج التي ثبت علميًا أنها دير رهباني.
وصف الموقع الأثري
يُعد دير القصور والقرية المحيطة به موقعًا أثريًا مهمًا يعود إلى القرنين السابع والثامن الميلاديين. ويُظهر الموقع وجود مجتمع رهباني مسيحي استمر في العيش حتى بدايات العصر الإسلامي.
وقد كشفت الحفريات عن عناصر معمارية وحياتية متكاملة، منها كنيستان متعاقبتان بُنيت إحداهما فوق الأخرى، وقاعة طعام جماعية للرهبان، وبيوت ذات أفنية داخلية وأرضيات مغطاة بالجص، ومرافق لإنتاج الغذاء، خصوصًا دبس التمر، ونظام تصريف مياه يدل على تخطيط عمراني منظم. وتشير هذه المكتشفات إلى أن المجتمع لم يكن دينيًا فقط، بل كان مجتمعًا متكاملًا يجمع بين الحياة الروحية والاقتصادية واليومية.
أهمية الموقع
يعكس دير القصور صورة واضحة عن الحياة المسيحية في الخليج قبل أكثر من 1300 عام، ويبرهن على أن المنطقة كانت جزءًا من شبكة حضارية واسعة تربط بلاد الرافدين وبلاد فارس وشبه الجزيرة العربية والهند. كما يدل استمرار النشاط في الموقع خلال بدايات العصر الإسلامي على وجود فترات تعايش وانتقال تدريجي بين الديانات والثقافات في المنطقة.
البيان الرسمي
صدرت تصريحات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بشأن الاكتشاف الأثري المهم في دير القصور في 24 ديسمبر 2025، وأكد البيان أن الموقع يحتوي على آثار مهمة تشمل شظايا فخار مكتوب عليها نقوش سريانية، وزجاجات عطر، وعملات معدنية، ومواد بناء متقدمة مثل البازلت الصناعي، ويثبت وجود مستوطنة رهبانية متكاملة تعود إلى منتصف القرن السابع وحتى منتصف القرن التاسع الميلادي. وأوضح البيان أن الموقع يضم كنيسة ضخمة مزينة بالجص، وقاعة طعام جماعية، ومجمع لتجهيز الطعام، مما يعكس حياة جماعية منظمة للرهبان، ويعطي تصورًا واضحًا عن الحياة اليومية في ذلك الوقت.
أعلن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب حينها عن اكتشاف قطع أثرية استثنائية في دير القصور وسط جزيرة فيلكا، تضمنت قطع فخارية منقوشة بكتابات سريانية، بالإضافة إلى دلائل تعود للفترتين الأموية والعباسية. وأكد المجلس أن هذه المكتشفات تمثل إضافة قيمة لفهم الحياة الرهبانية والمجتمعية على الجزيرة خلال القرون الأولى للمسيحية في المنطقة.
وقال محمد بن رضا، الأمين العام المساعد لقطاع الآثار والمتاحف بالتكليف في المجلس، إن فريق البعثة الفرنسية اكتشف آثارًا مبكرة على وجود البازلت الصناعي وفخاريات منقوشة بالخط السرياني ضمن مكتشفات معمارية ضخمة. وأوضح أن هذه المكتشفات عُثر عليها في قلب الجزيرة، في المنطقة المعروفة باسم القصور، والتي كانت في السابق موطنًا لمجتمع مسيحي يرجح أنه كان يتبع التقاليد السريانية الشرقية.
بدأت البعثة الأثرية الفرنسية–الكويتية المشتركة أعمال التنقيب في الموقع منذ عام 2011، وقد وثقت وجود مستوطنة رهبانية متكاملة تعود إلى منتصف القرن السابع وحتى منتصف القرن التاسع الميلادي. وذكرت الدكتورة جولي بونيرك، المشرفة على البعثة، أن الموقع يضم كنيسة ضخمة مزينة بالجص، وقاعة طعام كبيرة، بالإضافة إلى مجمع لتجهيز الطعام، مما يقدم رؤية نادرة عن الحياة الرهبانية والتنظيم المجتمعي في الجزيرة، ويعطي تصورًا دقيقًا عن أسلوب الحياة اليومية للرهبان.
أوضح الدكتور حسن أشكناني، أستاذ الآثار والأنثروبولوجيا بجامعة الكويت، أن المكتشفات تشمل نقوشًا سريانية وفارسية على فخاريات تعرف بالأوستراكا، بالإضافة إلى زجاجات عطر وعملات معدنية، وأسُس لمبانٍ مميزة من بينها مطحنة دقيق مصنوعة من الطوب اللبن، ومبنى لتصنيع الأطعمة مقابل الكنيسة. وأشار أعضاء الفريق الأثري الكويتي إلى أن معدات الطحن صنعت من حجر محلي من جزيرة فيلكا، في حين استخدمت أحجار أخرى من البازلت الصناعي الذي تم إنتاجه عبر عملية حرارية تعرف بالتقنية النارية لمحاكاة البازلت الطبيعي.
تعكس هذه الاكتشافات ثراء وتنوع التراث الكويتي، كما تقدم صورة مفصّلة عن الحياة اليومية للرهبان، بما يشمل النظام الغذائي، والأنشطة الحرفية، وتوزيع المباني والخدمات داخل الدير. وأكدت الدكتورة بونيرك أن كل موسم من مواسم التنقيب يسفر عن اكتشافات جديدة تبرز غنى الموقع، ويعد هذا الموسم، الذي بدأ في 17 نوفمبر 2025، الموسم الثاني عشر للبعثة، وهو يهدف إلى دراسة المرحلة الأولى من الدير وفهم تطوره المكاني وأسلوب الحياة اليومية لسكانه.
++++++++++++++++++
ArchaeoQoo، Al-Qusur Monastery and Village — Failaka Island, Kuwait
Monastery in the Centre of Al-Qusur, Failaka Island, Kuwait
ResearchGate، Monastery in the Centre of Al-Qusur, Failaka Island, Kuwait
Christian settlement at Failaka, Qusur site (Kuwait): excavations in 2011 and 2013
صحيفة الوفاق، الوطني للثقافة: اكتشاف قطع أثرية استثنائية في «دير القصور» وسط فيلكا، 24 ديسمبر 2025
ليكــــون للبركـــة
Patricia Michael