انطاكية بيسيدية – معبد أغسطس / Pisidian Antioch – Temple of Augustus
Patricia Michael
«لَأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَنْ يُسَمَّوْنَ آلِهَةً، سِوَاءٌ فِي السَّمَاءِ أَمْ عَلَى الأَرْضِ – كَمَا يُوجَدُ آلِهَةٌ كَثِيرُونَ وَأَرْبَابٌ كَثِيرُونَ – لَكِنْ لَنَا نَحْنُ إِلَهٌ وَاحِدٌ: الآبُ، الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ، وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ» " (1 كو 8: 5 - 6 ).
واجه بولس الرسول في خدمته عالمًا غارقًا في الوثنية ومثقلًا بالممارسات الدينية المتنوعة. ففي المجتمع الروماني في آسيا الصغرى ، إذ ضمّت المدينة معبدًا إمبراطوريًا (Imperial Temple)، كان من المتوقَّع أن يشارك جميع السكان في طقوس عبادة الإمبراطور . وقد حظي اليهود في القرن الأول باستثناء خاص من هذه الممارسات، وامتد هذا الاستثناء مبدئيًا إلى المسيحيين . غير أنّ هذا الوضع لم يدم طويلًا؛ فمع حلول زمن الرحلات التبشيرية المتأخرة لبولس، صار الانخراط في الطقوس الإمبراطورية مطلبًا إلزاميًا. كانت روما تتسامح مع تعدّد المعتقدات، لكنها اشترطت الولاء الطقسي للإمبراطور كدليل إخلاص سياسي. أما المسيحيون، فقد رفضوا هذه العبادة رفضًا قاطعًا، الأمر الذي وضعهم في صدام مباشر مع السلطة، وجعلهم عرضةً لاضطهادات شديدة، إلى أن صدر مرسوم ميلان (Edict of Milan – Edictum Mediolanense ) سنة 313م على يد الإمبراطور قسطنطين (Emperor Constantine)، الذي اعترف بالمسيحية رسميا.
في أنطاكية بيسيدية (Pisidian Antioch) لا تزال أطلال معبد أغسطس (Temple of Augustus) شاهدة على هذا الواقع التاريخي والديني. فقد شيّد الإمبراطور تيبيريوس (Emperor Tiberius) سنة 25م الرُّبُع الواسع المعروف باسم "هضبة تيبيريوس" (Tiberius Plateau) والبوابة الكبرى (Grand Propylaeum – προπύλαιον وتعني "المدخل الضخم") المؤدية إلى المعبد تكريمًا لأغسطس (Augustus). وقد أُقيم المعبد في موضع مرتفع يطل على المدينة بأسرها، وأُحيط برواق محفور في التل مكوَّن من طابقين. أما الفتحات المنتظمة في الجدار الحجري، فقد ثُبتت فيها العوارض الخشبية التي تحمل الطابق العلوي، فيما انتصب أكثر من مئة عمود لتضفي على المكان مهابة وجلالًا. وحتى اليوم، يترك صعود الدرج من الهضبة ثم مواجهة أطلال المعبد انطباعًا مهيبًا، فكم بالحري في زمن بولس حين كان البناء كاملًا بزخارفه وعظمته.
وعند مدخل البوابة الكبرى انتصبت تماثيل ضخمة لرأس الإمبراطور أغسطس، كما نُقشت نسخة من الأعمال المنجزة (Res Gestae Divi Augusti – النص اللاتيني الرسمي الذي يسجل إنجازات أغسطس) على أعمدة البروبيلون (Propylaeum Columns) . وهكذا لم يكن المعبد مجرد مركز للعبادة الإمبراطورية، بل أيضًا فضاءً للتجارة والنشاط الاجتماعي، ما جعله جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية في المدينة. ومن هنا ندرك بوضوح حجم التحدي الذي واجهه المسيحيون الأوائل في تمسّكهم بإيمانهم وسط حضارة دمجت بين الولاء السياسي والعبادة الدينية دمجًا لا يقبل الفصل.
بعض التفاصيل التاريخية التي توضّح أهمية هذا الموقع:
- المرفق الأثري (Augusteum) يعتبر من أبرز المجمعات الأثرية في أنطاكية بيسيدية. يقع على نتوءٍ صخري ضمن أعلى نقاط المدينة، ويُشاهد من على بعد خطوات قليلة بعد صعود اثنتي عشرة درجة من البروبيلون
-المعبد بُني على قاعدة منحوتة مباشرة من الصخر، على منبر بارتفاع 2.5 متر تقريبًا، يُطلّ عبر مدخل في الوجه الغربي بواسطة سلم مكوَّن من 12 درجة
-يعكس التصميم طراز الـ prostylos، حيث تتألف الواجهة الأمامية من أربعة أعمدة ذات قواعد مميزة وأسطوانات مفلطحة مع رؤوس كورنثية، تحمل فوقها شرفات ثلاثية الطبقات (three-fascia architrave) مزينة بأكاليل وزخارف على هيئة جماجم الثيران (bucrania). وفوق هذه الشرفات، تتوزع النوافذ والثريات المزخرفة بالنقوش النباتية، لتشكل عنصرًا زخرفيًا أساسيًا في المعبد."
- المحيط بالمعبّد عبارة عن رواق نصف دائري محفور في الصخر، يتكوّن من طابقين: الطابق السفلي شُيِّد بالأعمدة الدورية (Doric)، والطابق العلوي بأعمدة أيونية (Ionic)، ويُعتقد أن عددها الإجمالي تجاوز 150 عمودًا."
- تم العثور على جزء من نص "Res Gestae Divi Augusti"، أي النص الرسمي الذي يسجّل إنجازات أغسطس، وقد نُقش على أعمدة عند مدخل البروبيلون. كما عُثر على تماثيل ضخمة تماثيل ضخمة لرأس الإمبراطور أغسطس عند المدخل، ما يُعزز من الطابع الاحتفالي والديني والسياسي للموقع.
ليكون للبركة
Patricia Michael