المسؤولية الالهية المباشرة والغير المباشرة تجاه العالم واحداثه
ترجمة : ايفـــا سامـــي حَـبَــــش
إن فهم مدى مسؤولية الله في العالم أمر بالغ الأهمية للاهوت المسيحي وهذا ينطوي على التمييز بين المسؤولية الالهية المباشرة وغير المباشرة، مما يسمح للمؤمنين بالتعامل مع القضايا المعقدة مثل الخطيئة والمعاناة والتدخل الإلهي. يُظهر هذا المقال الإطار اللاهوتي لفهم دور الله في الأحداث والأفعال المختلفة، مع التركيز على أهمية التمييز بين مشاركته ومسؤوليته المباشرة وغير المباشرة.
* مفهوم المسؤولية الإلهية
يمكن تقسيم مسؤولية الله تجاه العالم وأحداثه إلى قسمين:
اولا: مسؤولية مباشرة
ثانيا: مسؤولية غير مباشرة.
وهذا التمييز أمر حيوي لفهم طبيعة الله وتفاعله مع الخليقة بشكل صحيح. فهو يمنع المفاهيم الخاطئة حول دور الله في الشر والمعاناة مع تأكيد سيادته وعدله.
اولا : المسؤولية المباشرة
تشير المسؤولية المباشرة إلى الحالات التي يتدخل فيها الله بشكل حيوي في العالم لتحقيق مقاصده. هذه الأفعال هي دليل واضح لا لبس فيه على إرادته. ومن الأمثلة على الكتاب :
أ- الخلق: خلق الله الكون وجميع الكائنات الحية مباشرة. يقول تكوين 1: 1،
1 فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.
هذا العمل التأسيسي هو ممارسة مباشرة للقوة والإرادة الإلهية.
ب - المعجزات: الأحداث المعجزية، مثل شق البحر الأحمر (خروج 14: 21-22)، وقيامة يسوع (متى 28: 5-6)، واعمال الشفاء المختلفة التي قام بها يسوع، هي تدخلات مباشرة من الله ليكشف لنا قوته وتصديق رسالته.
ج - الدينونة: يتدخل الله مباشرة في الدينونة، كما رأينا في ضربات مصر (خروج ٧-١٢) ودمار سدوم وعمورة (تكوين ٢٤:١٩-٢٥).
"فَأَمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتًا وَنَارًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ. وَقَلَبَ تِلْكَ الْمُدُنَ، وَكُلَّ الدَّائِرَةِ، وَجَمِيعَ سُكَّانِ الْمُدُنِ، وَنَبَاتِ الأَرْضِ." (تك 19: 24-25).
تعمل هذه الأعمال على تحقيق العدالة الإلهية وإظهار قداسة الله.
ثانيا: المسؤولية غير المباشرة
تشير المسؤولية غير المباشرة إلى سماح الله للأحداث والأفعال من خلال النظام الطبيعي وإرادة الإنسان الحرة. وبينما يسمح الله بهذه الأحداث، فإنه لا يسببها بشكل مباشر. وهذا التمييز حاسم في فهم مشكلة الشر والمعاناة.
أ - الإرادة الحرة والخطيئة: خلق الله البشر بإرادة حرة، مما سمح لهم باتخاذ خياراتهم الخاصة. وهذا يشمل القدرة على فعل الخطيئة. عندما أخطأ آدم وحواء، مارسا إرادتهما الحرة ضد وصية الله (تكوين 1:3-6). ومع أن الله سمح بذلك، إلا أنه لم يتسبب في خطيتهم. وبدلاً من ذلك، سمح بذلك كجزء من خطته الأكبر لتاريخ البشرية وفداءها.
ب - الشرور الطبيعية: غالبًا ما يتم الاستشهاد بالكوارث الطبيعية والأمراض كأمثلة على المسؤولية غير المباشرة. بينما خلق الله النظام الطبيعي، فإنه يسمح له بالعمل وفقًا لمبادئه الخاصة، مما قد يؤدي إلى أحداث مثل الزلازل والفيضانات والأمراض. هذه ليست أعمالًا مباشرة لإرادة الله، ولكنها تحدث ضمن الإطار الذي أنشأه.
ج- الأحداث التاريخية: تقع العديد من الأحداث التاريخية، بما في ذلك الحروب والاضطرابات السياسية، تحت مسؤولية الله غير المباشرة. على سبيل المثال، يُنظر إلى صعود وسقوط الإمبراطوريات كجزء من خطة الله الشاملة، على الرغم من أنها ناتجة عن أفعال وقرارات بشرية. يقول دانيال 2: 21، " وَهُوَ يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالأَزْمِنَةَ. يَعْزِلُ مُلُوكًا وَيُنَصِّبُ مُلُوكًا " مما يشير إلى سيطرة الله السيادية على التاريخ دون التسبب بشكل مباشر في كل حدث.
* الآثار اللاهوتية
إن فهم مسؤولية الله المباشرة وغير المباشرة له آثار لاهوتية عميقة، خاصة فيما يتعلق بطبيعة الشر والمعاناة.
- الشر والمعاناة: إن وجود الشر والمعاناة في العالم غالباً ما يكون حجر عثرة أمام الإيمان. إن إدراك أن الله يسمح بذلك ضمن خطته السيادية، بدلاً من التسبب فيها بشكل مباشر، يساعد في التوفيق بين وجود الشر والإيمان بإله صالح وعادل. يوضح يعقوب 1: 13 "لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشَّرِّ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا" (UASV). وهذا يؤكد أن الله لا يسبب الشر بشكل مباشر.
- العدل الإلهي: يظهر عدل الله في تدخلاته المباشرة، خاصة في أعمال الدينونة. وهذه تعمل على دعم برّه وردع الخطية. ومع ذلك، فإن سماح الله للإرادة البشرية الحرة والعمليات الطبيعية يظهر التزامه بعالم حيث يكون الحب الحقيقي والاختيار الأخلاقي ممكنين.
تؤكد رسالة رومية 28:8 للمؤمنين، "ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده" (UASV)، مسلطًا الضوء على أنه حتى الأحداث غير المباشرة هي تحت عنايته.
* تطبيقات عملية
يجب على المؤمنين أن يطبقوا هذا المفاهيم التالية في حياتهم اليومية وتأملاتهم اللاهوتية:
- الصلاة والعناية الإلهية: إن التعرف على تصرفات الله المباشرة وغير المباشرة يُعلّمنا كيف يصلي المؤمنون ويدركون ماهية العناية الإلهية. يجب أن تعترف خلال صلاتك بسيادة الله وتسعى إلى تحقيق ارادته ومشيئته في حياتك مع ادراكك الكامل أن إستجابته قد تتضمن التدخل المباشر والعناية الإلهية.
الرعاية : عند معالجة مفهومي المعاناة والشر، يجب على الرعاة والمرشدين التأكيد على تعاطف الله وحضوره، والتمييز بين ما يسمح به الله وما يسببه مباشرة. وهذا يساعد المؤمنين على الثقة في صلاح الله رغم ظروفهم.
* أمثلة من الكتاب المقدس على المسؤولية الالهية غير المباشرة :
توضح العديد من الروايات الكتابية مسؤولية الله غير المباشرة،وكيف يسمح بالأحداث ضمن خطته السيادية.
أ - قصة يوسف: باعوه اخوته للعبودية بدافع الغيرة، وهو عمل من أعمال الخطيئة البشرية. ومع ذلك، سمح الله لهذه الأحداث أن تحقق خيرًا أعظم. قال يوسف لإخوته فيما بعد:
"أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا." (تك 50: 20).
يوضح هذا كيف يمكن لله أن يستخدم أفعال البشر، حتى تلك الخاطئة، لتحقيق مقاصده.
ب_ تجارب أيوب: يقدم سفر أيوب فهماً عميقًا للمعاناة والسماح الإلهي. سمح الله للشيطان أن يختبر أيوب، لكنه لم يتسبب في معاناة أيوب بشكل مباشر. لقد أظهرت أمانة أيوب خلال تجاربه عمق الاستقامة البشرية ومدى العناية الإلهية.
ج- شوكة بولس: اختبر الرسول بولس "شوكة في الجسد" الذي سمح بها الله لكي يبقيه متواضعاً (كورنثوس الثانية 7:12-10).
7 وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي، لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ.
8 مِنْ جِهَةِ هذَا تَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنْ يُفَارِقَنِي.
9 فَقَالَ لِي: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ». فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ.
10 لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ.
إن مسؤولية الله غير المباشرة في هذا الموقف أظهرت نعمته وقوته في ضعف بولس.
* خاتمة
إن التمييز بين مسؤوليات الله المباشرة وغير المباشرة يسمح بفهم أكثر دقة وأمانة لدوره في العالم. ويؤكد سيادته وعدله مع الحفاظ على إرادة الإنسان الحرة والنظام الطبيعي. من خلال الاعتراف بهذه الفروق، يمكن للمؤمنين أن يتكيفوا بشكل أفضل بين تعقيدات الحياة والمعاناة والظروف المتغيرة مع العناية الإلهية، مما يعمق ثقتهم في خطة الله الشاملة من أجل الخير.
إن فهم الإرادة الحرة والمسؤولية غير المباشرة يؤكد المسؤولية الأخلاقية للإنسان؛ فالمؤمنون مسؤولون عن أفعالهم، ويجب أن يسعوا جاهدين إلى مواءمة إرادتهم مع إرادة الله، عالمين أنه يسمح لهم باختياراتهم، لكنه يدعوهم إلى البر.
ترجمة : ايفـــا سامـــي حَـبَــــش
How Can We Understand God Is Indirectly Responsible for All Things and Directly Responsible for Some Things?