شهادة يوحنا المعمدان للمسيح واعلانه ان عطية الله هي من الآب في بالابن بالروح القدس
النصوص : يوحنا 3 : 27 -36
27 أجَابَ يُوحَنَّا وَقَالَ: «لاَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ السَّمَاءِ.28 أَنْتُمْ أَنْفُسُكُمْ تَشْهَدُونَ لِي أَنِّي قُلْتُ: لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ بَلْ إِنِّي مُرْسَلٌ أَمَامَهُ.29 مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ، وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْعَرِيسِ. إِذًا فَرَحِي هذَا قَدْ كَمَلَ.30 يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ.31 اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، وَالَّذِي مِنَ الأَرْضِ هُوَ أَرْضِيٌّ، وَمِنَ الأَرْضِ يَتَكَلَّمُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ،32 وَمَا رَآهُ وَسَمِعَهُ بِهِ يَشْهَدُ، وَشَهَادَتُهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْبَلُهَا.33 وَمَنْ قَبِلَ شَهَادَتَهُ فَقَدْ خَتَمَ أَنَّ اللهَ صَادِقٌ،34 لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمِ اللهِ. لأَنَّهُ لَيْسَ بِكَيْل يُعْطِي اللهُ الرُّوحَ.35 اَلآبُ يُحِبُّ الابْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ.36 الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ».
شرح النصوص
فهم اليهود معموديتا يوحنا وتلاميذ المسيح على أنها إحدى صور التطهير والتوبة، وفي هذا لم يخطئوا بحسب فهمهم الذي لا زال مرتبطا بناموس العهد القديم، والذي كان يحوى شرائع للتطهير... ولكن المباحثة أو المجادلة كانت مقارنة بين معمودية تلاميذ المسيح الآخذة في الازدياد، والتفاف اليهود حول المسيح، وبين معمودية يوحنا المعمدان وأتباعه، الآخذة في النقصان من جهة أخرى. وفي هذه المباحثة، أغاظ اليهود تلاميذ يوحنا الذين ذهبوا بدورهم إلى يوحنا، عارضين عليه ما أثارهم في أن الجميع يذهبون للمسيح عوضا عنه، طالبين من يوحنا الدفاع عن نفسه وعن معموديته الأسبق عن معمودية تلاميذ المسيح.
نسى تلاميذ يوحنا المعمدان شهادته الأولى في عبر الأردن للسيد المسيح، وهو القائل بأنه غير مستحق أن يحل سيور حذائه (يو 1: 27)، وأنه ابن الله (يو 1: 34). فارتباطهم العاطفى، وتبعيتهم للمعمدان بمشاعرهم البشرية فقط، أوقعتهم في الغيرة من انتشار كرازة المسيح.
ع27-30: في هذه الأعداد، يرد المعمدان على غيرة تلاميذه الغاضبة بنوع من التعليم الهادئ، الواضح والصريح أيضا، ولخص المعمدان تعليمه في النقاط الآتية:
(1) أنه لا يستطيع أن يأخذ شيئًا أو يدّعى حقا لم تعطه له السماء (ع27).
(2) تذكير تلاميذه بما سبق وقاله بأنه السابق للمسيح لتهيئة الطريق والنفوس، وليس هو المسيح.
(3) شتان الفرق بين العريس صاحب الخليقة والعُرس، والذي له العروس (نفوس المؤمنين)، وبين صديق العريس الذي يكفيه، فخرا وافتخارا، أنه صديق ساهم في إعداد العروس للعريس دون أن يدعى أن له نصيبا فيها، ولهذا يعتبر أن فرحه قد كمل (ع29)، لأن الكنيسة كنيسة المسيح.
تصوير المسيح أنه العريس، هذا جاء في الأنبياء (هو19:2-21+ إش1:54-10). والمعمدان كنبي تنبأ عن المسيح بفرح إذ أن نبوته قد تحققت ورأى تحقيقها بعينيه. وعند اليهود كان صديق العريس يعد كل شيء للعريس وللفرح، وحينما ينتهي الفرح بنجاح وبدون مشاكل يفرح الصديق إذ أن مهمته قد نجحت (راجع عُرْس قانا الجليل (يو 2) فكان رئيس المتكأ هو صديق العريس). وكان هذا عمل المعمدان، إعداد الناس كعروس للمسيح العريس الحقيقي. أما لو أخذ صديق العريس العروس لصار مغتصبًا.
(4) يؤكد المعمدان هذا الفرق، إذ يعلن أن الوضع الطبيعي "أن ذلك" (المسيح) وملكوته ينبغي أن يزيد لأنه وحده صاحب الكرامة، وأنه هو ينقص ويتوارى، حتى يقدم أيضًا كل من معه -تلاميذه- إلى المسيح صاحب العرس الحقيقي، وكأنه يقول: إذا أشرقت الشمس طغى نورها عل كل المصابيح.
ع31: يستكمل المعمدان حديثه، موضحا الفرق بين السيد المسيح وأي مخلوق آخر حتى المعمدان نفسه. فأى إنسان هو أرضى، ومهما بلغ علمه ومعرفته فهي قاصرة لأنها أرضية، ولم تنكشف له السماء بكل أسرارها. ومهما تكلم، فإنه يتكلم بلغة الأرض القاصرة والناقصة عن فهم السماويات والتعبير عنها. هذا بخلاف المسيح الذي وحده "من فوق"، أي من الآب، وهذا سبب أنه "فوق الجميع"، لأن مصدره الآب وليس السماء فقط، وإلا كان أي ملاك مصدره السماء هو فوق الجميع أيضًا.
ع32: المقصود أن المسيح يشهد بالحق الذي يعلمه ويعلنه. أما استخدام تعبير "رآه وسمعه"، فهو استخدام الروح القدس لتعبير بشرى حتى يقرّب المعنى، فالشهادة الحق التي يصدقها الإنسان، هي شهادة العَيان "بالرؤية والسمع"، وهي كناية عن صدق شهادة المسيح حتى لو لم يقبلها إنسان. وعبارة "وشهادته ليس أحد يقبلها"، هى نبوة عن رفض الكتبة والفرّيسيّين، والكثيرين من بعدهمٍ، ومجلس السبعين والكهنة لتعليم وفداء المسيح.
ع33-34: أي من قبل شهادة المسيح وصدقها‘ فقد آمن وأقر بأن الله صادق، لأن المسيح هو الله، ولأن المسيح هو كلمة الله والمُعْلِنُ للناس كلام أبيه، ولأنه من الله فلا يتكلم إلا بكلام أبيه.. أما معنى "ليس بكيل يعطى الله الروح"، فهو أن الروح القدس أُعْطِىَ لكل الأنبياء بمقدار (مكيال) بحسب ما يحتمل السامع، وبحسب الظروف القائمة. أما بالنسبة للمسيح، فالروح القدس لا يُعْطَى بمكيال، بل إلى كل ملء الروح، لأن قياس ملء المسيح هو قياس الله ذاته، بمعنى آخر: لأن المسيح هو الله، فإنه لم يأخذ مقدارا من الروح القدس، فالروح القدس يملأه بالكمال كما أن الروح القدس يمتلئ من حكمة الابن بالكمال، وهذا تمييز آخر يضيفه المعمدان في شهادته عن المسيح في اختلافه عن باقي الخليقة، إذ هو خالقها.
(آية 33): وَمَنْ قَبِلَ شَهَادَتَهُ فَقَدْ خَتَمَ أَنَّ اللهَ صَادِقٌ،
جرت العادة عند اليهود أن الشاهد يضع ختمه تصديقًا على الشهادة التي نطق بها.
والمسيح جاء ليشهد للآب *وليعلن لنا الآب، ويعلن لنا محبة الآب للبشر وإرادته من نحو البشر. والله وعد بأنبيائه ونبوات العهد القديم ورموزه، أنه سيرسل المسيح المخلص ليعطينا الخلاص ويقيمنا من الموت. بل حينما يقيم المسيح موتى فهو يعلن إرادة الآب في أن يحيا الإنسان ولا يموت. وحينما يفتح أعين عميان فهو يعلن أن الآب يريد لنا العين المفتوحة التي ترى مجده ... وهكذا. فمن قبل شهادة المسيح وصَدَقَّهُ فكأنه ختم على أن شهادة المسيح عن الآب هي حق، وأن الله كان صادقًا وأمينًا في كل وعوده في أنه سيرسل المسيح، ويتمم الفداء ويخلص البشر، ويعيد الحياة للبشر الذين ماتوا بسبب الخطية = خَتَمَ أَنَّ اللهَ صَادِقٌ.
والآية تعني أن الذي يقبل المسيح يجد فيه ختمًا لكل نبوات الأنبياء والمواعيد التي قالها الله على فم أنبيائه، والتي كانت تشهد بالخلاص الآتي. وأن الله كان صادقا وأمينا في كل ما قيل عن المسيح. وأن كل الرموز التي كانت عن المسيح تحققت في المسيح.
*وليعلن لنا الآب = الله بلاهوته لا يمكن للإنسان أن يراه ويعيش (خر33: 20). لذلك كان هذا وعد الآب أنه سيرسل المسيح (تث18: 15-19) ليشهد لله. فهو صورة الآب. ومن يراه فقد رأى الآب. لذلك لما أتى المسيح خَبَرَّنا عن الآب "ٱللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلِٱبْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلْآبِ هُوَ خَبَّر" (يو1: 18). بل أن المسيح هو صورة الآب، فمن قَبِلَ المسيح فهو من كان يعرف الآب حقًا. فهو صورة الله غير المنظور (كو1: 15)، وهو رسم جوهره (عب1: 3). لذلك قال الرب يسوع لليهود "لستم تعرفونني أنا ولا أبي، لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا" (يو8: 19). فمن عاش في العهد القديم مطيعًا لوصية الله وفي اتضاع وبساطة مثل تلاميذ المسيح الصيادين البسطاء غير المنتفخين، نجد هؤلاء بطاعتهم للوصية أخذوا فكرة واضحة عن الله (راجع تفسير مت7: 24-27). ومن عرف الله حقيقة عرف المسيح. والعكس صحيح فمن يعرف المسيح الآن سيعرف الآب. فالمسيح هو صورة الآب. لذلك يقول الرب لفيلبس "الذي رآني فقد رأى الآب" (يو14: 9).
ومَنْ عرف المسيح ورآه في بره سيعرف الآب وأنه بار = صادق في كل ما وعد به فكلمة بار تعني صادق. ولاحظ أن المسيح يدعو الآب بقوله "أيها الآب البار" (يو17: 25).
ويصبح معنى الآية:
1. مَنْ رأى المسيح وسمع تعاليمه ورأى أعماله، ثم أدرك معنى فدائه، عرف أن الله كان أمينا في كل ما وعد به من إرسال ابنه ليقدم الفداء للبشر.
2. مَنْ عرف المسيح حقيقة عرف أن فيه تحقيقا للنبوات والرموز التي في الكتاب المقدس.
3. مَنْ رأى المسيح في بره وفهم أن المسيح أتى ليشهد للآب، وفهم أن المسيح صورة الآب، أدرك أن الآب بار = صادق، في العبرية كلمتيّ عادل وبار هما كلمة واحدة. قال أن عقوبة الخطية هي الموت، وفعلا مات آدم ونسله، وهو بار وعد بأن يُرسل فادي للبشر ونفذ وعده في المسيح على الصليب.
4. ومَنْ فهم كل هذا فكأنه ختم على أمانة وصدق الله = خَتَمَ أَنَّ اللهَ صَادِقٌ.
ع35: "الآب يحب الابن": سر جديد يكشفه لنا القديس يوحنا في علاقة الثلاثة أقانيم، فالحب هو لغة الثالوث الأقدس..
كذلك توضح هذه الآية، بصورة غير مباشرة، لاهوت السيد المسيح وتثبته، فيقول الله: "مجدى لا أعطيه لآخر" (إش 42: . ولكن، أن يعطى كل المجد للابن "دفع كل شيء في يده"، لأن الابن مساوٍ للآب في الجوهر، وكل ما هو للآب هو للابن، وكل ما هو للابن هو للآب.
ع36: يختتم القديس يوحنا هذا الأصحاح بما يريد تأكيده، وتكلم عنه في الأعداد (15، 16، 18)، في أنه لا خلاص بدون الإيمان بالسيد المسيح، بل إن هذه الآية هي مفتاح وملخص الأصحاح كله.
(آية 34): الله أرسل المسيح الذي تعترضون أنتم عليه، محملًا بآيات وكلام الحياة، كلام الله نفسه. وكان هذا وعد الله "أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ" (تث18: 18). والله كان يعطي الأنبياء الروح بمقياس ومكيال أي بقدر معين. وعلى قدر ما يحتمل كل نبي وبقدر ما يحتمل السامعين، أما للمسيح فبلا كيل وبلا مقياس فهو له ملء الروح، ونحن نأخذ من ملئه (يو16:1). والناس تذهب إلى المسيح لأن كلامه هو كلام الله. وكلام المسيح هو روح وحياة (يو6: 63). ولا أحد يستطيع أن يتكلم في الإلهيات إلاّ بالروح القدس. نسمع أن المسيح بعدما غلب الشيطان في التجربة على الجبل "رَجَعَ يَسُوعُ بِقُوَّةِ ٱلرُّوحِ إِلَى ٱلْجَلِيلِ" (لو4: 14). هو كان مملوءًا من الروح بعد أن حلًّ عليه الروح القدس على هيئة حمامة (لو4: 1). وقال عنه القديس يوحنا الإنجيلي أنه كان مملوءًا نعمة وحقًا (يو1: 14). الروح القدس ملأ الإنسانية التي في المسيح من كل قوة. هنا يقارن المعمدان بينه وبين المسيح. فالمعمدان كان له قوة في تعليمه ودعوته كنبي، أما المسيح المملوء وبلا كيل فكان له قوة أعظم. وبنفس الفكر قال المعمدان أن معمودية المسيح ستكون بالروح القدس ونار، بينما أن معموديته هو التي يمارسها مع تلاميذه هي بالماء فقط. وأن المسيح من السماء بينما هو من الأرض (آية 31).
لأَنَّهُ لَيْسَ بِكَيْل يُعْطِي اللهُ الرُّوحَ = البعض يطبق خطأً هذه الآية على البشر أو على الخدام، وهذا خطأ، بدليل أن القديس بولس الرسول يطلب من الجميع قائلا "إمتلئوا بالروح" (أف5: 18). فالله يعطي البشر بقدر معين وبجهادهم يحصلون على الأكثر ويزدادون في النعمة ويمتلئون بجهادهم يوما بعد يوم. ولاحظ أن الروح حلَّ على التلاميذ على هيئة ألسنة نار منقسمة، كلٌ بحسب احتماله وبحسب الخدمة المطلوبة منه. أما على المسيح فلقد حلَّ عليه الروح القدس على هيئة حمامة كاملة وليس شيئًا منقسمًا.
بهذه الكلمات والتعاليم كان يوحنا المعمدان يحول تلاميذه للمسيح لتكون لهم حياة أبدية.
فالإيمان بالمسيح هو فقط طريق الحياة الأبدية