أسطوانة كورش (Cyrus Cylinder) شاهد تاريخي على أحداث الكتاب المقدس وسياسة حقوق الأمم
ترجمة ودراسة : Patricia Michael
أسطوانة كورش هي قطعة أثرية مصنوعة من صلصال محروق، منقوشة بالخط المسماري باللغة الأكدية، وصُنعت في القرن السادس قبل الميلاد خلال حكم كورش الكبير (Cyrus the Great) ملك فارس. وتُخلِّد هذه الأسطوانة فتوحاته لمدينة بابل (Babylon) والسياسات التي اتبعها لإعادة الاستقرار وإعمار المعابد والسماح لبعض الشعوب بالعودة إلى أوطانها.
حقائق أساسية
التاريخ: نحو 539 قبل الميلاد
المادة: صلصال محروق
اللغة: الأكدية بالخط المسماري
مكان الاكتشاف: بابل (العراق حاليًا)
الموقع الحالي: المتحف البريطاني (The British Museum)
حجم أسطوانة كورش يبلغ 23 سم طولًا و11 سم عرضًا، وتحتوي على أكثر من 40 سطرًا من الكتابة (رغم أنها مكسورة)، ويعود تاريخها إلى 539 قبل الميلاد.
الخلفية التاريخية
كُتبت الأسطوانة بعد أن استولى كورش على بابل من الملك نبونيدوس (Nabonidus) آخر ملوك بابل.
حكم نبونيدوس بابل من حوالي 556 ق.م حتى 539 ق.م. وانتهى حكمه عندما دخل كورش الكبير (Cyrus the Great) المدينة بعد أن هزم القوات البابلية، ودخل بابل سلمياً كما ورد في أسطوانة كورش.
بعد سقوطه، لم يعد هناك ملك مستقل لبابل، إذ أصبحت جزءاً من الإمبراطورية الأخمينية الفارسية تحت حكم كورش.
ويصوّر النص كورش بوصفه مختارًا من الإله مردوخ لإعادة النظام والسلام، ويعرض أعماله في إعادة بناء المعابد وإعادة بعض السكان إلى مناطقهم، وهي سياسة ساعدت على تثبيت حكمه في إمبراطورية متعددة الشعوب.
المحتوى والتفسير
يركّز النص على صورة الملك التقيّ والعادل، ويمزج بين تقاليد بلاد الرافدين والأفكار السياسية الفارسية. وقد اعتبر بعض الكُتّاب في العصر الحديث الأسطوانة مثالًا مبكرًا لحقوق الإنسان، لكن معظم الباحثين يرونها نقشًا ملكيًا تقليديًا يهدف إلى إظهار شرعية الحاكم وكسب ولاء السكان.
الاكتشاف والأهمية
اكتُشفت الأسطوانة سنة 1879 على يد عالم الآثار هرمز رسّام (Hormuzd Rassam) في أطلال بابل، ثم نُقلت إلى المتحف البريطاني حيث ما تزال محفوظة. وأصبحت في العصر الحديث رمزًا ثقافيًا مهمًا، كما أشارت إليها جهات دولية مثل الأمم المتحدة (United Nations) بوصفها مثالًا رمزيًا على التسامح والتنوع، رغم استمرار الجدل العلمي حول تفسيرها.
أسطوانة كورش الكبير: أول وثيقة لحقوق الأمم حسب بعض المؤرخين
في 12 أكتوبر (التقويم اليولياني؛ 7 أكتوبر بالتقويم الغريغوري) عام 539 قبل الميلاد، دخل الجيش الأخميني مدينة بابل دون أي صراع. دخل كورش الكبير (Cyrus the Great) نفسه المدينة في 29 أكتوبر، متخذًا ألقاب:
-ملك بابل (King of Babylon)
-ملك سومر وأكد (King of Sumer and Akkad)
-ملك أركان العالم الأربعة (King of the Four Corners of the World)
يصف كورش الكبير (Cyrus the Great) على هذه الأسطوانة كيف غزا مدينة بابل (Babylon) القديمة، وكيف دخل جيشه العظيم المدينة بسلام؛ ويؤكد قوله إنه دخل المدينة سلمياً، ما ورد أيضًا في سجل نبونيدوس (Chronicle of Nabonidus). يُعتبر الملك الأخير لبابل، نبو نيدوس (Nabonidus)، طاغية صاحب أفكار دينية غريبة، ما دفع مردوخ (Marduk)، الإله الراعي لمدينة بابل، إلى التدخل بحسب مفاهيمهم الدينية. يعتبر كورش (Cyrus) نفسه مختارًا من قبل إله أعلى، وهو ما أكد عليه سفر إشعياء النبي في الفصول 40-55 من الكتاب المقدس ، بعد ذلك وُضعت أسطوانة كورش (Cyrus Cylinder) تحت جدران "إيساجيلا (Esagila)" كجزء من طقس وضع الأساسات، وفق تقليد حضارات بلاد ما بين النهرين.
كان هناك ثلاثة مبادئ رئيسية في مراسيم أسطوانة كورش (Cyrus Cylinder):
-صياغة سياسية لمساواة الأعراق واللغات والأديان.
-السماح للعبيد والمسبيين وجميع الشعوب المهجرة بالعودة إلى أوطانهم.
-إعادة بناء جميع المعابد المدمرة.
في عام 1971، وُصفت أسطوانة قورش (Cyrus Cylinder) بأنها أول ميثاق لحقوق الإنسان في العالم، وتمت ترجمتها إلى جميع اللغات الرسمية الست للأمم المتحدة. تُحفظ نسخة طبق الأصل من الأسطوانة في مقر الأمم المتحدة (United Nations Headquarters) في نيويورك (New York City)، في الطابق الثاني بين قاعات مجلس الأمن (Security Council) والمجلس الاقتصادي والاجتماعي (Economic and Social Council).
تم تفسير بعض المقاطع في نص الأسطوانة على أنها تعكس احترام كورش (Cyrus) للبشرية، وتعزيز شكل من أشكال التسامح الديني والحرية؛ وبفضل سياساته الكريمة والإنسانية، حصل كورش (Cyrus) على دعم واسع من رعاياه.
أسطوانة قورش (Cyrus Cylinder) ليست السبب الوحيد في تقدير إرثه. وفقًا للأستاذ ريتشارد فراي (Richard Frye):
"باختصار، بقيت شخصية كورش (Cyrus) عبر التاريخ أكثر من مجرد رجل عظيم أسس إمبراطورية. لقد أصبح رمزًا للصفات العظيمة المتوقعة من الحاكم في العصور القديمة، واتسم بصفات بطولية كفاتح متسامح وكريم، بالإضافة إلى شجاعته وجرأته. شخصيته كما رآها اليونانيون أثرت فيهم وفي الإسكندر الأكبر (Alexander the Great)، ومع انتقال هذا التقليد عبر الرومان، يمكن اعتبارها مؤثرة في تفكيرنا حتى اليوم."
أهمية أسطوانة كورش في فهم الخلفية التاريخية للكتاب المقدّس
تُعد أسطوانة كورش (Cyrus Cylinder) ذات أهمية خاصة عند دراسة الكتاب المقدّس لأنها تمثّل شاهدًا تاريخيًا من خارج النصوص الدينية يتوافق مع الإطار العام لبعض الأحداث المذكورة في العهد القديم. فالنصوص التوراتية، ولا سيما في سفر عزرا ، تذكر أن الملك الفارسي كورش الكبير (Cyrus the Great) سمح لليهود بالعودة من السبي البابلي وإعادة بناء الهيكل بعد سقوط بابل . ورغم أن الأسطوانة لا تذكر اليهود أو أورشليم بالاسم، فإنها تصف سياسة عامة اتبعها كورش تقوم على إعادة الشعوب إلى أراضيها وإعادة بناء معابدها، وهي سياسة تتوافق مع ما ترويه النصوص التوراتية من حيث المبدأ. كما أن صورة كورش في بعض أسفار الكتاب المقدّس، مثل سفر إشعياء ، بوصفه حاكمًا أداة لتحقيق مقاصد إلهية، تصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى هذا النقش الذي يقدّمه حاكمًا يسعى إلى كسب ولاء الشعوب عبر التسامح الديني وإعادة الإعمار. لذلك ينظر الباحثون إلى أسطوانة كورش على أنها دليل مهم يساعد في فهم الخلفية التاريخية لفترة نهاية السبي البابلي، كما يُنظر إليها على أنها شاهداً هاماً يؤيّد أحداثًا متعددة وردت في الكتاب المقدّس.
كتب ودراسات
Finkel, Irving. The Cyrus Cylinder: The Great Persian Edict from Babylon. Bloomsbury Academic, 2013.
Frye, Richard N. The Heritage of Persia. Mazda Publishers, 1963.
Briant, Pierre. From Cyrus to Alexander: A History of the Persian Empire. Eisenbrauns, 2002.
Kuhrt, Amélie. The Persian Empire: A Corpus of Sources from the Achaemenid Period. Routledge, 2007.
Vanderhooft, David. “Cyrus the Great and the Origins of Human Rights.” Journal of Ancient Near Eastern History, vol. 3, 2016, pp. 45–62.
Wiseman, D. J. “The Cyrus Cylinder and Persian Imperial Policy.” Iraq, vol. 24, 1962, pp. 111–127.
Oppenheim, A. Leo. “Babylonian Historical Texts Relating to Cyrus.” Journal of Cuneiform Studies, vol. 14, 1960, pp. 99–120.
ليكون للبركة
Patricia Michael