السماوات ’’تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه‘‘، فعندما يرفع الإنسان نظره إلى فوق يجد شهادة قوية ناطقة بقدرة الله السرمدية ولاهوته. ’’لا قول ولا كلام لا يسمع صوتهم. في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم’’(مز3:19،4) وكثيرون من العلماء† المهمين والنوابغ قد انحنوا أمام تلك الشهادة قائلين إنه لابد أن يكون هناك إله قدير عظيم قد خلق هذه الخليقة الدقيقة البديعة.

مُنْذُ خَلْقِ ٱلْعَالَمِ أي منذ بدء الزمان ومنذ وجود المصنوعات الشاهدة لله ووجود أناس يشاهدونها ويدركون شهادتها.

 

بِٱلْمَصْنُوعَاتِ أي العالم المادي الذي يدركه الإنسان بالحواس الظاهرة وبالعقل ويتعلم منه الحقائق الروحية.

 

قُدْرَتُهُ ٱلسَّرْمَدِيَّةُ أول تأثيرات أعمال الله في الإنسان كالبرق والرعد والزلزلة واضطراب البحر والزوبعة تجعله يتيقن أن الله الذي صنعها ويسوسها قدير. ونعت «قدرته السرمدية» لأنه لا يمكن أن تكون قدرة كقدرة الله ما لم تكن أزليّة أبديّة.

 

حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ على عدم معرفتهم الله وعدم عبادتهم وإطاعتهم إياه لأن الله خلق العالم شاهداً له وخلق ضمير الإنسان كذلك فمن جهله فلا عذر له. وقوله هنا كقوله لأهل ليكأونية (أعمال 14: 16 و17) وقوله لأهل أثينا (أعمال 17: 27).

وما أظهره الرسول هنا من إمكان الإنسان أن يدرك الله بالأدلة الطبيعية

"لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. (رو 1: 20-21).

 

كان نابليون مرة على ظهر بارجة حربية في ليلة مقمرة، ومر على جماعة من ضباطه يسخرون من حقيقة وجود الله، فوقف وأشار بيده إلى السماء وقال لهم: أيها الرجال يجب أن تتخلصوا من هذه النجوم اللامعة أولاً. والواقع أن الناس في دخيلة نفوسهم يعتقدون بقوة أعلى منهم هم مسؤولون أمامها عن أعمالهم الشريرة، ولكنهم يتجاهلونها بإرادتهم ليستمروا بشرورهم. إلاّ إنهم عند الخطر المفاجئ يصرخون بغير شعور قائلين ’’يا رب‘‘ كما قال فرعون قديماً (مع أنه لا يعرف الله) ’’أخطأت إلى الرب‘‘ (خر16:10) عندما ثقلت يد الرب عليه بالضربات، وكما قال الفلسطينيون الوثنيون عندما شعروا بالرعب, قد جاء الله إلى المحلة‘‘ (1صم7:4).

 

فالمصنوعات التي أبدعها الله بقدرته تعلن أموره غير المنظورة ـ ليس كل أموره طبعاً بل ’’قدرته السرمدية ولاهوته‘‘. ولا عذر للإنسان في تجاهل هذه الشهادة التي يراها أمام عينيه وتتحدث إلى ضميره.

 

منذ خلق العالم، قد وضع الله ميزتين من ميزاته غير المنظورة في عرض دائم كي يراهما جميع الناس، ألا وهما: قدرته السرمدية ولاهوته. والكلمة التي يستخدمها بولس تعني ألوهيته، وهذا يقترح صفة لله بدلاً من كينونته الواجبة، وصفاته المجيدة بدلاً من ألوهيته المتأصلة. فألوهيته مُسَلَّم بصحّتها وقبولها.

 

والحجة هنا واضحة: فالخلق يتطلب خالقًا. والتصميم هنا يتطلب مصمِّمًا. وعندما ننظر إلى الشمس والقمر والنجوم نعلم أنه يوجد إله.

انهم بلا عذر. فالله قد أعلن نفسه لهم في خليقته. ولكن لم يتجاوبوا مع ذلك الإعلان. فهم لا يُدانون لرفضهم مخلِّصًا لم يسمعوا به فقط، بل ايضا لعدم أمانتهم في الأمور التي كانت قد عرَّفتهم بالله.