إسحاق والكبش في تكوين 22: قراءة في التيبولوجيا الكتابية (Biblical Typology) ومنهج التفسير المسيحي

Patricia Michael

يثير بعض المعترضين إشكالًا متكررًا حول القراءة المسيحية لقصة تقديم إسحاق في تكوين 22، حيث يفترضون أنه إذا كان إسحاق يُقرأ بوصفه رمزًا للمسيح، فلا يمكن أن يكون الكبش أيضًا مرتبطًا رمزيًا بالمسيح؛ لأن إسحاق لم يمت بل نجا، بينما مات الكبش عوضًا عنه. ومن ثم يخلصون إلى أن الجمع بين الرمزين يمثل تناقضًا، وأن أحدهما فقط يمكن أن يكون له دلالة مسيانية.

غير أن هذا الاعتراض يكشف عن خلل في فهم طبيعة الرمز الكتابي (Biblical Typology) ومنهج قراءة النصوص المقدسة؛ إذ يتعامل مع الرمز وكأنه معادلة رياضية يقتضي فيها كل عنصر مقابلًا واحدًا ثابتًا، بينما يقوم المنهج الكتابي على تعدد الرموز وتكاملها، بحيث يكشف كل رمز بُعدًا معينًا من شخص المسيح وعمله الخلاصي.

فالتيبولوجيا الكتابية لا تقوم على المطابقة الحرفية بين شخصين أو حدثين، وإنما على وجود أنماط تاريخية يكشف فيها الله تدريجيًا جوانب متعددة من عمله الخلاصي، بحيث قد تتوزع الحقيقة الواحدة على أكثر من شخصية أو أكثر من عنصر داخل القصة نفسها. فالرمز لا ينقل جميع تفاصيل الحدث اللاحق، وإنما يضيء جانبًا معينًا منه، بينما تكمل بقية العناصر الجوانب الأخرى.

وبعبارة أخرى، فالرمز الكتابي ليس وصفًا كاملًا ومباشرًا للحدث الآتي بكل تفاصيله، بل هو علامة تاريخية تحمل دلالات تتكشف تدريجيًا مع تقدم الإعلان الإلهي. ولذلك فإن العلاقة بين الرمز والمرموز إليه ليست علاقة تطابق حرفي شامل، بل علاقة تحقيق يتجاوز حدود التشابه الحرفي؛ إذ يكشف الرمز جانبًا معينًا من الحقيقة، ويجد النمط الذي ظهر في التاريخ القديم اكتماله في الإعلان المسياني اللاحق.

ولهذا السبب لا يشترط إطلاقًا أن يحمل كل عنصر في السرد الدلالة نفسها، ولا أن يستنفد شخص واحد جميع أبعاد الحقيقة المسيانية. فالوحي نفسه يستخدم أكثر من صورة للكشف عن المسيح، بل قد يجمع أكثر من رمز داخل الحدث الواحد.

فالكتاب المقدس لا يطلب من رمز واحد أن يستوعب جميع جوانب شخص المسيح وعمله، بل يقدم شبكة من الرموز المتكاملة، يكشف كل منها جانبًا معينًا من الحقيقة، ثم تتجمع هذه الجوانب معًا لتقديم الصورة الكاملة.

ولعل أوضح مثال على ذلك ما نجده في طقس يوم الكفارة (لاويين 16)، حيث يظهر تيسان يشكلان معًا ذبيحة واحدة من الناحية الطقسية. يُذبح أحدهما ويُدخل دمه إلى قدس الأقداس، بينما يحمل الآخر خطايا الشعب ويُطلق إلى البرية. ولم يفهم اليهود ولا المسيحيون أن الطقس يشير إلى مخلّصين مختلفين، بل إلى جانبين متكاملين من عمل المسيح الواحد؛ فالأول يصور الذبيحة الكفارية، والثاني يصور حمل الخطايا وإبعادها عن الشعب.

ويظهر المبدأ نفسه في طقس تطهير الأبرص (لاويين 14)، حيث يُذبح طائر، بينما يُطلق طائر آخر حيًا بعد أن يُغمس في دم الأول. وقد رأت الكنيسة منذ القرون الأولى في الطائر المذبوح رمزًا للموت، وفي الطائر الحي رمزًا للحياة والقيامة. ولم يُنظر إلى الطائرين بوصفهما شخصين مختلفين، بل باعتبارهما صورتين متكاملتين لحدث خلاصي واحد.

وهذه الأمثلة تكشف أن تعدد الرموز داخل البنية الكتابية لا يمثل تناقضًا، بل يعكس طبيعة الإعلان الإلهي نفسه؛ إذ إن الحقيقة الواحدة قد تحتاج إلى أكثر من صورة لكي تُعلن أبعادها المختلفة.

ومن هذا المنطلق تُقرأ أيضًا قصة تكوين 22.

فإسحاق لا يرمز إلى المسيح لأنه مات، إذ إنه لم يمت بالفعل، وإنما لأنه يمثل الابن المحبوب، وابن الموعد، الذي يسير مع أبيه إلى موضع الذبيحة، ويحمل حطب المحرقة، ويخضع بإرادته، ويُوضع على المذبح استعدادًا للتقدمة. وهذه العناصر هي التي جعلت العهد المسيحي يرى فيه صورة مسبقة للابن الوحيد الذي حمل خشبة الصليب وسلّم نفسه بإرادته.

أما الكبش فلا يرمز إلى هوية المسيح، بل إلى وظيفته الفدائية. فهو الذبيحة التي ماتت عوضًا عن إسحاق، ومن ثم يكشف جانب الكفارة والبدلية في عمل المسيح. وهكذا فإن إسحاق والكبش لا يتنافسان على الرمز، بل يكمل أحدهما الآخر؛ الأول يبرز شخص الابن، والثاني يبرز الذبيحة التي تحقق الفداء.

وهنا تظهر إحدى أعمق دلالات قصة تكوين 22؛ فالله لا يكتفي بأن يمنع إبراهيم من تقديم ابنه، بل يعلن له أن طريق الخلاص لن يقوم على ذبيحة الإنسان لله، بل على عطية الله نفسه للإنسان. فالملاك يمنع إبراهيم من ذبح اسحاق، والكبش يظهر بديلًا عن إسحاق، وكأن الرسالة اللاهوتية العميقة للحدث هي: "ليست ذبيحتك أنت، بل ذبيحتي أنا." فالله الذي طلب من إبراهيم أن يثق به، هو نفسه الذي يهيئ الذبيحة التي تحقق الوعد والبركة.

ومن هذا المنظور تصبح قصة إسحاق أكثر من مجرد اختبار لإيمان إبراهيم؛ فهي إعلان مبكر لمبدأ الفداء، حيث لا يقدم الإنسان شيئًا يحقق به الخلاص، بل يتلقى عطية الله التي أعدها هو. وهذا يجد اكتماله النهائي في المسيح، حيث لا يكون الابن مجرد من يُقدَّم، بل هو نفسه العطية الإلهية والذبيحة التي يقدمها الله لخلاص العالم.

وبعبارة مختصرة: إسحاق يكشف من هو المقدَّم، والكبش يكشف كيف تمت التقدمة. إسحاق يعلن هوية الابن، والكبش يعلن طبيعة الذبيحة. وفي المسيح تجتمع الصورتان، لأنه هو الابن الوحيد الذي قدّم نفسه ذبيحة، وهو حمل الله الذي يرفع خطية العالم.

إن الاعتراض يفترض أن الرمز يجب أن يطابق المسيح من جميع الجهات، بينما هذا ليس هو منطق التيبولوجيا الكتابية. فالرموز في الكتاب المقدس لا تهدف إلى تقديم صورة كاملة بمفردها، بل يكشف كل رمز منها بُعدًا معينًا من شخص المسيح وعمله، ثم تتكامل الرموز المتعددة لتقديم الصورة الكاملة. ولهذا نجد أن المسيح نفسه يُشبَّه بآدم الجديد، وبإسحاق، وداوود، ويونان، والحمل، والحية النحاسية، والصخرة، والمنّ، دون أن يعني ذلك أن أيًا من هذه الشخصيات أو الأشياء يمثل جميع أبعاد شخصه وعمله.

ومن هنا يسقط الاعتراض القائل إن نجاة إسحاق تنفي رمزيته للمسيح؛ لأن هذا الاعتراض يركز على نهاية المشهد، متجاهلًا المعنى اللاهوتي الذي يكشفه النص نفسه. فالكاتب إلى العبرانيين لا يفسر قصة إسحاق باعتبارها مجرد نجاة من الموت، بل يقرأها في ضوء إيمان إبراهيم بقدرة الله على إقامة الموتى، إذ يقول: « إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ أَيْضًا، الَّذِينَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ أَيْضًا فِي مِثَالٍ». (عب 11: 19).

فالعنصر الرمزي في القصة لا يكمن في موت إسحاق الفعلي، لأنه لم يمت، ولا في نجاته بمعزل عن سياق التقدمة، بل في أن إبراهيم قدّم ابنه في طاعة الإيمان، ثم استرده من الله كما لو كان قد استرده من بين الأموات. ومن ثم أصبحت قصة إسحاق تحمل نمطًا رمزيًا يشير إلى الابن الذي يُسلَّم للموت ثم يُستعاد بالحياة، وهو ما يجد اكتماله في موت المسيح وقيامته.

وهنا ينبغي التنبيه إلى نقطة منهجية بالغة الأهمية؛ فالقراءة المسيحية لقصة تكوين 22 لا تستند إلى فرض معنى خارجي على النص، وإنما إلى تفسير العهد الجديد نفسه لهذا الحدث. فكاتب الرسالة إلى العبرانيين يربط القصة بالإيمان بالقيامة، كما أن الإنجيل بحسب يوحنا يربطها بإعلان المسيح نفسه حين قال: « أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ».(يو 8: 56). وهذا يعني أن الرب يسوع نفسه قدّم خبرة إبراهيم بوصفها مرتبطة بالإعلان المسياني، وأن فرح إبراهيم لم يكن مجرد فرح برؤية حدث تاريخي عابر، بل فرح بتحقيق الوعد الإلهي الذي يبلغ اكتماله في المسيح. وبالتالي فإن المسيحية لا تفرض على النص معنى غريبًا عنه، بل تنطلق من الطريقة التي فسّر بها الوحي اللاحق الوحي السابق.

أما القول إن المسيح لا يمكن أن يكون في الوقت نفسه "الابن" و"الحمل"، فهو ناشئ عن الخلط بين مستويين مختلفين من الخطاب اللاهوتي. فالبنوة تتعلق بهوية المسيح وعلاقته الأزلية بالآب، بينما الحمل يتعلق بوظيفته الخلاصية في التاريخ. ولهذا يجمع العهد الجديد بين الوصفين في انسجام كامل؛ فهو "ابن الله" من جهة شخصه، و"حمل الله الذي يرفع خطية العالم" من جهة عمله الفدائي. فاختلاف الصورة لا يعني اختلاف المشار إليه، بل اختلاف الزاوية التي يُنظر منها إلى الشخص نفسه.

أما الزعم بأن إسحاق يرمز إلى البشرية وحدها لأن الكبش مات بدلًا منه، فهو بدوره اختزال مخلّ لطبيعة الرمز. فالرموز الكتابية كثيرًا ما تعمل على أكثر من مستوى في الوقت نفسه؛ فقد يحمل الشخص الواحد دلالة تتعلق بالمسيح من جهة، ودلالة تتعلق بالمؤمنين أو بالبشرية من جهة أخرى، بحسب الجانب الذي يبرزه السياق. وليس في هذا أي تناقض، بل هو من السمات المعروفة للتيبولوجيا الكتابية.

ويبقى الاعتراض الأخير المتعلق بقول المسيح: «أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ» (يو 8: 56). إذ يُطرح السؤال: كيف يمكن لإبراهيم أن يفرح بيوم المسيح إذا كان هذا اليوم يرتبط بآلام الصليب؟

والجواب أن هذا السؤال ينظر إلى الصليب باعتباره حدثًا منفصلًا عن القيامة، بينما لا يقدم الإنجيل الصليب بهذه الصورة. فـ"يوم المسيح" في الفكر اليوحناوي لا يشير إلى لحظة الألم وحدها، بل إلى مجمل عمل المسيح الخلاصي الذي يبدأ بالتجسد ويبلغ ذروته في الصليب والقيامة والتمجيد. لذلك لم يكن فرح إبراهيم فرحًا بالألم في ذاته، بل فرحًا برؤية تحقيق وعد الله الذي به تتبارك جميع الأمم في نسل إبراهيم. فالصليب في الإيمان المسيحي ليس نهاية مأساوية، بل هو طريق الخلاص الذي يقود إلى الانتصار، والقيامة هي التي تكشف المعنى الكامل لعمل المسيح الفدائي.

وفي ضوء ذلك يتبين أن الاعتراض لا ينشأ من معطيات النص، وإنما من افتراض منهجي غير صحيح، وهو أن الرمز يجب أن يكون تطابقًا حرفيًا بين كل تفاصيل الحدثين. أما الكتاب المقدس فيقدّم صورة مختلفة؛ إذ يبني رموزه بطريقة تراكمية وتكاملية، بحيث تتوزع أبعاد الحقيقة الواحدة على أكثر من عنصر داخل السرد نفسه.

ومن ثم فإن إسحاق يكشف هوية الابن الموعود الذي يقدّم للذبيحة، بينما يكشف الكبش طبيعة الذبيحة البدلية، ويلتقي الرمزان معًا في المسيح الذي هو في آنٍ واحد الابن الوحيد وحمل الله، دون أن يكون في ذلك أدنى تناقض، بل اكتمال للصورة اللاهوتية التي أراد الوحي أن يعلنها. الكتاب نفسه يستخدم هذه الصور المتعددة للكشف عن جوانب مختلفة من الحقيقة الواحدة.

 

Beale, G. K. A New Testament Biblical Theology: The Unfolding of the Old Testament in the New. Grand Rapids, MI: Baker Academic, 2011.

Goppelt, Leonhard. Typos: The Typological Interpretation of the Old Testament in the New. Translated by Donald H. Madvig. Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1982.

Hamilton, Victor P. The Book of Genesis: Chapters 18–50. New International Commentary on the Old Testament. Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1995.

Ellingworth, Paul. The Epistle to the Hebrews: A Commentary on the Greek Text. New International Greek Testament Commentary. Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1993.

Beale, G. K., and D. A. Carson, eds. Commentary on the New Testament Use of the Old Testament. Grand Rapids, MI: Baker Academic, 2007.

ليكون للبركة

Patricia Michael