كان لا بد أن يقوم، لأن موته كان مجرّد وضع مؤقت، لأداء رسالة مزدوجة.
في كتابه "تأملات في القيامة" يقول قداسة البابا شنودة :
كان ممكنًا أنه لا يموت بحسب طبيعته، "لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا." (رو 6: 23).وهو لم تكن له خطيئة تستحق الموت... ولكنه قبل أن يموت عوضًا عنا، لكي يفدينا بموته، كما قال الرسول "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ." (رو 3: 24-25).
كانت هذه هي الرسالة الأساسية للموت، أي الفداء... وماذا أيضًا..؟
وكان لا بد بعد الفداء، أن يذهب ويبشر الراقدين على الرجاء، ويفتح باب الفردوس، وينقل هؤلاء الراقدين من الجحيم إلى الفردوس... وفي هذا يقول القديس بطرس الرسول:
"فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ، الَّذِي فِيهِ أَيْضًا ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ" (1 بط 3: 18-19).. نعم كرز لتلك الأرواح بالخلاص، ونقلها إلى الفردوس، كما نقل اللص اليمين.
ويقول القديس بولس الرسول: "وَأَمَّا أَنَّهُ «صَعِدَ»، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلًا إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى. اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ." (أف 4: 9-10).
عن كتاب تأملات في القيامة - البابا شنوده الثالث
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
ما هي الرسالة المزدوجة المُشار اليها في هذه العبارة " كان لا بد أن يقوم، لأن موته كان مجرّد وضع مؤقت، لأداء رسالة مزدوجة".
لدراسة وتحليل هذه العبارة لا بد من الرجوع الى النصوص الكتابية التي تؤكدها:
- ضرورة القيامة في ضوء خطة الفداء
تقدّم هذه العبارة حقيقة لاهوتية عميقة على أن قيامة المسيح لم تكن مجرد نتيجة طبيعية لانتهاء الموت، بل ضرورة لاهوتية مرتبطة برسالة مزدوجة في صميم خطة الخلاص.
فالرسل فهموا منذ البداية أن القيامة لم تكن حدثًا منفصلاً عن الصليب، بل امتدادًا له وإعلانًا لانتصاره. يقول بطرس الرسول في يوم الخمسين:"الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضًا أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ يُمْسَك مِنْهُ" (أع 2: 24).
فالمسيح، "كان لا بد أن يقوم"، لأن موته لم يكن سوى "وضع مؤقت" ضمن تدبير خلاصي أزلي، قُصِد به تحقيق غايتين:
1- الفداء من جهة،
2- والكرازة بالخلاص للراقدين على الرجاء من جهة أخرى.
بهذا المفهوم، يَظهر الموت كأداة وظيفية، لا كغاية نهائية، الأمر الذي ينسجم مع لاهوت القيامة الذي يُبرز أن المسيح مات "لكي يقوم"، وأن الصليب لم يكن نهاية بل ممرًا إلى المجد. هذه النظرة تتوافق مع ما عبّر عنه الآباء في القرون الأولى، لا سيما القديس أثناسيوس في "تجسد الكلمة"، حين اعتبر أن موت المسيح كان مرحلة ضرورية في طريق غلبته على الفساد والموت، وتحقيق المصالحة بين الإنسان والله.
- موت المسيح طوعي وليس استحقاقًا
تؤكد النصوص الكتابية على حقيقة جوهرية في العقيدة المسيحية، وهي أن المسيح، بحسب طبيعته هو القدوس البار ، لم يكن مستحقًا للموت. فالموت بحسب الرسالة الى رومية 6: 23، هو "أجرة الخطية"، والمسيح، لكونه بلا خطية، لم يكن خاضعًا لهذا الحكم. ومع ذلك، فإنه قَبِلَ الموت طوعًا، "عوضًا عنا"، لكي يحقق الفداء. هذا البُعد الطوعي يُضفي على العمل الخلاصي قيمة أخلاقية وروحية فائقة، إذ لا يُفهم الصليب كمأساة وظلم وحسْب، بل كتعبير سامٍ عن المحبة الإلهية التي ارتضت أن تحتمل العقوبة نيابة عن البشرية.
-الفداء كذروة للموت لا كغاية مستقلة
في قلب هذا النص، يُقدم الفداء بوصفه الرسالة الأساسية للموت، لا مجرد أحد أهدافه. إن قبول المسيح للموت كان تنفيذًا لعمله الكفاري العظيم ، أي ذبح الحمل البريء عوضًا عن الآثمين، وهو عمل لا يتكرر (عب 9: 26–28)."فَإِذْ ذَاكَ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَأَلَّمَ مِرَارًا كَثِيرَةً مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّهُورِ لِيُبْطِلَ الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ. وَكَمَا وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ، هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ." (عب 9: 26-28).
لكن ما يلفت النظر ان موت المسيح وعمله الفدائي على الصليب لا يتوقف عند هذه النقطة، بل يفتح بعدًا آخر للفداء، حين يربطه برسالة "ما بعد الموت"، وهي كرازة المسيح للراقدين. هذا المنظور يُخرج الفداء من إطاره الزمني المحصور في الجلجثة، ويوسّعه ليشمل الخليقة المنظورة وغير المنظورة، بحيث يصبح موته مفتاحًا يفتح أبواب الفردوس المغلقة، لا فقط للمؤمنين الأحياء، بل أيضًا لأولئك الذين سبقونا في الرجاء.
-كرازة المسيح للأرواح الراقدة وفتح الفردوس
يربط النص بين القيامة وعمل المسيح غير المنظور في الكرازة للخليقة غير المنظورة، مستشهدًا بما أورده بطرس الرسول في (1بطرس 3: 18-19): " الَّذِي فِيهِ أَيْضًا ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ،" (1 بط 3: 18-19).. وقد فهم الآباء هذا النص، لا سيما إيريناوس وترتليان، على أنه إعلان لخلاص المسيح حتى لأولئك الذين ماتوا قبل التجسد، من آباء وأنبياء وصديقين، انتظروا مواعيد الله وهم في "الهاوية" أو "الجحيم"، حيث لم يكن قد فُتح بعد باب الفردوس. وعليه، فإن عمل المسيح لم يتوقف عند موته الجسدي، بل استمر في "الانحدار إلى أقسام الأرض السفلى"، وهو ما يسميه التقليد المسيحي "النزول إلى الجحيم". هذا الحدث لا يُفهم على أنه معاناة إضافية، بل إعلان انتصار، وكرازة بالخلاص لمن لم يسمعوه في الزمان الأرضي، مع تأكيد نقله للأرواح البارة من الجحيم إلى الفردوس، كما حدث مع اللص اليمين.
-النزول والصعود: بنية التدبير الإلهي
يلتقي هذا الفهم مع ما عبّر عنه بولس الرسول في أفسس 4: 9-10، حين كتب: "وَأَمَّا أَنَّهُ «صَعِدَ»، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلًا إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى. اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ." (أف 4: 9-10).هذا التدرج اللاهوتي – نزول ثم صعود – يُعبر عن جوهر التدبير الإلهي القائم على التواضع والتمجيد. فكما أن المسيح أخلى ذاته وأطاع حتى الموت، رفعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم (في 2: 6–11). بهذا المعنى، تكون القيامة ليست فقط غلبة على الموت، بل أيضًا تتويجًا لمجد سبق أن أخفاه بالجسد. النزول إلى الجحيم إذًا ليس حركة هزيمة بل إعلان سيادة، وفيه تحققت كلمات المسيح: "الحق الحق أقول لكم إنه تأتي ساعة وهي الآن، حين يسمع الأموات صوت ابن الله، والسامعون يحيون" (يو 5: 25).
تُظهر هذه النصوص الغنية كيف أن المسيحية لا تنظر إلى موت المسيح وقيامته كحدثين منفصلين، بل كحركتين منسجمتين في خطة إلهية واحدة. فالمسيح مات لا لأنه كان خاضعًا لحكم الموت، بل لأنه أراد أن يحمل الموت لكي يبيده من الداخل. وقيامته لم تكن عودة إلى الحياة فحسب، بل إعلانًا بانتهاء سلطان الموت على الإنسان، وبدء عهد الفردوس المفتوح. إن البعد الدفاعي لهذا الطرح يكمن في إظهار منطقية القيامة وضرورتها اللاهوتية، لا كخرافة واساطير كما يروّج لها اعداء المسيحية، بل كجزء عضوي من البنية الخلاصية الكاملة.
ليكون للبركة
Patricia Michael