12 ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا قَائِلًا: «أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ». يوحنا 8 : 12

Patricia Michael

أنا هو نور العالم= وكان ذلك بمناسبة المنارات المضاءة في عيد المظال تذكارًا لعمود النور الذي قادهم في البرية أثناء الليل. المسيح ينتهز فرصة إستخدام الطقس (النور ) ليستعلن الحقائق الإيمانية من وراء الطقس، فهو الماء والنور والخبز الحقيقيين كما صّرح في مواضع مختلفة مذكورة بالكتاب المقدس ، كلام المسيح هنا مبني على بعض الطقوس التي كان اليهود يمارسونها في عيد المظال، كما قلنا إن قوله في تصريح سابق له ايضا عن الماء بقوله «إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب» مبنيّ على سكب الماء في الهيكل نظراً للصخرة التي خرج منها الماء لبني إسرائيل في البرية.

فكلامه عن النور مبني على عادتهم أن يوقدوا في دار الهيكل مصابيح كبيرة من ذهب على أربع منارات غير المنارة التي في قدس الأقداس، وكان علو كل واحدة منها نحو 15 متراً لتنشر ضوءها على كل المدينة. وكان الناس يرقصون مسرورين في دور الهيكل ويترنمون بالأغاني الروحية ويعزفونها على آلات الطرب تذكاراً لعمود النار الذي كان يتقدم بني إسرائيل في البرية. المسيح ينتهز فرصة إستخدام الطقس (النور ) ليعلن صراحة بانه هو النور الحقيقي .

يقول السيد المسيح : "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ".

النور يسود، النور يكشف، وهذه هي أول طريقة يجب أن نعرف بها الرب يسوع المسيح. ليس له مثيل. حضوره نفسُه وسط الناس كان بحد ذاته إدانةً لكل الناس، إذ ها هنا، وأخيراً، كان ثمة رجل قدوس بشكل مطلق، صادق بشكل كامل، وبار على نحو تام. كل إنسان آخر كان يبدو إلى جانبه إنساناً خاطئاً مليئاً بالإثم.

إنه "نور العالم"، ومع ذلك كان في العالم والعالم لم يعرفه. "ﭐلنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ" (يوحنا ١: ٥). لقد أشاح الناس عنه خوفاً من الاستنارة التي كان يأتي بها حضورُه. ولكن، مع ذلك، هو نور العالم وكل الناس سيخضعون للدينونة على أساس النور الذي أتى به الرب يسوع المسيح إلى هذا العالم.

أقام الله قديماً عمود السحاب بينه وبين المصريين وكان جانب الشعب منيراً والجانب الأخر مظلماً، كان هذا في برية سوف وأما هذه الحادثة فكانت في أورشليم وكان اليهود في الجانب المظلم من العمود، في مكان فرعون وجنوده، ومع أن الرب كشف بنوره ظلمة الواقفين أمامه لكن الظلمة لم تدركه أي لم تتأثر بهذا النور وظلوا في ظلمتهم.

يقول: "مَنْ يَتْبَعْنِي فلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ".

من خلال معرفة المسيح والخضوع له، يُعطى الإنسانُ ذاكَ الانعتاق من الظلمة ومن سلطتها المريعة. يتكلم الناس عن مشكلة يسوع، وما برحنا نرى كاتباً تلو الآخر يؤلّف كتباً محاولاً أن يفسر مشكلة يسوع. ولكن يسوع ليس مشكلة. يسوع هو الذي يحل كل المشاكل وكل التعقيدات التي تواجهنا. ثقوا به واقبلوه كما هو إلهاً وإنساناً في شخص واحد مجيد، ومشاكلكم سوف تُحَل. وهكذا يقول: "اتبعوني، ولن تسيروا في الظلمة. بل سيكون لكم نور الحياة". ولكن تذكروا، وحده القدوس يسوع هو الذي يمكنه أن يقول: "أنا نور العالم". في هذا الإنجيل، وفي مناسبات عديدة، نسمعه يستخدم ذلك الاسم الإلهي "أنا". قبل زمنٍ بعيد، عندما ظهر الله لموسى في العليقة المحترقة وأرسله إلى مصر ليحرر شعبَه، سأله موسى: "من أقول لهم أنه أرسلني؟ أي اسم سأعطي لشعبك إسرائيل عندما أظهر أمام فرعون لأقول له أنك أنت من أرسلني كي أحررهم؟"، فقال الله: "هَكَذَا تَقُولُ لِبَنِي اسْرَائِيلَ: اهْيَهْ أرْسَلَنِي إلَيْكُمْ»، أنا «اهْيَهِ الَّذِي اهْيَهْ»" (خروج ٣: ١٤). وهذا هو تفسير معنى الاسم "يهوه"، فهو يعني: "الدائم الوجود"، و"أنا الكائن". وهكذا فإن "أنا هو" هو لقب إلهي، ونطق به يسوع مراراً وتكراراً خلال مسيرة حياته هنا على الأرض. فيقول: "أنا هو خبز الحياة"، و"أنا هو الراعي الصالح"- أي راعي إسرائيل، و"أنا هو الباب"، وهنا يقول: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ".

لو كان يسوع المسيح أقل من الله لكان تجديفاً أن يتكلم على هذا النحو. فكروا في خادم لله تعرفونه. فكروا في أفضل إنسان التقيتم به أو سمعتم عنه، في أعظم واعظ أو كارز، في أصدق تابع للمسيح، وتخيلوه يقف أمام الناس ويقول: "انظروا إليّ، أنا نور العالم. اتبعوني وسوف لن تسلكوا في الظلمة، بل يكون لكم نور الحياة". عندها ستقولون: من يظن نفسَه حتى ضخّم ذاته إلى تلك الدرجة، مسمّياً نفسه "نور العالم"؟ في الحالة هذه ستتّهمونه بجنون العظمة. ولكن ليس من دليل على جنون عظمة هنا. عندما يفكر يسوع في الملايين من الناس الذين جاؤوا إلى العالم وقالوا: "أنا نور العالم"، فإنه يقول عملياً: "انظروا إليَّ واخلصوا، لأني أنا الله وليس من إله آخر"، إذ نقرأ في مكان آخر: "الله نور، وليس فيه ظلمة على الإطلاق". انظروا إلى خادم مخلص للمسيح- إنه يدلكم على المسيح النور. إنه يقول: "إنه النور، انظروا إليه وستجدون نور الحياة". ولكن يسوع يقول: "تعالوا إليَّ وآمنوا بي، لأني أنا نور العالم". ولاحظوا الكونية والعالمية في قوله هذا. لم يكن فقط نورَ إسرائيلَ، بل النور الذي على الأمميين أيضاً.

وهكذا كان يسوع يتجول بينهم هناك ولم يعرفوه، بسبب قلوبهم العمياء. وهكذا هو الحال أيضاً اليوم. الناس يقولون لنا: "لا أدرك هذا الأمر. لا أفهم ما تقول. لا أعي ما تقول. لا أستطيع أن أستوعب كل هذه الأشياء التي تخبرنا بها عن الخطيئة والخلاص، عن حالة الإنسان الساقطة وتدبير الإنجيل لسد كل حاجات البشر. لا أستطيع أن أفهم ذلك". هذا هو تماماً ما تقوله الكلمة: "الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيّاً" (١ كورنثوس ٢: ١٤). يشبه هذا رجلاً أعمى تحاول أن تشرح له شروق الشمس بكل بهائه في السماء، فيلتفت بعينيه فاقدتي البصر نحوك ويقول: "لا أستطيع أن أتخيل المنظر". إنه بحاجة إلى نور كي يفهم شروق الشمس. آه أيتها النفس التي لم تعرف المسيح، إن كان مثلها بينكم، أعزائي الذين تسمعونني اليوم، فعليكم أن تفتحوا أعينكم بقدرة إلهية لكيما تروا جمال ومجد ربنا يسوع المسيح. ولكن إن تأتوا إليه، فإنه سيفتح أعينكم وينير أذهانكم وتفهمون أمور الله العميقة. فكروا في الملايين التي لا عدد لها التي مرت على الأرض خلال العشرين قرناً منذ تلفّظ يسوع بهذه الكلمات، والذين وجدوا فيه نور الحياة.

هل تريدون أن تتحرروا من الظلمة؟ هل ترغبون في معرفة النور؟ إذاً اذهبوا إليه وإلا فلن تجدوه. كتبت لي سيدة مرةً قائلة: "لقد ظللتُ أبحث عن النور لسنوات. إني باحثة عن الحقيقة، وإن استطعتَ أن تساعدني فإني سأكون في غاية السرور". قالت: "لقد استقصيتُ الثيوصوفية١٦، وتحضير الأرواح، والفكر الجديد، ومختلف العبادات والطوائف. ودرستُ كل الأديان. ولا أزال في الظلمة". فكتبتُ لها قائلاً: "صديقتي العزيزة، إنك تسلكين في ممرات مظلمة لسنين. عودي إلى كتابك المقدس، اقرأي إنجيل يوحنا، وانظري الكشف الرائع للرب يسوع المسيح، وفيه ستجدين الإجابة على كل تساؤلاتك. ستُسرُّ نفسُك وتبتهج عندما تقبلينه مخلصاً لك". لسنا في حاجة إلى كل هذه الأشياء الأخرى. هل تذكرون ذلك الحادث الذي جرى هنا في شيكاغو خلال المعرض العالمي عام ١٨٩٣؟ كان هناك مؤتمر ديني ضخم حضر فيه ممثلون عن أغلب أديان العالم، وكل واحد منهم كان يعلّي قيمَ النظام الديني المعين الذي يتّبعه. وفي أحد الأيام قدّم جوزيف كوك، كارز بوسطن العظيم شهادته. كان من المفترض أن يقدّمَ خطاباً يوضح فيه وجهة النظر الكتابية حول موضوع الخلاص.

فاستند على نص ليس من الكتاب المقدس، بل من مأساة ماكبث١٧ التي كتبها شكسبير، ذلك لأنه كان يعرف أن تلك الآلاف لم تكن مهتمة بالكتاب المقدس، بل على الأرجح أنهم جميعاً كانوا قد قرأوا شكسبير. وقال: "انظروا، ها هي ذي الليدي ماكبث، بعد موت دونكان، كما تذكرون. انظروا كيف تفرك يديها، وتقول: "أيتها اللطخة اللعينة انمحي! أفلن تنظف هذه الأيدي؟ كل العطور العربية ليست كافية لتغسل هذه اليد الضئيلة". وها هو زوجها، ماكبث، ينظر إليها ويصرخ: "هل يستطيع إله البحر نبتون العظيم أن يغسل الدم عن يدي؟ لا، بل إن هذه اليد سوف تصبغ كل بحار العالم بالأحمر، محولة زرقة البحر إلى لون أحمر!" وراحا يفركان ويمسحان أيديهما محاولين إزالة لطخات دم دونكان، ولكن كان ذلك أمراً مستحيلاً". وقال جوزيف كوك: "سأضع الليدي ماكبث إلى يميني وزوجها إلى يساري، وإذ أسير في ممرات هذا المجتمع الكبير من الأديان لدي سؤال واحد أطرحه: "من سيطهّر أيدينا الحمراء؟ أيدينا وقلوبنا ملطخة بالخطيئة. أخبرونا كيف نتخلّص من خطايانا!" ما من نظام ديني على الأرض يمكن أن يقدّم جواباً مقنعاً مرضياً، ولكنه قال: "عندما أتحول عن كل هذه أسمع كلمات تتصاعد من الكتاب المقدس وتقول: "دَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، ابْنِ الله، يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (١ يوحنا ١: ٧).

ذلك هو الجواب على كل مشاكلكم الروحية وارتباكاتكم: يسوع نور العالم، مخلص الخطاة الإلهي القدوس. ولكن عندما يكون الناس معاندين في رفضهم في حق الله وقلوبهم ممتلئة بالبر الذاتي، فإنهم سيذهبون إلى أقصى حد، فيكذّبوا الكتاب ويضعفوا الثقة به. ما من شيء يعمي العيون والقلوب أكثر من التحامل والتحيز الديني