هل يمكن أن تكون هناك أمورًا معصومة في الكتاب المقدَّس مثل الأمور اللاهوتية، وأخرى غير معصومة مثل الأمور العلمية والتاريخية والجغرافية؟
 
للرد على هذا الفكر المنحرف نؤكد على الحقائق الآتية:
 
1- إنَّ وحي الكتاب المقدَّس وحيٌ كامل وشامل، لا يقبل التجزئة أو التمييز بين مجالاته المختلفة؛ فكل ما ورد فيه، سواء تعلَّق بالحقائق اللاهوتية أو الوقائع التاريخية، أو الإرشادات الروحية، أو الإشارات الجغرافية، أو الصور الأدبية، أو المعطيات المرتبطة بالعالم الطبيعي، إنما كُتب بإلهام الروح القدس وإرشاده (2 تي 3: 16؛ 2 بط 1: 21). ومن ثمَّ فإن عصمة الكتاب المقدَّس تمتد إلى جميع ما يثبته ويقرره، لأن مصدره النهائي هو الله الحق الذي يستحيل عليه الخطأ أو التضليل.
 
وعليه، فإن أي تعارضٍ ظاهري أو إشكالٍ تفسيري لا يُنسب إلى النص ذاته، بل إلى محدودية الفهم البشري أو قصور المعرفة المتاحة أو خلل في التفسير. وفي هذا السياق يعرِّف جوش مكدويل العصمة بقوله: "إنها تعني أنه عندما تُستعاد النصوص الأصلية، وتُترجم ترجمة صحيحة، وتُفسَّر وفق قواعدها السليمة، فإنها تُظهر صدقًا كاملًا في كل ما تؤكده، سواء في مجال العقيدة أو الأخلاق أو التاريخ أو الحقائق المتعلقة بالحياة والطبيعة".
 
2- إنَّ نسبة الخطأ إلى أي جزء من الكتاب المقدَّس لا تتوقف عند حدود الكاتب البشري، بل تمتد منطقيًا إلى مصدر الوحي ذاته. فالوحي، بحسب المفهوم الكتابي، ليس مجرد تسجيل بشري لأفكار دينية، بل هو عمل إلهي اشترك فيه الروح القدس مع كتبة الكتاب المقدس ، موجِّهًا إياهم ومرشدًا لهم بحيث ينقلون قصد الله بأمانة ودقة. لذلك فإن الادعاء بوجود أخطاء حقيقية في النص المقدَّس يثير إشكالًا لاهوتيًا جوهريًا: هل أخفق الروح القدس في إرشاد الكتبة؟ وهل عجز الله عن أن يعلن حقه من خلال أدوات بشرية مع المحافظة على صدق ما يعلنه؟ إن قبول هذا الافتراض يفضي عمليًا إلى التشكيك في كفاية الوحي الإلهي وموثوقيته. أما الإيمان المسيحي التاريخي فيؤكد أن الله، في حكمته وقدرته، استخدم شخصيات الكتبة وخلفياتهم وأساليبهم المختلفة دون أن يسمح بأن يؤدي ذلك إلى الوقوع في خطأ يفسد الرسالة التي قصد إعلانها، فظلَّ النص المقدَّس شاهدًا أمينًا وصادقًا لإعلان الله في جميع ما يثبته ويعلِّمه.
 
3- إنَّ عقيدة عصمة الكتاب المقدَّس ترتبط ارتباطًا وثيقًا بطبيعة الله ذاته وصفاته؛ فالعصمة ليست مجرد وصفٍ للنص، بل هي نتيجة منطقية لمصدره الإلهي. فإذا كان الكتاب المقدَّس هو كلمة الله الموحى بها، فإن صدقه وكماله يستندان إلى صدق الله وكماله. ولذلك يرى اللاهوتي إدوارد ج. يونج أن الإقرار بعصمة النص الأصلي ليس قضية ثانوية أو هامشية، بل هو أمر يمس جوهر الإيمان المسيحي؛ لأن التشكيك في سلامة الكلمة الإلهية لا يقف عند حدود النص، وإنما يمتد إلى التشكيك في صدق الله وأمانته. فافتراض وجود خطأ حقيقي في الإعلان الإلهي يقتضي، من الناحية المنطقية، أن الكلمة الصادرة عن الله ليست كاملة، وهو ما يتعارض مع طبيعة الله بوصفه إله الحق والكمال. ومن ثم فإن المساس بعصمة الوحي لا يُعد مجرد مراجعة لنظرية لاهوتية، بل يثير تساؤلات جوهرية حول موثوقية الإعلان الإلهي ذاته والأساس الذي يقوم عليه الإيمان المسيحي.
 
4- كما أن عصمة الكتاب المقدَّس تُعد نتيجة ضرورية للإيمان بأن الكتاب هو كلمة الله الموحى بها. فالله، بحسب الشهادة الكتابية، صادق في ذاته، يستحيل عليه الكذب أو الخطأ (عب 6: 18؛ تي 1: 2)، ولذلك فإن كلمته تحمل الطابع نفسه من الصدق والموثوقية. وفي هذا الإطار يؤكد جوش مكدويل أن إنكار عصمة الأسفار المقدسة يضع الإنسان أمام أحد احتمالين لا ثالث لهما: إما التشكيك في كمال الله وصدقه، وإما إنكار أن الكتاب المقدَّس هو بالفعل كلمته الموحى بها. ولهذا فإن الدفاع عن عصمة الكتاب المقدَّس لا ينطلق من تقديرٍ مفرط للنص في ذاته، بل من الإيمان بطبيعة الله الذي أوحى به؛ إذ إن موثوقية الوحي في جوهرها انعكاس لموثوقية الواحي نفسه.
 
5- إنَّ عقيدة عصمة الكتاب المقدَّس تنبثق بصورة مباشرة من الصفات الجوهرية لله كما يعلنها الوحي الإلهي. فالله حقٌّ في ذاته، وكامل في معرفته، وصادق في كل ما يقوله ويعلنه، ومن ثمَّ فإن الكلمة الصادرة عنه لا يمكن أن تتضمن خطأً أو تضليلًا. وإذا كان الكتاب المقدَّس، في جميع أجزائه، هو كلمة الله الموحى بها، فإن صدقه وعصمته ليسا صفتين مكتسبتين من النص ذاته، بل هما انعكاس لطبيعة مصدره الإلهي. ولهذا أعلن الرب يسوع المسيح في صلاته الشفاعية للآب: «كلامك هو حق» (يو 17: 17)، مؤكدًا أن كلمة الله تحمل في جوهرها صفة الحق المطلق.
 
وبناءً على ذلك، فإن عصمة الكتاب المقدَّس ليست قضية منفصلة عن علم اللاهوت الخاص بالله، بل هي متجذرة فيه؛ إذ إن إنكار موثوقية الوحي أو نسبة الخطأ إليه لا يمس النص المقدَّس فحسب، بل ينعكس بالضرورة على صفات الله نفسه، ولا سيما صدقه وأمانته وكماله المعرفي.
 
6- إنَّ قدرة الله على أن يعلن كلمته بصدق وكمال من خلال أدوات بشرية محدودة تُعد من الركائز الأساسية لفهم عقيدة الوحي الكتابي. فالكتاب المقدَّس لا يقدِّم الوحي بوصفه عملية تلغي العنصر البشري أو تستبدله، بل بوصفه عملاً إلهيًا يستخدم كتبة الكتاب المقدس بكل ما يمتلكونه من شخصيات وخلفيات وأساليب لغوية، مع ضمان وصول الرسالة الإلهية كما قصدها الله دون خطأ أو تشويه. ولهذا يؤكد الكتاب المقدَّس أن «كُلُّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ نَقِيَّةٌ» (أم 30: 5)، في إشارة إلى كمال الإعلان الإلهي وموثوقيته.
 
ومن هذا المنطلق، رفض اللاهوتي بنجامين بريكنريدج وورفيلد التشبيه الذي يقدمه بعض النقاد للوحي باعتباره ضوءًا إلهيًا يتشوه بالضرورة عند مروره عبر الوعاء البشري. فبدلاً من ذلك، يرى أن الله الذي أوحى بالكلمة هو نفسه الذي أعدّ الكتبة وهيأ شخصياتهم وخبراتهم ولغاتهم عبر عنايته السابقة، بحيث تصبح هذه العناصر البشرية وسائل ملائمة لتحقيق قصده الإلهي. وعليه، فإن مرور الوحي عبر شخصية الكاتب لا يؤدي إلى إفساد الرسالة أو إنقاص نقاوتها، بل يسمح بظهور الخصائص الفردية للكاتب دون أن يمس ذلك صدق الكلمة الإلهية أو سلطانها. فالنتيجة النهائية ليست مزيجًا من الحق والخطأ، بل كلمة الله كما أرادها أن تُعلَن للبشر، معبَّرًا عنها من خلال أدوات بشرية أعدها الله ذاته لهذه المهمة.
 
وفي الاتجاه نفسه، يؤكد جورج فلوروفسكي أن العلاقة بين الوحي الإلهي واللغة البشرية ليست علاقة تناقض أو صراع، بل علاقة توافق وتكامل. فالله لم يختر أن يعلن ذاته للإنسان خارج حدود الخبرة البشرية واللغة الإنسانية، بل خاطبه بلغته ومن خلال قدراته الإدراكية. لذلك فإن استخدام اللغة البشرية في نقل الإعلان الإلهي لا يستلزم وقوعها في الخطأ أو فقدانها قدرتها على التعبير الصادق عن الحق الإلهي. فالإنسان، بوصفه مخلوقًا على صورة الله ومثاله، يمتلك القدرة على استقبال كلمة الله والتعبير عنها تعبيرًا حقيقيًا وأمينًا. كما أن عمل الروح القدس لا يؤدي إلى إلغاء الخصائص الإنسانية للكاتب، بل يرفعها ويوجهها ويستخدمها لتحقيق المقصد الإلهي. ومن ثمَّ فإن الكلمة الإلهية لا تفقد قوتها أو صدقها عندما تُصاغ في لغة بشرية، بل تظل كلمة الله حقًا، وإن جاءت من خلال أقلام بشرية أو ألسنة بشرية أو قوالب لغوية بشرية.
 
وبذلك يتضح أن وجود العنصر البشري في عملية الوحي لا يمثل حجة ضد العصمة، بل يكشف عن قدرة الله وسيادته؛ إذ استطاع أن يستخدم أدوات بشرية حقيقية، بكل ما يميزها من تنوع واختلاف، دون أن يسمح بأن يؤثر ذلك في نقاوة رسالته أو موثوقية كلمته. فالمشكلة ليست في ضعف الأداة البشرية، بل في الافتراض المسبق بأن الله غير قادر على أن يعمل من خلالها عملًا كاملًا يحقق مقاصده دون خطأ.
 
Florovsky, Georges. Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox View. Belmont, MA: Nordland Publishing Company, 1972.
 
McDowell, Josh. Evidence That Demands a Verdict. Nashville, TN: Thomas Nelson Publishers, 1979.
 
Warfield, Benjamin B. The Inspiration and Authority of the Bible. Philadelphia: Presbyterian and Reformed Publishing Company, 1948.
 
Young, Edward J. Thy Word Is Truth. Grand Rapids, MI: William B. Eerdmans Publishing Company, 1957.
 
Maher, Emile. Divine Inspiration and Biblical Inerrancy. Cairo: Evangelical Theological Seminary Press, n.d.
 
ليكون للبركة