بيلشاصر (Belshazzar): الملك "الذي لم يكن موجودًا" بحسب ادعاءات المشككين, ودليل دانيال التاريخي

Patricia Michael

لطالما واجهت الكتابات الدينية القديمة، وخاصة سفر دانيال (Book of Daniel)، موجة من التشكيك العلمي. كان النقد يتركز غالبًا حول شخصية تاريخية: بيلشاصر (Belshazzar).

في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، اعتبر بعض النقاد أن دانيال أخطأ في التاريخ، فقد حدد المؤرخون الكلاسيكيون مثل بيروسوس (Berossus) نابونيدوس (Nabonidus) كآخر ملوك بابل، ولم يظهر اسم بيلشاصر (Belshazzar) في المصادر اليونانية المتاحة آنذاك. بناءً على ذلك، أعلنوا أن الكاتب أخطأ، وأن بيلشاصر لم يكن موجودًا، وأن السرد الكتابي مجرد خيال واساطير.

لكن التاريخ أظهر الحقيقة، وكان على الباحثين انتظار الأدلة التي ستكشف الواقع. في عام 1854، اكتشف عالم الآثار البريطاني جي. إي. تايلور (J. E. Taylor) نقوشًا على أسس مبانٍ من الطين في موقع أور (Ur) القديم بالعراق الحديث، عُرفت لاحقًا باسم أسطوانات نابونيدوس (Nabonidus Cylinders). وقد أشار نابونيدوس (Nabonidus) فيها إلى "بيل-شار-أوسور" (Bel-shar-usur) كابنه الأكبر، لتثبت هذه النقوش أن الاسم الذي اعتبره النقاد خياليًا كان محفوظًا بالكتابة المسمارية البابلية لأكثر من ألفي عام.

ولم تتوقف الاكتشافات عند هذا الحد. فقد كشفت الوثائق الإدارية الملكية أن بيلشاصر (Belshazzar) لم يكن مجرد اسم، بل مارس فعليًا سلطة الحكومة أثناء غياب والده، حيث قضى نابونيدوس (Nabonidus) فترات طويلة في واحة تيما (Tayma)، وترك الحكم لبيلشاصر (Belshazzar) كـ"ملك مشارك" (co-regent). وهذا يفسر بشكل دقيق تفصيلًا في دانيال 5 ، حين عرض بيلشاصر على دانيال أن يجعله "الثالث في المملكة".

حِينَئِذٍ أَمَرَ بَيْلْشَاصَّرُ أَنْ يُلْبِسُوا دَانِيآلَ الأَرْجُوانَ وَقِلاَدَةً مِنْ ذَهَبٍ فِي عُنُقِهِ، وَيُنَادُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ يَكُونُ مُتَسَلِّطًا ثَالِثًا فِي الْمَمْلَكَةِ.(دانيال 5 : 29 )

فالنص لا يظهر ارتباكًا، بل يعكس فهمًا دقيقًا للترتيب السياسي والسلطة الفعلية في بابل، حيث كان نابونيدوس (Nabonidus) الأول، وبيلشاصر (Belshazzar) الثاني، ودانيال (Daniel) يصبح ثالثًا في الرتبة.

علاوة على ذلك، يتفق سرد سقوط بابل (Babylon) مع المصادر التاريخية التي تؤكد أن مدينة بابل (Babylon) سقطت سنة 539 قبل الميلاد على يد الملك الفارسي كورش الكبير (Cyrus the Great)، مؤسس الإمبراطورية الأخمينية (Achaemenid Empire). وقد كان جيشه يضم الفرس (Persians) والميديين (Medes) بعد أن وحّدهم تحت سلطته.

أما الدولة الآشورية (Assyrian Empire) فقد انتهت قبل ذلك بسنوات طويلة، إذ سقطت عاصمتها نينوى (Nineveh) عام 612 قبل الميلاد، ولم يعد للآشوريين (Assyrians) كيان سياسي مستقل في زمن سقوط بابل (Babylon).

خاتمة :

انّ قصة بيلشاصر (Belshazzar) تقدّم درسًا عميقًا حول العلاقة بين الأدلة التاريخية والنصوص الكتابية. فما كان يُعدّ يومًا افتراضات تشكيكية بشأن وجود خطأ في الكتاب المقدس، أصبح اليوم شاهدًا على دقة ملاحظاته التاريخية ومصداقيته. وتعلّمنا هذه الحقيقة أن الاستنتاجات المتسرعة لا تكفي لنفي الوقائع، وأن الاكتشافات الأثرية والتاريخية المستمرة قد تكشف عن أبعاد جديدة للنصوص القديمة. لم يعد بيلشاصر مجرد اسم ورد في صفحات الكتاب المقدس، بل صار مثالًا يُستشهد به في النقاش حول التلاقي بين النص الديني والواقع التاريخي.

ليكون للبركة

Patricia Michael