المنهج السليم لتفسير النصوص بحسب القديس كيرلس الاسكندري

Patricia Michael

يتناول القديس كيرلس الاسكندري في كتابه " الكنوز في الثالوث " في هذا المقطع المرفق كيفية تفسير نصوص الكتاب المقدس بشكل صحيح، خاصة عند مواجهة تفاسير هراطقة أو مفاهيم خاطئة تتعلق بطبيعة المسيح.

هنا تحليل للنقاط الرئيسية الواردة في النص الوارد في عبرانيين 1 : 3 - 4

3 جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي،

4 صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْمًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ.

الادعاء الهرطوقي:

بعض الهراطقة اعتبروا أن الابن (يسوع المسيح) مخلوق لأن هناك تغييراً حدث له كما يظهر في النصوص التي تشير إلى "صيرورته" أعظم من الملائكة.

تفسيرهم يعتمد على فكرة أن أي تغيير في الطبيعة يشير إلى أنها قابلة للتغير وبالتالي مخلوقة.

رد القديس كيرلس:

القديس كيرلس يرفض هذا التفسير بشدة ويشرح أن الصيرورة المشار إليها لا تعني تغييراً في الجوهر الإلهي للابن.

بدلاً من ذلك، هو يشير إلى أن هذه الصيرورة تتعلق بتجسده ودوره الفدائي الذي أكمله كإنسان، وليس بتغير طبيعته الإلهية.

مبادئ التفسير التي وضعها القديس كيرلس:

لكي نفهم النصوص الكتابية فهماً صحيحاً، علينا أن نلتزم بمبادئ تفسيرية محددة، تشمل:

فحص الزمن: تحديد الإطار الزمني الذي قيلت فيه العبارة لفهم سياقها التاريخي.

فحص الشخص: معرفة من هو المخاطَب أو من يُشار إليه في النص.

فحص الموضوع: تحديد الهدف أو القضية التي يعالجها النص.

هذه المبادئ الثلاثة أساسية لفهم أي نص كتابي، وخاصة النصوص التي تتحدث عن طبيعة المسيح وعلاقته بالآب والملائكة. القديس كيرلس هنا يقدم درساً عملياً في اللاهوت الدفاعي، حيث يدافع عن العقيدة ضد التحريفات الهرطوقية باستخدام تحليل منهجي ودقيق للنصوص.

اورد القديس كيرلس أمثلة استشهد بها في كتابه " الكنوز في الثالوث " لتوضيح المبادئ الأساسية لفهم وتفسير الكتاب المقدس، مع التركيز على أهمية السياق والهدف من النص. دعونا نحلل الأمثلة المذكورة:

1. مثال الخصي الحبشي (أعمال الرسل 8 : 34 )

الخصي الحبشي كان يقرأ من سفر إشعياء، ولكنه لم يفهم النص. سأل فيلبس:

"فَأَجَابَ الْخَصِيُّ فِيلُبُّسَ وَقَالَ: «أَطْلُبُ إِلَيْكَ: عَنْ مَنْ يَقُولُ النَّبِيُّ هذَا؟ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ عَنْ وَاحِدٍ آخَرَ؟»" (أع 8: 34).

هذه الحادثة تُظهر أهمية تحديد الشخص الذي يشير إليه النص.

فيلبس شرح للخصي الحبشي أن النص يشير إلى يسوع المسيح، مما قاده إلى الإيمان والعماد.

القديس كيرلس يبرز هنا أهمية دراسة الخلفية التفسيرية لفهم النصوص النبوية المتعلقة بالمسيح.

2. مثال بولس الرسول (عبرانيين 7:13-14)

بولس يتحدث عن المسيح ككاهن بحسب رتبة ملكي صادق، مشيراً إلى أنه لم يكن من سبط لاوي (سبط الكهنوت التقليدي) بل من سبط يهوذا.

بولس يوضح أن هذا التحول كان مشهوداً له مسبقاً في النبوات.

هذا المثال يدعم مبدأ فحص الموضوع، حيث يفسر بولس الموضوع الأساسي: المسيح هو الكاهن الأعظم الذي يمثل عهدًا جديدًا.

3. النبوات عن المسيح (إشعياء 7 : 14 و اشعياء 53 : 7 )

"ها العذراء تحبل وتلد ابناً" (إشعياء 7 : 14 ): نبوة واضحة تشير إلى ولادة المسيح من عذراء.

"كشاة تساق إلى الذبح" (إشعياء 53 : 7 ): نبوة عن آلام المسيح وذبيحته الفدائية.

القديس كيرلس يؤكد أنه إذا لم نربط هذه النبوات بالمسيح، فإننا "سنذهب بعيداً عن الحق".

هنا تظهر أهمية فحص الزمن والشخص، حيث أن إشعياء تحدث عن المسيح في زمن سابق، والشخص الذي يتحدث عنه هو المخلص.

منهج القديس كيرلس

القديس كيرلس يعطينا درساً في التفسير: يجب أن يكون التفسير دقيقاً ومنهجياً، مبنياً على الفهم الكامل للزمن، الشخص، والموضوع الذي تتحدث عنه النصوص.

إذا تجاهلنا هذه المبادئ، يمكن أن ننحرف عن الحق ونفقد الفهم الصحيح للنصوص الكتابية.

كيفية تطبيق هذه المبادىء على النص في عبرانيين

 بالرجوع الى النص في عبرانيين 1 : 3 - 4

النص يركز على تفسير القديس كيرلس لعبارة صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْمًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ. كما وردت في رسالة العبرانيين، ويوضح كيف أن هذا المفهوم أسيء فهمه من قبل الهراطقة. دعونا نحلل هذا النص بتفصيل:

1. الجوهر اللاهوتي في تفسير القديس كيرلس:

القديس كيرلس يبين أن كلمة "صار" لا تعني أن الابن كان غير موجود ثم وُجد، أو أنه تغير في طبيعته الإلهية.

التغير المشار إليه ليس تغيرًا في الجوهر، بل هو مرتبط بتجسد الكلمة واتخاذه للطبيعة البشرية.

الفكرة الأساسية: طبيعة الابن الإلهية تظل غير قابلة للتغير؛ التغير يتعلق فقط بالخدمة والفعل الخلاصي الذي أكمله من أجل البشر.

2. المقارنة بين المسيح والملائكة:

رسالة العبرانيين تضع المسيح في مقارنة مع الملائكة، ليس على مستوى الجوهر، بل على مستوى الخدمة.

خدمة المسيح أعظم من خدمة الملائكة لأنه قام بعمل الفداء، وهو الجالس عن يمين الآب، وصاحب الطبيعة الإلهية الكاملة.

القديس كيرلس يوضح أن المسيح، بتجسده، أخذ رتبة أسمى تعبر عن دوره الفدائي، دون أن ينتقص هذا من لاهوته.

3. رد القديس كيرلس على الهراطقة:

مفهوم كلمة "صار":

الهراطقة فهموا الكلمة بمعنى "التغير من حالة إلى أخرى"، مما قادهم إلى افتراض أن الابن مخلوق.

القديس كيرلس يرد بقوله إن كلمة "صار" لا تعني التغير من عدم إلى وجود، بل تشير إلى التجلي العلني لمجد الابن عند تجسده.

الابن في البدء كان الكلمة:

القديس كيرلس يستشهد بيوحنا (1:1) ليؤكد أن الابن كان دائمًا موجودًا بوصفه الكلمة الأزلي، كاملًا في ذاته.

4. المجد والخدمة:

المسيح، بصفته الابن، ورث كل خصائص الآب الطبيعية، وصار "اعظم من الملائكة " بسبب:

عظمة الاسم الذي أخذه: الابن والوارث.

مقامه كجالس عن يمين الآب: يشير إلى السلطان والمجد.

خدمته الفدائية: التي تفوق خدمة الملائكة.

5. الاستنتاج اللاهوتي:

-عدم التغير في طبيعة الابن: الطبيعة الإلهية للابن غير قابلة للتغير، وهي ذاتها طبيعة الآب.

-التجسد كفعل فدائي: التجسد أظهر عظمة الابن وخدمته التي تفوق الملائكة، لكنه لم يغير طبيعته الإلهية.

-أهمية الفهم الصحيح لكلمة "صار": القديس كيرلس يحذر من القراءة السطحية للنصوص الكتابية التي قد تؤدي إلى مغالطات لاهوتية.

تعليق:

هذه الفقرة تعكس عمق التفكير اللاهوتي للقديس كيرلس في الدفاع عن العقيدة المسيحية ضد التحريفات.

ليكون للبركة

Patricia Michael