" شفافية الإعلان الالهي في العهدين القديم والجديد"

Patricia Michael

بِالأَوَّلِيَّاتِ مُنْذُ زَمَانٍ أَخْبَرْتُ، وَمِنْ فَمِي خَرَجَتْ وَأَنْبَأْتُ بِهَا. بَغْتَةً صَنَعْتُهَا فَأَتَتْ. ٤لِمَعْرِفَتِي أَنَّكَ قَاسٍ، وَعَضَلٌ مِنْ حَدِيدٍ عُنُقُكَ، وَجَبْهَتُكَ نُحَاسٌ، ٥أَخْبَرْتُكَ مُنْذُ زَمَانٍ. قَبْلَمَا أَتَتْ أَنْبَأْتُكَ، لِئَلاَّ تَقُولَ: صَنَمِي قَدْ صَنَعَهَا، وَمَنْحُوتِي وَمَسْبُوكِي أَمَرَ بِهَا. ٦قَدْ سَمِعْتَ فَانْظُرْ كُلَّهَا. وَأَنْتُمْ أَلاَ تُخْبِرُونَ؟ قَدْ أَنْبَأْتُكَ بِحَدِيثَاتٍ مُنْذُ الآنَ، وَبِمَخْفِيَّاتٍ لَمْ تَعْرِفْهَا. (إش48: 3- 5)

لَمْ أَتَكَلَّمْ بِالْخِفَاءِ فِي مَكَانٍ مِنَ الأَرْضِ مُظْلِمٍ. لَمْ أَقُلْ لِنَسْلِ يَعْقُوبَ: بَاطِلاً اطْلُبُونِي. أَنَا الرَّبُّ مُتَكَلِّمٌ بِالصِّدْقِ، مُخْبِرٌ بِالاسْتِقَامَةِ. (إش45: 19)

لم أتكلم في الخفاء منذ البدء. «أَنَا كَلَّمْتُ الْعَالَمَ عَلاَنِيَةً. أَنَا عَلَّمْتُ كُلَّ حِينٍ فِي الْمَجْمَعِ وَفِي الْهَيْكَلِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْيَهُودُ دَائِمًا. وَفِي الْخَفَاءِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ." (يو 18: 20)

هذه النصوص الثلاثة من إشعياء 48، إشعياء 45، ويوحنا 18 – تُكوِّن معًا وحدة لاهوتية عميقة حول طبيعة إعلان الله ومعرفته المُعلَنة.

ويمكن الربط بين هذه النصوص تحت عنوان: "إعلان الله العلني والموضوعي في التاريخ"، أو بحسب التعبير اللاهوتي الأدق: "المعرفة الكاشفة (المُعلَنة) مقابل المعرفة الخفية أو الباطنية".

تحليل وارتباط النصوص:

إشعياء 48: 3–6

يُعاتب الله شعبه عبر النبي إشعياء، مبينًا أن ما أُعطي لهم من نبوات إلهية لم يكن ترفًا معرفيًا، بل وسيلة خلاصية وتربوية أراد بها أن يثبتهم في الإيمان ويقيهم من الارتداد وعبادة الاوثان. فقد كان الله يُخبرهم بـ"الأوليات منذ زمان"، أي بالأحداث المقبلة، لا ليثير إعجابهم بالسبق الزمني، بل ليُرسّخ في وعيهم أن ما يحدث في التاريخ ليس وليد المصادفة أو بفعل الأوثان، بل هو ثمرة مشيئته الإلهية المعلَنة. وهنا يظهر بعدٌ جوهري من الإعلان الإلهي في العهد القديم: أنه ليس فقط إعلانًا معرفيًا، بل تربية إيمانية مُرافِقة لتاريخ الخلاص.

سرّ تقديم هذه النبوات – بحسب النص – ينبع من معرفة الله المسبقة بقساوة قلوبهم: "لِمَعْرِفَتِي أَنَّكَ قَاسٍ، وَعَضَلٌ مِنْ حَدِيدٍ عُنُقُكَ، وَجَبْهَتُكَ نُحَاسٌ" (إش 48: 4). هذا الوصف الكثيف يحمل دلالات رمزية عن التصلب الفكري والروحي، حيث يصبح الإنسان غير قابل للاستجابة أو التمييز الروحي. لذلك، ومن أجل أن يؤمنوا بكلامه، أعطاهم نبوات تتحقق في المستقبل القريب، حتى يكون تحققها برهانًا مباشرًا على صدق المصدر الإلهي، وليميّزوا بين الله الحقيقي والأوثان الصامتة، التي لا تعلن شيئًا ولا تقدر أن تُتمم شيئًا.

ومع كل هذه العطايا، سقط الشعب في شكلية عبادة، ممزوجة بروح فريسية ورياء، خلطوا فيها بين عبادة الرب والأوثان. تجاهلوا صوت الله واحتقروا كلماته النبوية، حتى أصبحوا كما يصفهم النص: "لم تسمع ولم تعرف ومنذ زمان لم تنفتح أذنك، فإني علمت أنك تغدر غدرًا، ومن البطن سُمّيت عاصيًا" (إش 48: 8 ). وهذا التعبير اللاهوتي العميق لا يُشير فقط إلى العصيان الظاهري، بل إلى بنية داخلية متمردة، تعود جذورها إلى نشأة الشعب ذاته.

إن "المعرفة الكاشفة" التي يمنحها الله هنا لا تُعطى كمجرد معلومات، بل كدعوة للدخول في علاقة عهد مع الله، تُؤسَّس على الثقة بكلمته. رفض هذه المعرفة هو رفض لله ذاته. ومن هنا يتضح أن النبوة في العهد القديم ليست إعلانًا باطنيًا يُخاطب خواصًا روحيين، بل إعلانًا تاريخيًا، مفتوحًا، وموجَّهًا لشعب بأكمله، يتلقاه أحيانًا بالقلب وأحيانًا كثيرة بالرفض.

إشعياء 45: 19

هذا النص من أعمق النصوص التي تُعبّر عن شفافية الإعلان الإلهي وموثوقيته، وهي تكشف بجلاء عن طبيعته غير الغامضة، المؤسَّسة على الحق والاستقامة.

يؤكد الله على شفافية إعلانه: "لَمْ أَتَكَلَّمْ بِالْخِفَاءِ فِي مَكَانٍ مِنَ الأَرْضِ مُظْلِمٍ". أي أن إعلانه ليس غامضًا أو باطنيًا أو حكرًا على فئة معينة، بل هو علني ومتاح لكل من يطلبه بصدق. هنا ينفي الله صراحةً أن يكون إعلانه شبيهًا بإعلانات الوثنيين أو السحرة، الذين يتكلمون في الخفاء، في كهوف أو أماكن مظلمة، بمعارف سرية لا تُفهم إلا للنخبة.بل على العكس، الله يتكلم في العلن، في النور، في التاريخ، وبطريقة يمكن أن يُدركها كل من يسمع بقلب مفتوح.هذا الوصف يضع الإعلان الإلهي في تضاد جوهري مع المعرفة الباطنية أو الصوفية التي تحتكر الحقيقة لفئة مخصوصة.

هذه الآية تنسف كل فكر يُحاول أن يربط الله بـ"الخداع المقدس" أو بإعلانات باطنية لا تُفهم إلا عبر تأويلات غامضة. وهي تثبّت مبدأ محوري في الإعلان الكتابي:الله يُعلِن نفسه كي يُعرَف، لا كي يُحتكَر.

وهذا يضع الإعلان الإلهي المسيحي في موقع متميّز عن جميع أنظمة المعرفة الدينية الأخرى، سواء في الوثنية القديمة، أو في الغنوصية، أو في الديانات التي تدّعي وجود "كلمات سرية" لا تُفهم إلا لفئة معينة.

وهذا يؤكد على ما جاء في النص التالي : "أنا الرب متكلم بالصدق، مخبر بالاستقامة"الصدق (’צֶדֶק – tsedeq) والاستقامة هنا لا يشيران فقط إلى المحتوى الأخلاقي، بل إلى اتساق الإعلان الإلهي مع ذاته، فهو إعلان لا يُناقض نفسه، ولا يُشوّه صورة الله. إعلان الله صادق لأنه يعكس شخصه، ومستقيم لأنه لا يحمل ازدواجية.

يوحنا 18: 20

 الإعلان الكامل في شخص المسيح

هذا الطابع العلني يبلغ ذروته في شخص الرب يسوع المسيح، الذي قال أمام رئيس الكهنة:

"أنا كلمت العالم علانية... وفي الخفاء لم أتكلم بشيء." (يو 18: 20)

بهذا يُعلن يسوع، بوصفه الكلمة المتجسد، أنه يُجسد نفس نمط الوحي الذي سار عليه الله منذ البدء – وحي لا يُحجب، وغير مقتصر على الخاصة، بل يُعلَن للجميع، في المجامع، والهيكل، والطرقات، وعبر الإنجيل.

ما قاله السيد المسيح امام رئيس الكهنة يلتقي تمامًا مع البنية اللاهوتية للإعلان في العهدين، حيث استمرارية الإعلان وشفافيته تتجلى في شخص المسيح، كلمة الله الظاهر في الجسد.

في مشهد المحاكمة أمام رئيس الكهنة، يصرّح يسوع تصريحًا جوهريًا في فهم طبيعة تعليمه وإعلانه، قائلًا:"أنا كلمت العالم علانية... وفي الخفاء لم أتكلم بشيء." (يو 18: 20)يتماهى هذا الإعلان العلني مع ما صرّح به الله في إشعياء:"لم أتكلم في الخفاء في مكان من الأرض مظلم، لم أقل لنسل يعقوب: باطلًا اطلبوني" (إش 45: 19)

هذا التصريح لا يُفهم فقط في سياقه القانوني، بل يحمل بعدًا لاهوتيًا عميقًا، إذ يكشف يسوع هنا عن طبيعة رسالته ككلمة الله الظاهر في الجسد – إعلان مكشوف، واضح، موجه للعالم، وليس لفئة نخبوية.

كلام الرب يسوع أمام رئيس الكهنة، يتماشى تمامًا مع فكرة الإعلان العلني، حيث يقول: "أنا كلمت العالم علانية... وفي الخفاء لم أتكلم بشيء". هنا نرى أن يسوع نفسه – بوصفه كلمة الله المتجسد – يواصل نفس نهج الله المُعلَن في العهد القديم. لا يوجد في تعليمه أسرار خفية محفوظة لنخبة دون سواهم، بل كلامه وتعليمه كانا واضحين، معروفين، ومكشوفين أمام الجميع. فهو لم يعلّم شيئًا سرا أو في الخفاء، فكل تعاليمه سمعها الجميع، سواء في الهيكل أو المجامع أو الأماكن الأخرى

الوحي المسيحي: إعلان علني، لا باطني

هذه النصوص تشكل معًا دعامة هامة في الدفاع عن الوحي المسيحي بصفته إعلانًا :-علنيًا، موجه للعالم، لا لفئة مختارة-تاريخيًا، يتحقق في الزمن، لا في الخيال.-موضوعيا، يمكن التحقق منه، لا يُبنى على الإلهامات الغامضة.-قابل للتداول – لا يُحتكر، بل يُنادى به على السطوح.

الوحي الكتابي – بعكس كثير من الادعاءات الدينية والفلسفية الأخرى – لا يدّعي الأسرار الغامضة أو الإعلانات الخاصة غير القابلة للتحقق، بل يقوم على حقائق أعلنها الله صراحةً وحققها تاريخيًا، "بغتةً صنعتها فأتت" (إش 48: 3).

ليكون للبركة

Patricia Michael