الرد على شبهة: هل عبارة «جَعَلَهُ اللهُ رَبًّا وَمَسِيحًا» تعني أن المسيح لم يكن ربًا؟
الشبهة
يزعم المشكك أن قول الرسول بطرس:
«فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هذَا الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ رَبًّا وَمَسِيحًا» (أعمال 2: 36)
يثبت أن المسيح لم يكن ربًا بطبيعته، بل صار ربًا بعد القيامة عندما جعله الله ربًا ومسيحًا، ويستدل بذلك على نفي أزلية المسيح وألوهيته.
فهل تعني كلمة «جعل» أن المسيح صار ربًا بعد أن لم يكن كذلك؟
في معرض رده على الأريوسيين، تناول القديس أثناسيوس الرسولي في كتابه «ضد الأريوسيين» تفسير هذه العبارة، مبينًا أن الفعل «جعل» لا يُفهم بمعنى الخلق أو الإيجاد، بل في سياق الإعلان والإظهار والتنصيب، وأن ما يُقال عن المسيح بحسب تدبير التجسد لا يجوز نقله إلى لاهوته الأزلي. وهذا الفهم ينسجم مع شهادة الكتاب المقدس بأكملها عن أزلية الابن وربوبيته.
أولًا: التفكيك اللغوي لكلمة «جَعَلَ»
يقوم أساس هذه الشبهة على افتراض أن كلمة «جعل» لا تحمل إلا معنى الخلق أو الإيجاد، وهذا افتراض غير صحيح لا من جهة اللغة العربية، ولا من جهة الاستعمال الكتابي.
فكلمة «جَعَلَ» من أكثر الأفعال اتساعًا في اللغة، وتأتي بمعانٍ متعددة بحسب السياق، مثل: عيَّن، وأقام، ونصَّب، وأظهر منزلته، واعتبر، وصيَّر، وأعلن مكانته. وليس في أي من هذه المعاني ما يقتضي الخلق أو الإيجاد من العدم.
فعندما نقول: «جعلته مديرًا» أو «جعلته سفيرًا» أو «جعلته قائدًا»، لا يفهم أحد أن هذا الشخص خُلق في تلك اللحظة، وإنما أُقيم في منصب أو أُعلنت منزلته أمام الآخرين.
والأمر نفسه ينطبق على النص اليوناني؛ فالفعل المستخدم في أعمال 2 : 36 هو:
ἐποίησεν (epoiesen)
وهو من الفعل:
ποιέω (poieō)
وهذا الفعل واسع الدلالة، ويأتي بمعانٍ مثل: يصنع، ويفعل، ويقيم، ويعين، ويحقق، وينجز، ويجعل. وهو لا يدل بذاته على معنى «الخلق من العدم»، وإنما يتحدد معناه بحسب السياق الذي يرد فيه. ومن ثم، فإن حمله هنا على معنى الخلق هو تحميل للنص ما لا يحتمله.
ثانيًا: ماذا يعني «جعله ربًا ومسيحًا»؟
السياق هو المفتاح الصحيح لفهم هذه العبارة. فبطرس لا يتحدث عن بداية وجود المسيح، ولا عن نشأة لاهوته، بل يتحدث عن الأحداث التي تلت الصليب، أي عن قيامته، وصعوده، وجلوسه عن يمين الآب، وإعلان مجده أمام إسرائيل والعالم.
ولهذا يختم خطبته بقوله: «الله جعله ربًا ومسيحًا»، أي أن الله أقامه وأعلنه وأظهره رسميًا أمام الجميع باعتباره الرب والمسيح الذي سبق أن رفضه اليهود وصلبوه. فالمقصود ليس أن المسيح اكتسب طبيعة جديدة أو صار ربًا لأول مرة، بل أن الله أعلن سيادته ومجده بعد أن أكمل عمل الفداء.
ثالثًا: لماذا لا يمكن أن تعني «جعله» بمعنى «خلقه»؟
لو كان المقصود من كلمة «جعل» هو الخلق أو الإيجاد، للزم من ذلك نتائج باطلة لا يقبلها الكتاب المقدس ولا العقل اللاهوتي.
فهذا يعني أن الله خلق الربوبية، مع أن الربوبية ليست شيئًا يُخلق أصلًا، بل هي صفة إلهية. كما يعني أن الله خلق المسيح، أو خلق الابن، أو خلق الكلمة.
لكن الكتاب المقدس لا يقول في أي موضع إن الله جعل الابن ابنًا، أو خلق الكلمة، أو صنع الكلمة. ولو كان هذا هو المقصود فعلًا، لصرح به الكتاب في مواضع كثيرة، لكنه لم يفعل.
وهذا هو عين ما يوضحه القديس أثناسيوس الرسولي، إذ يبين أن من يفسر كلمة «جعل» بمعنى «خلق» يخلط بين استعمالات الكلمة المختلفة، ويتجاهل أن معناها يتحدد بالسياق.
يوضح القديس أثناسيوس الرسولي أن عبارة «جعله الله ربًا ومسيحًا» لا تعني أن الابن صار ربًا بعد أن لم يكن، ولا أنها تشير إلى خلقه أو بداية وجوده، بل إلى إعلانه وتنصيبه بحسب تدبير الخلاص بعد قيامته. ويؤكد أن كلمة «جعل» لا تُفهم دائمًا بمعنى الخلق، وإلا لكان ينبغي أن يقال أيضًا إن الله «جعل» الابن ابنًا أو «خلق» الكلمة، وهو ما لا يقوله الكتاب المقدس. لذلك فالمقصود هو إعلان مجد المسيح وإظهار سيادته أمام البشر، لا اكتسابه الربوبية أو الألوهية.
رابعًا: الفرق بين الطبيعة الإلهية وتدبير التجسد
من أهم المبادئ التي أكد عليها الآباء، وعلى رأسهم القديس أثناسيوس، التمييز بين ما يُقال عن المسيح بحسب طبيعته الإلهية، وما يُقال عنه بحسب تدبير التجسد والخلاص.
فالمسيح بحسب لاهوته هو الرب منذ الأزل، وهو كلمة الله، وهو ابن الله قبل كل الدهور.
أما ما يقال عنه بعد القيامة، فهو يتعلق بإعلان مجده وتمجيده بحسب تدبير الخلاص، ولذلك يقال إنه أُعلن ربًا، ومُلِّك علنًا، وأُقيم مسيحًا ممجدًا أمام العالم.
فالتغيير لم يكن في شخص المسيح، بل في إعلان مكانته التاريخية بعد أن أتم الفداء، إذ صار ما كان مستورًا عن كثيرين مُعلنًا أمام الجميع.
خامسًا: الكتاب نفسه يثبت أن المسيح كان ربًا قبل أعمال 2
لو كانت عبارة «جعله ربًا» تعني أنه صار ربًا لأول مرة، لوقع تناقض واضح مع نصوص كثيرة سبقت القيامة وأعلنت ربوبية المسيح.
فالملائكة أعلنت يوم ميلاده:
«أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ... مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ» (لوقا2 : 11).
والمسيح نفسه قال لتلاميذه:
«أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَرَبًّا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ.» (يوحنا 13:13).
كما استشهد بالمزمور قائلاً:
«قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي...» (متى 22: 43-45)، مؤكدًا أن داود نفسه دعا المسيح ربًا قبل التجسد.
بل إن الرسول بولس يستخدم الأسلوب نفسه في رسالته إلى أهل فيلبي عندما يقول:
«لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ» (فيلبي2 : 9 ).
فهل كان الابن بلا اسم قبل ذلك؟ بالطبع لا.
فالرسول لا يتحدث عن اكتساب الابن للاهوت أو للربوبية، وإنما عن تمجيد المسيح المتجسد وإعلان مجده بعد إتمام الفداء، وهو المبدأ نفسه الذي يشرحه بطرس في (أعمال 2 : 36 ).
سادسًا: لماذا قال بطرس: «يسوع هذا الذي صلبتموه»؟
من المهم أن نلاحظ أن بطرس لم يقل: «الله جعل الكلمة ربًا»، ولا قال: «جعل ابن الله ربًا»، بل قال:
« يَسُوعَ هَذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ »
فهو يتحدث عن المسيح بعد التجسد، وعن الذي صُلب وقام وصعد، أي عن المسيح المتجسد الذي أتم عمل الفداء.
أما لاهوت الابن، فلم يبدأ وجوده بالتجسد ولا بالقيامة، بل هو أزلي مع الآب. ولذلك فإن الكلام هنا يتعلق بما أُعلن عن المسيح بحسب تدبير التجسد، لا بما هو عليه بحسب طبيعته الإلهية.
ولهذا فإن قول بطرس: «جعله ربًا ومسيحًا» يعني أن الله أعلن سيادته ومسحته أمام العالم بعد إتمام الخلاص، وليس المقصود مطلقا بأنه صار ربًا لأول مرة.
الخاتمة
إن هذه الشبهة تقوم على مغالطة لغوية وسياقية، إذ تفترض أن كلمة «جعل» لا تحتمل إلا معنى الخلق أو الإيجاد، بينما يثبت الاستعمال اللغوي، والنص اليوناني، والسياق الكتابي، وتعليم الآباء، أنها تُستخدم أيضًا بمعنى الإقامة، والإعلان، والتنصيب.
لذلك، فإن قول الرسول بطرس: «جعله الله ربًا ومسيحًا» لا يتحدث عن بداية ربوبيته أو اكتسابه للألوهية، بل عن إعلان مجده وسيادته بعد إتمام عمل الفداء، وإظهار يسوع الذي صُلب وقام باعتباره الرب والمسيح الذي سبق الله فوعد به.
وهذا هو التفسير الذي قدمه القديس أثناسيوس الرسولي في رده على الأريوسيين، وهو أيضًا الفهم الذي ينسجم مع السياق المباشر للآية، ومع شهادة الكتاب المقدس بأكملها عن شخص المسيح، دون اقتطاع للنص من سياقه أو تحميله ما لا يحتمله.
ليكن هذا الرد سببًا في تثبيت المؤمنين، وإظهار أن فهم الكتاب المقدس لا يقوم على اقتطاع آية من سياقها، بل على قراءتها في ضوء اللغة والسياق وتعليم الكنيسة الجامعة.
ليكون للبركة