"تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ. فِي كُلِّ طُرُقِكَ اعْرِفْهُ، وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ." امثال 3 : 5-6
يُسيء البعض فهم بعض النصوص الكتابية فيظنون أنها تُعبّر عن دعوة لعدم إعمال العقل وتنحيته جانبًا في المسيحية، ويفترضون خطأً ان المسيحية تُعلي من شأن الإيمان على حساب العقل، مستندين في ذلك إلى نصوص مثل: "توكل على الرب بكل قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد" (أمثال 3: 5 - 6 )، ظنًّا منهم أن هذا يستلزم إلغاء التفكير النقدي أو استقلالية العقل.
الرد:
هذا النص لا يقصد به اطلاقا عدم استخدام العقل، بل توضح ترتيب الثقة: أن تكون الثقة المطلقة بالله لا في قدرات الإنسان المحدودة وحدها. النص يقول:
"توكل على الرب بكل قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد" – أي لا تجعل فهمك هو الأساس المطلق الذي تُبني عليه قراراتك، بل اجعل معرفة الله وإرادته هي المرجع الأسمى.
غير أن هذا الاعتراض لا يصمد أمام التحليل اللاهوتي والتاريخي للفكر المسيحي. فالنص لا يدعو إلى رفض العقل أو تعطيله، بل يحدّد موقعه الصحيح في النظام المعرفي المسيحي؛ حيث يُطلب من الإنسان ألا يجعل من عقله مرجعًا مطلقًا مستقلاً عن الله، بل أن يُخضعه لإرادة الله المعلنة في الوحي.
فالمسيحية تُقرّ بقيمة العقل كوسيلة للفهم والتأمل والدفاع، لكنها ترفض العقلانية المغلقة التي ترفض كل ما يتجاوز حدود الإدراك البشري.
هذا النص لا يُفهم باعتباره دعوة لإلغاء العقل أو إيقاف ملكة التفكير، بل هو تحذير من جعل العقل مرجعًا نهائيًا مستقلًا عن الله. فالمسيحية تؤكد أن العقل هبة عظيمة من الله، وُهب للإنسان ليُفكر ويتأمل ويدافع ويقرر، لكنه ليس مطلقًا، بل محدود ومعرّض للخطأ إن لم يُستنر بإعلان الله. ولذلك، فالموقف المسيحي يُفهم على النحو الآتي: "لا تجعل عقلك هو مرجعك المطلق، بل اخضعه لإرشاد الله وإعلانه، فينير لك الطريق ويقوم سبلك."
إن العقل وحده، دون إعلان، لا يستطيع إدراك أسرار الله العميقة، لأن تلك الأسرار تتجاوز حدود الإدراك الطبيعي، لكنها ليست ضدّه. هذا ما عبّر عنه الآباء بجلاء، فقد قال القديس أغسطينوس: "آمن كي تفهم، وافهم كي تؤمن"، مشيرًا إلى أن العلاقة بين العقل والإيمان هي علاقة تكميل وتغذية متبادلة. وأكّد توما الأكويني لاحقًا أن العقل يستطيع التوصل إلى بعض الحقائق الإيمانية، كإثبات وجود الله، ولكنه يحتاج إلى الوحي لفهم الحقائق السامية كالتجسد والثالوث. وعليه، فإن المسيحية لا تُقصي العقل، بل تُعيد توجيهه، وتدعوه إلى التواضع أمام الله، لا إلى العجز أو الاستقالة.
وبالرجوع الى تفسير الكتاب المقدس بحسب ابونا تادرس يعقوب ملطي يقول:
هذه هي أهم الوصايا، ترتبط بإيماننا بالله مصدر كل الخيرات، محب البشر والأب السماوي القدير والحكيم المهتم بنا، حتى بالأمور الصغيرة، يَعِد ويفي بوعده لنا. يليق بنا أن نثق في الرب بكل قلوبنا، فإنه يريد أن يقدم لنا ما هو أفضل، وقادر على ذلك. من يعرفون أنفسهم يُدركون أن فهمهم -بدون العون الإلهي- أشبه بقصبة مكسورة، إن اتكأوا عليها فشلوا. لذلك يليق بنا ألا نُخطط أمرًا ما إلا بما يتناغم مع الوصية الإلهية، طالبين من الله مشورته، كما نطلبه أن يقدس فكرنا ويقود سلوكنا. حقًا إن من يتكل على فهمه وخبراته وقدراته بغير العون الإلهي يكون غبيًا!
في كل طرقنا الخاصة والعائلية والخاصة بالعمل أو المجتمع المحيط بنا يليق بنا أن نعرف الله قائدًا لنا، فنخضع له، ونُعلن سرورنا بتتميم إرادته ووصاياه، حينئذ يوجه هو طرقنا ويُقوِّمها، فنعيش في سلام وسعادة، مفصلين كلمته في حياتنا باستقامة (1تي15:2).
نعرفه قائدًا لنا في بداية كل طريق نسلكه، مرافقًا لنا طوال رحلتنا، يتحدث معنا ونحن معه بلا انقطاع، ويعبر بنا حتى النهاية، عندئذ نقول مع تلميذيّ عمواس: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب؟!" (لو22:24).
وايضا يقول ابونا انطونيوس فكري:
الآيات (5، 6): "تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ. فِي كُلِّ طُرُقِكَ اعْرِفْهُ، وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ."
توكل على الرب= أي آمن وثق واحتمي بالله في إتكال كامل عليه، آمن وثق بأن الله قادر وقدير، قادر أن يفعل ما يريد وآمن بأنه حكيم سيصنع الصالح وأنه صالح سيصنع الخير لمن يحبه ويخدمه ويطيعه، بل آمن أن الله منبع كل خير وصلاح.
بكل قلبك= أي لا يكن لك ثقة في غيره. وعلى فهمك لا تعتمد= من يثق في الله ينجح ومن يثق في نفسه يفشل (أم26:28).
وهكذا سقطت حواء إذ تركت وصية الله وظنت أنها تحصل على السعادة بما تراه أنه حسن ومبهج من وجهة نظرها هي.
كيف نفهم هذا الكلام؟
لو واجهنا مشكلة وكان هناك عدة حلول للمشكلة ولكنها بأساليب عالمية وذكاء بشري فيه خبث وتتعارض مع وصايا الله فلنلتزم بالوصية ولا نعتمد على ذكائنا. مثال لذلك، لو أخطأ أحد في حقنا، وكان أمامنا فرصة للانتقام، فهل ننتقم مخالفين وصية "لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء" (رو12: 19) . لو فعلنا فقد إعتمدنا على فهمنا ولم نعتمد على الله.
في كل طرقك إعرفه= أي بتسليم كل شيء له والإتكال الكامل عليه وبأنه السيد المطلق على حياتنا فنحفظ وصاياه أي لا يكون قرارنا فيه تعدي على وصايا الله. وقوله في كل طرقك نطبقه عمليًا بأن نبدأ كل مشروع لنا أو نبدأ يومنا بالله، بالصلاة ليشترك الله معنا في عملنا ونصلي في أثناء عملنا حتى يبارك الله عملنا ويومنا، نصلي طالبين المعونة والبركة قبل أن نبدأ وفي أثناء أي عمل، وبعد أن ننتهي نصلي شاكرين لله ما بدأه وأنهاه معنا.
يُقَوِّم سبلك= كلمة يُقَوِّم في معناها الأصلي تحمل معنى التقسيم والفصل فعندما تتشعب السبل أمام الإنسان ويتحير في أيهما يسلك، يتدخل الرب ويفصل بين هذه السبل ويرشده إلى السلوك في الطريق الصالح. وفي كثير من الاحيان حين نتحير ما بين طريقين كلاهما لا خطية ولا شر فيهما، فلنصلي ونختار بحرية أيهما أفضل في نظرنا، إذ يقول بولس الرسول "طوبى لِمَنْ لا يدين نفسه في ما يستحسنه" (رو 14: 22). والله يغلق أمامنا الطريق الخطأ الذي إخترناه أثناء حيرتنا. فقط علينا أن نطيعه ونتبعه ومن يمشي وراء السحابة لا بُد وسيصل إلى كنعان السماوية، وكل ما علينا عمله أن نصلي دائمًا وبلا انقطاع طالبين معونته وإرشاده وهو يفتح أعيننا لنرى الطريق الصحيح وهذا معنى في كل طرقك إعرفه ويكون هذا بالصلاة دائمًا.
ليكون للبركة