الله وحده هو الخالق... هذه حقيقة مسلَّم بها، فهل قام السيد المسيح بعملية الخلق؟

إن لفظ «الخالق» لا يطلق علي أي مخلوق على الإطلاق مهما كانت عظمته, لأن الخلق هو عمل الله فقط, سواء الخليقة الظاهرة المرئية أو الخليقة غير الظاهرة وغير المرئية, سواء كانت ما في السموات أو ما على الأرض.

فلقد جاء عن الله (أعمال 24:17 - 26) «الإله الذي خلق العالم وكل ما فيه. إذ هو يعطى الجميع حياة ونفسا وكل شيء وصنع من دم واحد كل أمة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض».

وفي (رؤيا 11:4) ما يترنم به الأربعة والعشرون شيخا قائلين: «أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة لأنك أنت خلقت كل الأشياء وهي بإرادتك كائنة وخلقت» وجاء عنه كذلك أنه:

«إله الدهر الرب خالق أطراف الأرض» (إشعياء 28:40) .

«خالق الكواكب والنجوم» (إشعياء 26:40) .

«أنا صنعت الأرض وخلقت الإنسان عليها» (إشعياء 12:45) .

«هكذا قال الرب خالق السموات هو الله مصور الأرض وصانعها هو قررها» (إشعياء 18:45) .

«هكذا يقول الرب خالق السموات وناشرها باسط الأرض ونتائجها. معطي الشعب عليها نسمة والساكنين فيها روحا» (إشعياء 5:42) .

ونحن نعلم أن الله واحد لكنه أقانيم وكما أن الآب هو الخالق كذلك الابن أيضا هو الخالق. ولنلاحظ وحدة الأقانيم في القول «هكذا يقول الرب فاديك وجابلك من البطن أنا الرب صانع كل شيء ناشر السموات وحدي باسط الأرض من معي» (إشعياء 24:44) .

وأيضا جاء عنه «فإنه هوذا الذي صنع الجبال وخلق الريح» (عا 13:4) . وجاء عنه أيضا في صلاة إرميا «ها إنك قد صنعت السموات والأرض بقوتك العظيمة وبذراعك الممدودة لا يعسر عليك شيء» (إرميا 17:32) وأيضا في (مزمور 16:74, 17) يقول آساف «أنت هيأت النور والشمس. أنت نصبت كل تخوم الأرض والصيف والشتاء أنت خلقتهما».

وفي (مزمور 11:89, 12) يقول إيثان الأزراحي «المسكونة وملؤها أنت أسستها. الشمال والجنوب أنت خلقتهما» وأيضا في (مزمور 4:104, 5) «الصانع ملائكته رياحا وخدامه نارا ملتهبة. المؤسس الأرض على قواعدها فلا تتزعزع إلى الدهر والأبد».

والروح القدس أيضا هو الخالق فلقد جاء عنه في (مزمور 30:104) «ترسل روحك فتخلق. وتجدد وجه الأرض».

والمسيح ابن الله, هو الله الخالق.

فلقد جاء في الوحي الإلهي ما يأتي:

1 - في (يوحنا3:1) «كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان» وفي عدد 10 «كان في العالم وكون العالم به ولم يعرفه العالم». ولكون العالم قد ك و ن به فهذا برهان على أنه هو الإله الخالق.

2 - في (كولوسي 16:1) «فإنه فيه خلق الكل ما في السموات وما على الأرض. ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خلق». لاحظ كلمة فيه, وبه, وله قد خ لق الكل.

3 - في (عبرانيين 2:1) «ابنه الذي به أيضا عمل العالمين» وفي (عبرانيين 10:1) «وأنت يا رب في البدء أسست الأرض والسموات هي عمل يديك». وفي (عدد 8 ) قال الرسول إن المسيح ابن الله هو الله الذي كرسيه إلى دهر الدهور وقال عنه إنه هو الرب الخالق الذي خلق الأرض والسموات.

4 - وفي (أم 27:8 - 30) يقول الابن الذي هو الحكمة «لما ثبت السموات كنت هناك أنا, لما رسم دائرة على وجه الغمر. لما ثبت السحب من فوق لما تشددت ينابيع الغمر, لما وضع للبحر حده فلا تتعدى المياه تخمه لما رسم أسس الأرض, كنت عنده صانعا وكنت كل يوم لذته فرحه دائما قدامه».

5 - وفي (رؤيا 16:22) يقول «أنا يسوع, أنا أصل وذرية داود كوكب الصبح المنير» وأصل داود تعني جابله وخالقه. وأيضا ربه كما قال في (مزمور 1:110) «قال الرب لربي» وإن كان بالناسوت أي بالتجسد ذرية داود. فهو بالحقيقة الخالق. فلو لم يكن كذلك ما كان قد قال إنه أصل داود.

نعم إن كل المخلوقات المنظورة وغير المنظورة السماوية والأرضية جميعها قد خلقها المسيح, وقد خلقها لأجل مجده «الكل به وله قد خلق» (كولوسي 16:1) وأيضا «لأن منه وبه وله كل الأشياء له المجد إلى الأبد» (رومية 36:11) .

وهو أيضا «فيه يقوم الكل» (كولوسي 17:1) «الذي هو البداءة» (كولوسي 18:1)أي الأصل والأساس لوجود كل الأشياء. «كل شيء به كان» (يوحنا3:1) .

ولقد برهن الرب يسوع في أيام جسده بأنه الخالق في معجزاته الكثيرة منها :

لقد خلق عينين للمولود من بطن أمه أعمى, مع أن هذا الأعمى لم يكن هو أول أعمى يفتح الرب عينيه بل قد فتح أعين عميان كثيرين لكن جميعهم كان يقول لكل واحد منهم أبصر (لوقا42:18) وفي الحال كان يبصر ويتبعه وهو يمجد الله (لوقا43:18) أما هذا الأعمى فلم يقل له أبصر. لكن يقول الكتاب إنه «تفل على الأرض وصنع من التفل طينا وطلى بالطين عيني الأعمى وقال له اذهب واغتسل في بركة سلوام. فمضى واغتسل وأتى بصيرا» (يوحنا6:9, 7).

- عندما التقى السيد المسيح مع المولود أعمى " تفل على الأرض وصنع من التفل طينًا وطلى بالطين عيني الأعمى. وقال له أذهب أغتسل في بركة سلوام. الذي تفسيره مُرسَل. فمضى واغتسل وآتى بصيرا" (يو 9: 6، 7) وعندما نضع هذا العمل بجوار خلقة الله لآدم نجد تطابقًا ظريفًا، فعندما خلق الله آدم "جبل الرب الإله آدم ترابًا من الأرض" (تك 2: 7) وعندما خلق السيد المسيح عينين جديدتين خلقهما من تراب الأرض إذ تفل على الأرض وصنع طينًا، والأمر العجيب إن العين الصحيحة لو جاء عليها شيء من التراب أو الطين لآذاها، ولو وضع الإنسان طينًا على وجهه واغتسل لزال الطين، فكيف ثَبُتَ بالاغتسال..؟! بل كيف تحوَّل إلى أنسجة حيَّة وشرايين وأوردة وكوَّن عينان بكل ما تحويه العين من أعصاب وقرنية وشبكية... إلخ... إنها معجزة خلقة بكل المقاييس أراد بها السيد المسيح تقديم وسيلة إيضاح على أنه الله الخالق المتأنس، ولذلك خلق عينين لم يكن لهما وجود من قبل، وأدرك الفريسيون هذه الحقيقية فحاورا الأعمى كثيرًا. بل أنهم استدعوا والديه وأخذوا يحاورونهما لعلهما ينكرا هذه المعجزة التي كان يتمنى الفريسيون لو لم تحدث، وأخيرًا انقسموا على أنفسهم " فقال قوم من الفريسيين هذا الإنسان ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت. آخرون قالوا كيف يقدر إنسان خاطئ أن يعمل مثل هذه الآيات.وكان بينهم انشقاق" (يو 9: 16) وصدق هذا الأعمى عندما قال "منذ الدهر لم يُسمَع أن أحدًا فتح عيني مولود أعمى" (يو 9: 32) فهذا العمل هو عمل إلهي ظل محفورًا في ذاكرة اليهود، حتى أنه عندما تعرض لعازر للموت قال بعض اليهود " ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا أيضًا لا يموت" (يو 11: 37).

ومن هنا يأتي سؤال لماذا في هذه المعجزة بالذات فعل يسوع هكذا ؟ وللإجابة على هذا السؤال نقول:

1 - من سؤال التلاميذ في وجواب الرب لهم في يتضح لنا الأمر فقد قالوا له عندما رأوا الأعمى «يا معلم من أخطأ هذا أم أبواه حتى و لد أعمى؟ أجاب يسوع لا هذا أخطأ ولا أبواه ولكن لتظهر أعمال الله فيه». والعبارة الأخيرة تؤكد لنا لاهوت المسيح أي إن المسيح ابن الله هو الله ذاته. إذ إنه أظهر أعمال الله في ذلك الأعمى بإعادة البصر إليه.

2 - إن هذا الأعمى مولود بدون عينين من بطن أمه, فالذي يمنحه البصر لابد أن يخلق له عينين. ومن المعروف أن الإنسان خلق من التراب ولذلك الذي يكمل ما نقص في تكوين هذا الإنسان وهو في بطن أمه يكمله من التراب. وهذا ليس في سلطان أحد سوى الخالق, لذلك تفل يسوع على الأرض وصنع من التفل طينا وطلى بالطين عيني الأعمى وهكذا خلق له من الطين عينين جديدتين.

ألا ترى معي أن هذا الأمر ضد المنطق الإنساني والطب, فلو كان هناك إنسان بصير طليت عيناه بالطين لكان معرضا أن يصاب بالعمى. لكن المسيح طلى عيني الأعمى ومن ذلك عمل للأعمى عينين. أليس هو الذي خلق آدم من تراب ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار نفسا حية؟

ولقد أعلن الرب حقيقة شخصه لهذا الرجل الذي صنعت معه المعجزة إذ قال له: «أتؤمن بابن الله? أجاب ذاك وقال من هو يا سيد لأؤمن به? فقال له يسوع قد رأيته والذي يتكلم معك هو هو. فقال أؤمن يا سيد وسجد له» (يوحنا35:9 - 37).

- حوَّل السيد المسيح في عرس قانا الجليل الماء إلى خمر جيدة وشهد بهذا رئيس المتكأ، وقد صنع السيد المسيح هذه المعجزة العظيمة بدون أن يصلي أو يتضرع أو يبتهل أو يطلب منه الله، وبدوه أن يضع يده ويلمس الماء. إنما المعجزة تمت بمجرد الإرادة... هو أراد فكان " قال لهم يسوع أملأوا الأجران ماء. فملأوها إلى فوق. ثم قال لهم استقوا الآن وقدموا إلى رئيس المتكأ. فقدموا" (يو 2: 7، 8 ) وللحال تمت المعجزة ونفذت المشيئة الإلهيَّة، وواضح أن هذه المعجزة معجزة خلقة لأن الماء يحوي عنصري الأكسجين والهيدروجين، بينما الخمر يشمل عناصر أخرى مثل الكربون، فمن أين جاءت هذه العناصر؟ لقد خلقها الخالق العظيم سيدنا يسوع المسيح من العدم.

- عندما أشبع نحو خمسة آلاف رجل من خمسة أرغفة وسمكتين وحرص الإنجيل على تسجيل العدد ليظهر عظم المعجزة " فأخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين ورفع نظره نحو السماء وباركهنَّ ثم كسر وأعطى التلاميذ ليقدموا للجمع. فأكلوا وشبعوا جميعًا. ثم رُفِع ما فضل عنهم من الكسر اثنتا عشرة قفة" (لو 9: 16، 17).. فمن أين جاءت الأرغفة؟ ومن أين جاء السمك حتى شبع الآلاف وبقى ما بقى؟!.. لا عجب، لأن السيد المسيح هو الإله الخالق المتأنس.

ولعظم هذه المعجزة سمح السيد المسيح أن تتكرر ثانية مع أربعة آلاف رجل ماعدا النساء والأطفال، وكان لهم ثلاثة أيام يمكثون معه لم يأكلوا، فأشفق عليهم وأراد أن يطعمهم، وتعجب التلاميذ من هذا الطلب وقالوا " من أين لنا في البرية خبز بهذا المقدار حتى يُشبع جمعًا هذا عدده؟ أما السيد الخالق فقد " أخذ السبع خبزات والسمك وشكر وكسر وأعطى تلاميذه والتلاميذ أعطوا الجمع. فأكل الجميع وشبعوا. ثم رفعوا ما فضل من الكسر سبعة سلال مملوءة" (مت 15: 36، 37).

وقد يقول قائل: وما رأيك في المعجزة التي صنعها إيليا مع أرملة صرفة صيدا... أليست معجزة خلقة..؟ الذي يدقق في المكتوب يعرف بسهولة إن الذي صنع المعجزة ليس إيليا بقوته الشخصية إنما الرب " لأنه هكذا قال الرب إله إسرائيل أن كوار الدقيق لا يفرغ وكوز الزيت لا ينقص إلى اليوم الذي فيه يعطي الرب مطرًا على وجه الأرض" (1 مل 17: 14). بل إن المعجزة بدأت عندما " كان له كلام الرب قائلًا قم أذهب إلى صرفة التي لصيدون وأقم هناك. هوذا قد أمرت هناك امرأة أرملة لتعولك" (1 مل 17: 8، 9) وهذا الفارق يشبه الفارق بين إقامة إيليا لابن هذه الأرملة وإقامة السيد المسيح للأموات، فإيليا " صرخ إلى الرب... فسمع الرب لصوت إيليا فرجعت نفس الولد إلى جوفه وعاش" (1 مل 7: 20 - 22) أمَّا السيد المسيح فكان يأمر الميت فيقوم.

- يقول الإنجيل عن السيد المسيح "كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو 1: 3).. " كان في العالم وكُوّن العالم به" (يو 1: 10).. " لكن لنا... رب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به" (1 كو 8: 6).. " فإنه فيه خُلِق الكلُّ ما في السموات وما على الأرض ما يُرى وما لا يُرى سواء كان عروشًا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خُلِق" (كو 1: 16).. " الذي به أيضًا عمل العالمين" (عب 1: 10) وبينما نجد المزمور يقول عن الله " أقول ياإلهي... إلى دهر الدهور سنوك. من قدم أسَّست الأرض والسموات هي عمل يديك. هي تبيد وأنت تبقى وكلها كثوب تبلى. كرداء تغيرهنَّ فتتغير. وأنت هو وسنوك لن تنتهي" (مز 102: 24 - 27) فإن الإنجيل يقول عن السيد المسيح " أما عن الابن... أنت يا رب في البدء أسَّست الأرض والسموات هي عمل يديك. هي تبيد ولكن أنت تبقى وكلها كثوب تبلى. وكرداء تطويها فتتغيَّر ولكن أنت أنت وسنوك لن تفنى" (عب 1: 8 - 11) ومع التجاوز نستطيع أن نقول لولا الابن ما كانت هناك خليقة ما، لا على الأرض ولا في السماء.