قوس تيطس Arch of Titus : شاهد على تحقيق نبؤة السيد المسيح حول خراب أورشليم وهدم الهيكل عام 70 م.
ترجمة ودراسة Patricia Michael
الهيكل في التاريخ اليهودي: خلفية تاريخية
عندما كان داود ملكًا، طلب من الله أن يبني له هيكلًا (1 أخبار الأيام 17: 1–15)، لكن الله رفض، وسمح لابنه سليمان ببنائه، فيما تولّى داود جمع المواد اللازمة لذلك (1 أخبار الأيام 22: 2–5). وقد دُمّر هيكل سليمان على يد البابليين عام 586 قبل الميلاد (2 ملوك 25: 9).
بعد ذلك، سمح الملك الفارسي كورش الكبير بعودة المسبيين اليهود إلى وطنهم وإعادة بناء الهيكل، فعاد الفوج الأول بقيادة زربابل (عزرا 1: 2).
بدأت عودة اليهود من السبي البابلي عام 538 ق.م بعد مرسوم الملك الفارسي كورش الكبير. وقد تمت العودة على مراحل متعاقبة: فقاد زربابل الفوج الأول، حيث أُعيد بناء الهيكل في أورشليم. ثم جاء عزرا لاحقًا ليقود الفوج الثاني ويُصلح الحياة الدينية ويثبت الشريعة. وبعده تولّى نحميا قيادة الفوج الثالث، حيث أعاد بناء أسوار المدينة ونظّم شؤونها.
وخلال الأربعمئة سنة التالية، تعاقب حكام أمميون بين ترميم الهيكل وتدنيسه. وبلغت هذه الدورة ذروتها عام 39 قبل الميلاد، عندما استولى الملك هيرودس على الهيكل في معركة دموية، وقتل العديد من الكهنة والمدافعين عنه، لكنه في المقابل منع الجنود الرومان من دخول الحرم. واقترح هيرودس إعادة ترميم الهيكل عام 20 أو 19 قبل الميلاد، معللًا ذلك بأن هيكل ما بعد السبي أقصر بستين ذراعًا من هيكل سليمان الأصلي. ورغم مخاوف اليهود من أن هيرودس يخطط لهدم الهيكل دون إكماله، تم الانتهاء من الأعمال الأساسية خلال سنة ونصف، والفناء الخارجي خلال ثماني سنوات. واستمرّت اللمسات النهائية حتى عام 63 ميلادية. وهكذا، فإن هيكل هيرودس هو في الواقع توسعة وترميم لهيكل زربابل.
في عام 70 ميلادية، تعرّضت مدينة أورشليم لواحدة من أعظم الكوارث في تاريخها، عندما حاصرها الجيش الروماني بقيادة القائد تيطس، ابن الإمبراطور الروماني فسباسيان . وبعد حصارٍ دامٍ استمر عدة أشهر، سقطت المدينة ودُمّر الهيكل الثاني ، الذي كان قلب العبادة اليهودية ورمز الهوية الدينية للشعب اليهودي.
اندلعت هذه الحرب نتيجة ثورة يهودية ضد الحكم الروماني سنة 66م، فردّت روما بقوة ساحقة. وعندما اقتحم الرومان المدينة أخيرًا، دمّروا معظم أحيائها وأحرقوا الهيكل، وقتلوا أو سبوا أعدادًا كبيرة من السكان. وقد وثّق هذه الأحداث المؤرخ اليهودي (فلافيوس يوسيفوس Flavius Josephus) في كتابه الشهير The Jewish War (الحرب اليهودية)، واصفًا مشاهد المجاعة والعنف والخراب التي رافقت الحصار.
حاصرت أربعة فيالق رومانية بقيادة تيطس مدينة أورشليم، وأحرقوا الهيكل. ومع احتراقه، ذاب الذهب والفضة وسال بين شقوق الحجارة، فقام الجنود الرومان بتفكيك الهيكل حجرًا حجرًا، وبذلك تحققت نبوءة يسوع المسيح حرفيًّا، إذ كان قد تنبأ بخراب الهيكل وعدم بقاء حجرٍ على حجر فيه (متى 24: 1–2؛ مرقس 13: 1–2؛ لوقا 21: 5–6).
احتفلت روما بهذا الانتصار، فأقام الإمبراطور فسباسيان وابنه القائد تيطس احتفالات نصر مهيبة ، خُلِّدت بنقوش وتماثيل، أبرزها قوس تيطس الذي صُوِّر عليه موكب الأسرى اليهود وهم يحملون غنائم الهيكل، ومنها المنارة الذهبية ذات الأذرع السبعة.
الموقع الاستراتيجي للقوس ودوره الرمزي والسياسي والديني
يقع قوس تيطس Arch of Titus على طريق فيا ساكرا Via Sacra، الشارع الرئيسي الذي يمر عبر المنتدى الروماني Roman Forum، بالقرب من التلة الكابيتولية Capitoline Hill. وقد صُمم القوس ليكون جزءًا من المشهد الاحتفالي الذي يشهده سكان روما أثناء العروض الانتصارية التي تقيمها الإمبراطورية.
يمثل القوس نقطة محورية في المشهد الحضري، حيث يربط بين المنتدى السياسي والديني، ويؤكد على القوة الرومانية وسيطرتها على المناطق التي اخضعتها، بما في ذلك الأراضي اليهودية بعد الثورة اليهودية عام 66–70م.
كما أن موقعه القريب من قلب الحياة السياسية والدينية لروما جعله مرجعًا بصريًا ونصبًا تذكاريًا دائمًا، يمكن لجميع الزوار والسكان رؤيته والتفاعل معه ضمن الطقوس والاحتفالات الرسمية، مما يعكس بوضوح دور النصب ليس فقط كتحفة معمارية، بل أيضًا كرمز سياسي وديني في نفس الوقت.
نهب الهيكل ونقل كنوزه إلى روما
بعد سقوط اورشليم، استولى الرومان على كنوز الهيكل المقدسة، وعلى رأسها المنورة الذهبية (Menorah). وقد نُقلت هذه الغنائم الى روما ضمن موكب نصر ضخم.
ولتخليد هذا الانتصار، بُني قوس تيطس Arch of Titus بأمر من الإمبراطور (دوميتيان Domitian) سنة 81م بعد وفاة أخيه تيطس.
يحتوي قوس تيطس على لوحات نحتية تمثل العرض الانتصاري الذي أقيم صيف سنة 71م عقب الانتصار الروماني على الثورة اليهودية، والذي بلغ ذروته بسقوط أورشليم . وتقدم هذه اللوحات واحدة من أندر الصور المعاصرة للأعمال الفنية والكنوز التي كانت موجودة في الهيكل الثاني . وعلى الرغم من أن اللوحات لا تذكر صراحةً أنها توثق هذا الحدث، إلا أنها تتطابق بشكل وثيق مع وصف العرض الروماني الذي سجّله المؤرخ Flavius Josephus في كتابه The Jewish War قبل حوالي عقد من الزمن.
المقاييس والزخارف وتفاصيل النقش
يُعد قوس تيطس Arch of Titus نصبًا ضخمًا يعكس براعة الفن الروماني في العمارة والنحت. يتميز بواجهة أمامية كبيرة تحتوي على أعمدة محفورة بخطوط طولية وأعمدة ملساء، حيث أن الأعمدة الملساء أُضيفت خلال ترميمات القرن التاسع عشر.
يبلغ ارتفاع القوس 15.4 مترًا وعرضه 13.5 مترًا وعمقه 4.75 مترًا، بينما يبلغ ارتفاع القوس الداخلي 8.3 مترًا وعرضه 5.36 مترًا، مما يجعله نصبًا بارزًا وملفتًا للنظر في روما .
تتميز الزخارف النحتية لقوس تيطس بغنى التفاصيل الرمزية والدقيقة. في المساحات العليا الجانبية، تُصوَّر شخصيات النصر على هيئة نساء مجنحات، بينما يقف على الحجر الرئيسي للقوس امرأة على الجانب الشرقي ورجل على الجانب الغربي، ما يضفي توازنًا جماليًا على التصميم.
امّا سقف القوس المحوري فهو مزخرف بنقوش عميقة يظهر فيها تأليه تيطس ، ويضم الممر الداخلي للقوس لوحتين منحوتتين كبيرتين تخلّدان الاحتفال المشترك بانتصار تيطس ووالده فسباسيان في صيف سنة 71م عقب سقوط أورشليم .
في الإمبراطورية الرومانية، كان تأليه الأباطرة ممارسة شائعة بعد وفاة الإمبراطور، خاصة إذا كان محبوبًا أو حقق انتصارات عظيمة. يُقصد بـ التأليه اعتبار الإمبراطور متحولًا إلى كائن إلهي أو مؤله ، ويتم تكريمه بتماثيل ونقوش وطقوس سياسية ودينية.تأليه تيطس كان وسيلة لتخليد اسمه وانتصاراته، وربط السلطة السياسية بالقوة الإلهية في الثقافة الروماني.
تُظهر اللوحة الداخلية الشمالية تيطس محتفلًا بالنصر، محاطًا بحراس ومرافقين يحملون رموز السلطة ، بينما تقود العربة الرباعية التي تحمل تيطس شخصية نسائية تمثل الشجاعة، بينما تضع إلهة النصر المجنحة على رأسه إكليل الغار. ويُعد هذا المشهد من أوائل الأمثلة التي تجمع بين البشر والرموز الإلهية في لوحة واحدة.
امّا اللوحة الداخلية الجنوبية فتُظهر الغنائم التي نُقلت من هيكل أورشليم ،ويبرز في مقدمتها الشمعدان السباعي Menorah المنحوت بتفصيل عميق. وتشمل الغنائم الأخرى البوق الذهبي ، ومجامر النار لإزالة رماد المذبح، ومائدة الخبز. ويُعتقد أن هذه الغنائم كانت مطلية بالذهب مع خلفية باللون الأزرق، وقد اكتشف مشروع الترميم الرقمي سنة 2012 بقايا من الطلاء الأصفر على نقش المنارة.
بالنسبة لخارج القوس،فُقِدت الزخارف النحتية التي كانت تزيّن الركائز الضخمة عندما أُدمج القوس في الأسوار الدفاعية خلال العصور الوسطى. وكان القوس في أصله مزينًا بعدد أكبر من التماثيل، وربما بعربة مدهّبة (gilded chariot)، كما كان النقش الرئيسي مزخرفًا بحروف من الفضة أو الذهب أو معادن أخرى.
النقش الأصلي موجود على الجانب الشرقي من القوس، مكتوب بأحرف رومانية مربعة الشكل، ويقرأ:
SENATVSPOPVLVSQVE ROMANVSDIVO TITO DIVI VESPASIANI FILIOVESPASIANO AVGVSTO
وترجمته:«مجلس الشيوخ والشعب الروماني يهديان هذا النصب إلى Titus Vespasianus Augustus المؤلَّه، ابن Vespasian Augustus المؤلَّه.»
خلال ترميم القوس سنة 1821، في عهد البابا بيوس السابع Pius VII وعلى يد المعماري Giuseppe Valadier، وُضع نقش جديد على الجانب المقابل باستخدام حجر الترافرتين لتمييز الأجزاء الأصلية عن المرممة. وجاء نص هذا النقش كما يلي:
INSIGNE RELIGIONIS ATQUE ARTIS MONVMENTVMVETVSTATE FATISCENSPIVS SEPTIMVS PONTIFEX MAXIMVSNOVIS OPERIBVS PRISCVUM EXEMPLAR IMITANTIBVSFVLCIRI SERVARIQVE IVSSITANNO SACRI PRINCIPATVS EIVS XXIIII
وترجمته:«هذا النصب، المميز من حيث الدين والفن، كان قد تضرر مع مرور الزمن. فالأب الأقدس Pius VII، بصفته رئيسًا أعلى للكنيسة، أمر بترميمه وتعزيزه على غرار النموذج القديم للحفاظ عليه، وذلك في السنة الرابعة والعشرين من حكمه المقدس.»
خاتمة
يمثل قوس تيطس اليوم شاهدًا أثريًا حيًّا على الأحداث التاريخية التي سبقت سقوط أورشليم وهدم الهيكل الثاني عام 70م. فقد جسد القوس النصر الروماني على الثورة اليهودية، كما وثّق نقل الغنائم المقدسة من الهيكل إلى روما، وهو ما يوافق ما تنبأ به السيد المسيح في الإنجيل عن خراب الهيكل وقرب نهاية تلك الحقبة
"فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «أَتَنْظُرُ هَذِهِ الأَبْنِيَةَ الْعَظِيمَةَ؟ لَا يُتْرَكُ حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لَا يُنْقَضُ»." (مر 13: 2).
بهذا المعنى، يصبح القوس ليس مجرد نصب فني أو رمزي للنصر الروماني، بل أيضًا دليلًا أثريًا يربط بين التاريخ الواقعي ونبوءة السيد المسيح التاريخية.
Claridge, Amanda. Rome: An Oxford Archaeological Guide. Oxford University Press, 2010.
Coarelli, Filippo. Rome and Environs: An Archaeological Guide. University of California Press, 2007.
Zanker, Paul. The Power of Images in the Age of Augustus. University of Michigan Press, 1988.
ليكون للبركة