هوية داريوس الفارسي بين النصوص الكتابية والسجلات الفارسية
ترجمة ودراسة
"وَكَانَ اللاَّوِيُّونَ فِي أَيَّامِ أَلِيَاشِيبَ وَيُويَادَاعَ وَيُوحَانَانَ وَيَدُّوعَ مَكْتُوبِينَ رُؤُوسَ آبَاءٍ، وَالْكَهَنَةُ أَيْضًا فِي مُلْكِ دَارِيُوسَ الْفَارِسِيِّ." (نح 12: 22).
تُعدّ مسألة التحديد الدقيق لهوية "داريوس الفارسي" الوارد ذكره في سفر نحميا (12: 22) من القضايا التي تستوقف الباحثين في مجالي التاريخ التوراتي والدراسات الفارسية القديمة، نظرًا لورود اسم "داريوس" في التاريخ الفارسي لدى أكثر من ملك، وهم داريوس الأول (522–486 ق.م.)، وداريوس الثاني (423–404 ق.م.)، وداريوس الثالث (335–330 ق.م.). وقد أتى ذِكر هذا الملك الكتابي في سياق كهنوتي–زمني يرتبط بالكهنة العظماء الذين خدموا بعد العودة من السبي، ما يفتح الباب أمام مقارنة دقيقة بين التسلسل الزمني لهؤلاء الكهنة وسنوات حكم ملوك فارس.
"وَكَانَ اللاَّوِيُّونَ فِي أَيَّامِ أَلِيَاشِيبَ وَيُويَادَاعَ وَيُوحَانَانَ وَيَدُّوعَ مَكْتُوبِينَ رُؤُوسَ آبَاءٍ، وَالْكَهَنَةُ أَيْضًا فِي مُلْكِ دَارِيُوسَ الْفَارِسِيِّ." (نح 12: 22).
لا تقتصر أهمية هذا التحديد على البعد المعرفي المجرد، بل تمتد لتشمل فهمًا أعمق للعلاقة بين يهوذا والدولة الفارسية في مرحلة ما بعد السبي، وتفسيرًا أدق لتسلسل الأحداث الدينية والسياسية التي شهدتها أورشليم في ظل الحكم الأخميني. ومن هنا، يسعى هذا البحث إلى إعادة فحص الأدلة المتوفرة – النصية واللغوية والأثرية – لتمييز داريوس المشار إليه في النص الكتابي، مع التركيز على الأدلة التي تشير إلى داريوس الثاني نوتوس بوصفه المرشّح الأرجح.
يستعرض هذا البحث الأدلة الكتابية والتاريخية واللغوية لتحديد هوية داريوس الفارسي،ويعتمد في تحليله على شهادات المؤرخين القدامى مثل يوسيفوس وكتسياس، وبرديات إلفنتين، ، والبرديات الآرامية، والألواح البابلية، والنقوش الملكية، والمسكوكات التي وُثّقت في فلسطين ومناطق النفوذ الفارسي. .
أولًا: المقدمة النصيّة والتاريخية
يذكر الكتاب المقدس خمسة ملوك فُرْسًا بالاسم:
-كورش (Cyrus ) (2 أخبار الأيام 36: 22–23)،
-داريوس الأول (Darius I ) (عزرا 4: 5)،
-أحشويروش/خشایارشا ( Xerxes/Ahasuerus) (أستير 1: 1–3)،
-أرتحشستا الأول (Artaxerxes I) (عزرا 7: 1–22)،
-و"داريوس الفارسي" (Darius the Persian),(نحميا 12: 22).
وتُعدّ هذه الإشارة الأخيرة موضع جدل تاريخي، إذ لا تُحدد النصوص الكتابية صراحة ما إذا كان المقصود هو داريوس الأول، الثاني، أم الثالث. غير أن السياق الزمني للكهنة العظماء المذكورين في النص — أَلِيَاشِيبَ وَيُويَادَاعَ وَيُوحَانَانَ وَيَدُّوعَ— يوفّر قرينة حاسمة.
ثانيًا: الأدلة الكتابية والوثائقية
هوية داريوس الفارسي
يتطلب تحديد هوية "داريوس الفارسي" مقارنةً بين فترات حكم الملوك الفرس الذين حملوا اسم داريوس، وبين التواريخ المرتبطة بالكهنة العظماء المذكورين في (نحميا 12 : 22 - 23)
يشير (نحميا12 : 23) إلى أن سجل رؤوس اللاويين قد كُتب "إلى أيام يوحانان بن ألياشيب"، مع أن الآية السابقة (نحميا 12 : 22 ) تذكر يَدّوع، مما يوحي بأن "أيام داريوس الفارسي" مرتبطة زمنيًا بخدمة يوحانان.
22 وَكَانَ اللاَّوِيُّونَ فِي أَيَّامِ أَلِيَاشِيبَ وَيُويَادَاعَ وَيُوحَانَانَ وَيَدُّوعَ مَكْتُوبِينَ رُؤُوسَ آبَاءٍ، وَالْكَهَنَةُ أَيْضًا فِي مُلْكِ دَارِيُوسَ الْفَارِسِيِّ.23 وَكَانَ بَنُو لاَوِي رُؤُوسُ الآبَاءِ مَكْتُوبِينَ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ إِلَى أَيَّامِ يُوحَانَانَ بْنِ أَلْيَاشِيبَ.
حمل ثلاثة ملوك فرس اسم "داريوس":
-داريوس الأول، المعروف أيضًا باسم داريوس الكبير (522–486 ق.م)؛
-داريوس الثاني (423–404 ق.م)، وكان معروفًا لدى الإغريق بلقب نوتوس (Nothus)، أي "ابن غير شرعي"، في إشارة إلى نسبه غير الشرعي؛
-داريوس الثالث (335–330 ق.م)، المعروف باسم كودومانوس (Codomannus)، أي "المحارب".
أما الكهنة العظماء الأربعة المذكورون في (نحميا 12 : 22) فهم: أَلِيَاشِيبَ وَيُويَادَاعَ وَيُوحَانَانَ وَيَدُّوعَ
يُذكر في (نحميا12 : 22 ) أربعة كهنة عظماء: أَلِيَاشِيبَ وَيُويَادَاعَ وَيُوحَانَانَ وَيَدُّوعَ ، وعلى الرغم من أن النص لا يصفهم صراحةً بلقب "كهنة عظماء"، إلا أن المؤرخ اليهودي يوسيفوس يؤكّد أن كل واحد منهم خدم في هذا المنصب. ويمكن تحديد الفترات التقريبية التي خدموا فيها استنادًا إلى التسلسل الزمني الكتابي، والأدلة الأثرية.
وهنا تبرز أهمية بردية إلفنتين رقم 30 (Elephantine Papyrus No. 30) ، وهي رسالة وُجّهت إلى باجواس، حاكم يهوذا، وتُذكر فيها صراحةً شخصية الكاهن الأعظم يوحانان، أحد الأسماء الواردة في (نحميا 12 : 22 ) . وقد تم تأريخ هذه الوثيقة تحديدًا إلى السنة السابعة عشرة من حكم داريوس الملك، ما يُساعدنا في ربط زمن خدمة يوحانان بفترة حكم داريوس الثاني نوتوس، ويعزّز من احتمال أن يكون هو "داريوس الفارسي" المذكور في السفر.
أَلِيَاشِيبَ
ذُكر بوصفه الكاهن الأعظم عندما وصل نحميا إلى أورشليم للإشراف على إعادة بناء الأسوار (نحميا 3: 20 - 21). وبما أن نحميا أتى إلى أورشليم في السنة العشرين لأرتحشستا الأول (نحميا 1:1؛ 2 : 1)، فهذا يعني أن ألياشيب كان يشغل منصب الكاهن الأعظم سنة 445 ق.م.
يُويَادَاعَ
المعلومات المتوفّرة عنه قليلة، لكن (نحميا 13 : 28) يذكر أن "ابن ألياشيب الكاهن العظيم كان صهرًا لسنبلط الحوروني.
"وَكَانَ وَاحِدٌ مِنْ بَنِي يُويَادَاعَ بْنِ أَلْيَاشِيبَ الْكَاهِنِ الْعَظِيمِ صِهْرًا لِسَنْبَلَّطَ الْحُورُونِيِّ، فَطَرَدْتُهُ مِنْ عِنْدِي." (نح 13: 28).
وتُفيد سياقات السفر أن هذه الحادثة وقعت بعد السنة الثانية والثلاثين من حكم الملك أرتحشستا الأول (433 ق.م)، إذ يُخبرنا نحميا في الآية السادسة من الإصحاح ذاته أنه كان قد عاد إلى البلاط الفارسي بعد تلك السنة، ثم استأذن لاحقًا بالرجوع إلى أورشليم.
وَفِي كُلِّ هذَا لَمْ أَكُنْ فِي أُورُشَلِيمَ، لأَنِّي فِي السَّنَةِ الاثْنَتَيْنِ وَالثَّلاَثِينَ لأَرْتَحْشَسْتَا مَلِكِ بَابِلَ دَخَلْتُ إِلَى الْمَلِكِ، وَبَعْدَ أَيَّامٍ اسْتَأْذَنْتُ مِنَ الْمَلِكِ (نحميا 13 : 6 )
وهذا الترتيب الزمني يُشير إلى أن يُويَاداع كان كاهنًا في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد، وأن فترة خدمته جاءت بعد ألياشيب وقبل يوحانان.
يُوحَانَان
ورد اسمه في بردية إلفنتين رقم 30، المؤرخة على وجه التحديد بـ"اليوم العشرين من شهر مارحشفان ( Marheshwan) في السنة السابعة عشرة من حكم الملك داريوس .
ويلاحظ جيمس فاندركام (James C. Vanderkam) أن "العوامل التاريخية وشكل الكتابة تشير إلى أن داريوس المقصود هو داريوس الثاني نوتوس... أما اليوم العشرون من الشهر الثامن (مارحشفان) (Marheshwan ) من السنة السابعة عشرة، فيوافق 26 نوفمبر 407 ق.م.
معلومات أساسية عن شهر مراحشفان:
مراحشفان (מַרְחֶשְׁוָן، Marḥeshvān) هو الشهر الثامن في التقويم العبري الديني. يعود أصل الاسم إلى اللغة الأكدية البابلية، حيث كان يُسمّى "ورَح شمْنو" (warkh shamnu)، أي "الشهر الثامن"، ثم تطوّر لاحقًا إلى "مارحشفان". في برديات إلفنتين، وُثّقت تواريخ باستخدام أسماء الشهور العبرية أو البابلية مثل "مارحشفان"، وغالبًا ما تُذكر مع سنة حكم الملك الفارسي، ما يساعد على التأريخ الدقيق للأحداث المرتبطة بالهيكل والكهنوت في يهوذا.
يَدُّوعَ
يسميه يوسيفوس معاصرًا للإسكندر الأكبر، الذي حكم من 336–323 ق.م، ولداريوس الثالث.
-القرينة الزمنية من (نحميا 12 : 22 - 23) ومعلومة هامة في هذا السياق
"وَكَانَ اللاَّوِيُّونَ فِي أَيَّامِ أَلِيَاشِيبَ وَيُويَادَاعَ وَيُوحَانَانَ وَيَدُّوعَ مَكْتُوبِينَ رُؤُوسَ آبَاءٍ، وَالْكَهَنَةُ أَيْضًا فِي مُلْكِ دَارِيُوسَ الْفَارِسِيِّ. (نحميا 12 : 22 ) "وَكَانَ بَنُو لاَوِي رُؤُوسُ الآبَاءِ مَكْتُوبِينَ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ إِلَى أَيَّامِ يُوحَانَانَ بْنِ أَلْيَاشِيبَ." (نح 12: 23).
وعلى الرغم من أن يَدّوع مذكور في الآية 22، إلا أن اسمه لا يرد في الآية 23، ما يُعد أمرًا ذا دلالة، فإن غيابه من سجل الرؤساء في الآية 23 يوحي بأن السجلات الكهنوتية توقفت عند يوحانان، وهو ما يُقوّي الربط بين "داريوس الفارسي" الوارد ذكره في الكتاب المقدس، وداريوس الثاني تحديدًا.
وبما أن فترة حكم داريوس الفارسي ترتبط بكهنوت يوحانان، وأن اسمه مذكور بشكل محدد في برديات إلفنتين (Elephantine papyri) خلال حكم داريوس الثاني، فإن الاحتمال الأقوى هو أن "داريوس الفارسي" يشير إلى داريوس الثاني نوتوس.
وقد توصل المؤرخ المتخصص بالتاريخ الفارسي، إدوين ياماووتشي Edwin Yamauchi ، إلى نفس النتيجة، معتبرًا أن "داريوس الفارسي" هو على الأرجح داريوس الثاني.
ثالثًا: لمحة عن صعود داريوس الثاني
كان داريوس الثاني ابنًا للملك أرتحشستا الأول (Artaxerxes I) ، لكنه لم يكن ولي العهد الرسمي. فعندما تُوفي أرتحشستا الأول، لم يكن له سوى ابن شرعي واحد، تولى العرش تحت اسم أحشويروش الثاني (Xerxes II).
وبحسب المؤرخ الإغريقي القديم كتيزياس (Ctesias) ، لم يدم حكم أحشويروش الثاني سوى خمسة وأربعين يومًا، إذ اغتيل على يد أخيه غير الشقيق سيكيديانوس (Secydianus)، الذي تولى الحكم بعده، لكنه لم يلبث أن أُطيح به بعد ستة أشهر على يد أخيه غير الشقيق الآخر أوخوس (Ochus)، الذي اعتلى العرش تحت الاسم الملكي داريوس الثاني.
ينقل كتيزياس (Ctesias) التالي:
"بينما كان أحشويروش (Xerxes) في حالة سُكر نائمًا في القصر أثناء أحد الأعياد، دخلوا وقتلوه، بعد مرور خمسة وأربعين يومًا على وفاة والده... أصبح سيكيديانوس ملكًا... ثم جمع أوخوس حوله جيشًا كبيرًا، وكان من المرجح أن يُصبح ملكًا. فانشق أرباريوس، قائد فرسان سيكيديانوس (Sogdianus) ، وانضم إلى أوخوس... وأصبح أوخوس ملكًا وحمل اسمًا جديدًا هو داريوس --الثاني--... أُلقي القبض على سيكيديانوس، وطُرح في الرماد وقُتل بعد أن حكم ستة أشهر وخمسة عشر يومًا.
وتُثبت ألواح بابلية من أرشيف موراشو (Murašû Archive) أن الأحداث التي جرت بين وفاة أرتحشستا الأول وتولّي داريوس الثاني العرش وقعت في الفترة ما بين نهاية ديسمبر 424 ق.م وفبراير 423 ق.م. كما أن حكم كل من أحشويروش الثاني وسوغديانوس /سيكيديانوس (Sogdianus) لم يُعترف به رسميًا من قبل الكتبة البابليين.
رابعًا: التحديات العسكرية والسياسية
اعتلى أوخوس العرش تحت الاسم الملكي داريوس الثاني، وواجه خلال فترة حكمه عددًا من التمردات الداخلية، كان من بينها تمرد شقيقه أرسيتس (Arsites). وقد نجح في قمع كل هذه التحديات بمجرد ظهورها، مُعززًا بذلك سلطته داخل الإمبراطورية.
دخل داريوس الثاني لاحقًا في حرب البيلوبونيز (Peloponnesian War) ، وهي صراع سياسي وعسكري بين دول المدن الإغريقية، وخاصة أثينا وإسبرطة. وقد استفز الأثينيون داريوس بدعمهم لثورة داخل الإمبراطورية الفارسية قادها شخص يُدعى أمورغيس (Amorges). فقام داريوس بتفويض حكّامه المحليين في المنطقة لتمويل المجهود الحربي الإسبرطي ضد أثينا.
ويُعلق المؤرخ الفرنسي بيير بريان (Pierre Briant) بالقول:
"لقد شملت هذه المهمة إطلاق عمليات علنية ضد أثينا، بهدف تأكيد السيادة الأخمينية على الساحل الغربي لآسيا الصغرى.
وقّع داريوس الثاني ثلاث معاهدات مع إسبرطة، وقد دوّن المؤرخ الإغريقي ثوسيديديس (Thucydides )(نحو 460–395 ق.م) نصوص هذه المعاهدات في مؤلفه تاريخ حرب البيلوبونيز (Peloponnesian War) .
خامسًا: العلاقات الإدارية مع مصر ويهوذا
حافظ داريوس الثاني على السيطرة الفارسية على مصر طوال مدة حكمه. ويشهد على ذلك عدد من الوثائق الآرامية التي تذكر مسؤولين فرسًا في مصر، بالإضافة إلى خرطوش يحمل اسمه في معبد الخارجة، وختم عُثر عليه في منف (Memphis) منقوش عليه اسم داريوس الثاني، ويُصوّر بطلًا ملكيًا يتغلب على أبو الهول مزدوج.(أبو الهول مزدوج" تعني تمثالين من أبي الهول يُصوّران معًا في مشهد واحد، وغالبًا ما يكون الملك ظاهرًا وهو ينتصر عليهما).
واستمرت الإمبراطورية الفارسية في فرض سيادتها على أورشليم ومقاطعة يهوذا ، التي كانت جزءًا من مرزبة "عَبْر النهر". وعلى الرغم من ندرة الوثائق المتبقية من تلك الفترة، إلا أن حاكمًا فارسيًا ليهوذا يُعرف من زمن داريوس الثاني، وهو باجوهي / باغواس (Bagohi /Bagoas) ، الذي يُشار إليه بلقب "حاكم يهوذا" في برديات إلفنتين.
سادسًا: العملات الفارسية في عهد داريوس الثاني
كانت العملات القياسية في الإمبراطورية الفارسية تتكوّن من الدارك الذهبية (gold darics )والسيكلو الفضي (silver sigloi) ، وكلاهما تم سكّه خلال فترة حكم داريوس الثاني.
وخلال القرن الخامس قبل الميلاد، بما في ذلك زمن داريوس الثاني، كانت تُسك عملات أيضًا في فلسطين، تحت إشراف فارسي مباشر. وقد عُثر على بعض هذه العملات في حفريات أثرية مختلفة في أرض إسرائيل.
ولم يبدأ سك العملات في يهوذا، حاملةً نقش "يَهُود" Yehud– وهو اسم المقاطعة – إلا في القرن الرابع قبل الميلاد، أي بعد عهد داريوس الثاني.
سابعًا: النقوش الملكية
لم يبقَ من النقوش الملكية العائدة إلى عهد داريوس الثاني سوى عدد قليل. ومن بينها نقش محفوظ في مدينة شوشان (Susa)، يُعرف بالرمز D2Sb، وقد عُثر عليه على قاعدتي عمودين، ويقرأ كما يلي:
**"أنا داريوس، الملك العظيم، ملك الملوك، ملك جميع الأمم، ملك هذا العالم، ابن الملك أرتحشستا، الأخميني.
يقول الملك داريوس: لقد كان والدي أرتحشستا قد أوشك على بناء هذا القصر. ثم، بنعمة أهورامزدا Ahuramazda, ، أنا الذي أتممت بناء هذا القصر."**
أما أطول نقش معروف (يرمز له بـ D2Ha)، فقد ورد أنه اكتُشف في (إكبتانا القديمة) Hamada (ancient Ecbatana) ، وهو مدوَّن على لوح ذهبي، ويقرأ جزئيًا كما يلي:
"أنا داريوس، الملك العظيم، ملك الملوك، ملك البلدان التي تضم شعوبًا من أنواع متعددة، ملكٌ على هذه الأرض العظيمة، الواسعة الأطراف، ابن الملك أرتحشستا، أرتحشستا (الذي كان) ابن الملك أحشويروش، وأحشويروش (الذي كان) ابن الملك داريوس، من نسل الأخمينيين.
يقول داريوس الملك: إن أهورامزدا (Ahuramazda )هو الذي وهبني هذه الأرض. أنا ملك في هذه الأرض – فليحمِ أهورامزدا (Ahuramazda) بيتي الملكي والملوكية التي منحني إياها."
كما ورد اسم داريوس الثاني أيضًا في عدد من النقوش على قواعد أعمدة نُقشت في عهد ابنه أرتحشستا الثاني، حيث يُشار إليه بوضوح بصفته والده.
ثامنًا: وفاته ومكان دفنه
توفي داريوس الثاني سنة 404 ق.م.، بعد أن حكم لمدة تسعة عشر عامًا، وخلفه ابنه أرتحشستا الثاني على العرش.ويُعتقد أن داريوس الثاني دُفن في القبر الواقع أقصى اليسار ضمن المدافن الملكية المنحوتة في صخور الجرف في موقع نقش رُستم (Naqsh-e Rustam)، وهو المجمع الجنائزي الذي احتضن قبور عدد من ملوك السلالة الأخمينية.
الخلاصة
تشير الأدلة الكتابية والأثرية مجتمعة إلى أن "داريوس الفارسي" المذكور في (نح 12: 22)هو داريوس الثاني نوتوس، وليس داريوس الأول أو داريوس الثالث. يدعم هذا التحديد تسلسل الكهنة العظماء، برديات إلفنتين، الأرشيف البابلي، ونقوش العهد، مما يتيح لنا فهمًا شاملاً عن هذا الملك ودوره في المرحلة الأخيرة من الحكم الفارسي في يهوذا.
حكم داريوس الثاني لمدة تسعة عشر عامًا، وخلال هذه الفترة حافظت الإمبراطورية الفارسية على سيطرتها على مقاطعة يهوذا، التي تقع ضمن مرزبة "عبر النهر".
بعد السبي البابلي (586 ق.م.) وتدمير أورشليم والهيكل الأول، لم تعد يهوذا مملكة ذات سيادة مستقلة، بل أصبحت مقاطعة أو إقليمًا إداريًا تحت السيطرة الفارسية ضمن مرزبة "عبر النهر" (أي المناطق الواقعة غرب نهر الفرات، ومنها يهوذا).
وخلال هذه الحقبة، استمر الهيكل الثاني في أورشليم في أداء دوره كمركز للعبادة اليهودية، كما احتفظ الكهنة بمكانة بارزة وتأثير ملموس في الحياة اليومية للشعب. ورغم ذلك، ظل الحكام المحليون في نهاية المطاف تحت سلطة الإمبراطورية الفارسية.
ليكون للبركة
Darius the Persian: An Archaeological Biography